هؤلاء في حياتي (٣٢) غالب الشابندر.. عاشق الرصيف

هؤلاء في حياتي (٣٢)
غالب الشابندر.. عاشق الرصيف
سليم الحسني

هذه الضحكة المجلجلة التي نسمعها من غالب الشابندر والتي تميز بها في مجالسه ومع أصدقائه، هي ضحكة كاذبة مصطنعة، إنها تنطلق من حنجرته فقط، وليس لها مكان أعمق من الأوتار الصوتية. يطلقها هكذا صاخبة عالية، ليشعر من حوله أنه فرح مسرور، فيما اعماقه غارقة بالحزن الذي يتفنن في إيجاده.

غالب الشابندر يعرف البكاء، يجيد النشيج الحزين، يُبدع في الصرخة المكبوتة، صادق بدمعته الساخنة، أما الضحكة فهي كذبته التي يجامل بها الآخرين.

أقطع معه المسافات مشياً على الأقدام، في شوارع طهران وشوارع لندن، فيتوقف فجأة، يشدّه رصيف متسخ أو زاوية مهملة، فيجلس هناك، ويجهش بالبكاء، بكاء مرّ مؤلم، بكاء رجل مفجوع سمع لتوه خبراً مأساوياً، ففقد تماسكه وانهار مكسوراً يستعين بدموعه ليطفئ لوعته الحرّاقة.

أسأله احياناً عن السبب، وأمسك احياناً عن سؤاله، ففي الحالتين لا أعرف الدافع وراء هذه الموجة البكائية الحزينة، وفي الحالتين أعرف الدافع وراء هذا البكاء المرّ المفجع.

لقد سرقت الثقافة أغلى أمنية في حياته، وأعاق الفكر تحقيق طموح عمره، ولم يعد بمقدوره أن يرجع الى الوراء ليحقق ما فاته، فهذا المشوار الطويل من العمر، سحق الحلم الأكبر بخطواته المتلاحقة المتعثرة، داس عليها فتفتت حلمه، لقد كان يريد أن يكون متسولاً على الرصيف، لكن الثقافة منعته من ذلك، ثم انصرف من حيث لا يدري الى عالم الفكر فتوغل في أعمق أعماقه، وضاع في دروبه المتشعبة، ضياع طويل، لا يجد إلا في بعض الأوقات ثغرة تطل على الرصيف، فينزلق منها نحو حجارته يجلس هناك، يبكي حلمه الكبير، ويبكي همومه التي تتوالد تلقائياً ثم تنشطر اضعافاً مضاعفة، وحين يجدها تتكاثر يسقيها بالدموع لتنمو أكثر داخله، لتنغرز جذورها في أعمق نقطة من روحه، لكنه يبقى متعطشاً لمزيد من الحزن والهم والألم.. يستزيد منه ويستزيد، جشع لا يشبع من الحزن.

قرأ غالب الشابندر أهم الكتب على الرصيف.. تولدت في ذهنه أخطر الأفكار وهو جالس على الرصيف، فكتب روايته الرائعة بطبعاتها المتكررة (العودة الى الرصيف).
حين ينهض لا ينفض تراب الرصيف من ملابسه، كأنه يريد ان يحمله أطول فترة ممكنة، وان يسير معه لأبعد نقطة ممكنة. وحين يرى متسولاً أو متشرداً يجلس في زاوية من الرصيف، يجلس بجواره مستغرقاً في أحلامه الضائعة.

وقد حزن كثيراً عندما جاء ذات مرة الى لندن، ولم يجد صديقته المتشردة التي كانت تجلس عند مدخل مترو الانفاق في شارع أكسفورد. فلقد اعتاد ان يزورها كل مرة، يجلس قربها وهي محاطة بقطع ممزقة واشياء مبعثرة، وعلب كرتونية قديمة. يتبادل معها الحديث، أسئلة ذات أجوبة لا معنى لها منه ومنها، أو أنني لا أفهم معناها. أراهما منسجمين مستغرقين في هذا الحوار الغريب الذي تختلط فيه الكلمات بالإشارات المبعثرة.

أشعر بالحرج من المارة في موقفي هذا، فأتنحى جانباً انتظره حتى يفرغ من جلسته الخيالية الواقعية، وابتعد عنه لكي لا أفسد عليه متعته الوهمية الحقيقية. ثم ينهض فجأة يحييها باحترام، لم أجده يحيي أحداً بمثله. لا أساله عن هذا السرّ في تعلقه بهذه المتسولة، ولا عما دار بينهما، لأنه لن يبوح بسره ولأني أعرف سره.

وإذا سألني أحد عن سبب ذلك وتفسيره فسأكتفي بالقول:
ـ هذا هو غالب الشابندر.

لإستلام مقالاتي على قناة تليغرام اضغط على الرابط التالي:
https://telegram.me/saleemalhasani

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close