التعارض والعداء!! “إنهم معارضون وليسوا أعداء”

التعارض والعداء تفاعل قائم في المجتمعات البشرية منذ الأزل , والعلاقة ما بين الحالتين دقيقة وحساسة , والمقصود بالمعارضة عدم التوافق مع نظام الحكم القائم في أي مجتمع.
وتأريخ الشعوب يتكلم بلسان المعتقلات والزنزانات والمشانق عن مسيرة الفتك السياسي المتوحش للمعارضين , لأنهم لا يمكن رؤيتهم إلا على أنهم أعداء ويطمحون لأخذ الحكم والجلوس على كرسي السلطة , الذي تعتبره القوة الماسكة بزمام الحكم حقها المطلق.
ولا تزال الشواهد شاخصة في مجتمعات نحسبها متحضرة ومتقدمة , لكنها إستوعبت الحالة التفاعلية وتوجهت نحو الديمقراطية , وأرست قواعد الحكم المحددة بفترات زمنية وبضوابط قانونية ودستورية تمنع إختكار السلطة وتمركزها بقبضة واحدة , بل أن من أهم مقوماتها أن يتحقق تبادل دستوري للسلطة.
ولهذا فأنها أسقطت من مفاهيمها ومصطلحاتها السياسية الخلط ما بين المعارضة والعداء , فالمعارض ليس عدوا للسلطة , وإنما هو من ضرورات صحة وقوة وصواب السلطة الحاكمة , لأن المعارض سيكون العين الواعية لكل إنحراف وعدم إنضباط وفساد في الحكم.
وعليه فأن الحرية أطلقت للصحافة لتراقب وتوصل الحقائق للناس , ولكل معارض فرد أو مجموعة أو حزب أحق بل وواجب الإفصاح عن الرأي لتقويم وإظهار أخطاء الحكام , وهذه من العلامات الفارقة ما بين المجتمعات المتقدمة والمتأخرة التي لا تزال تخلط بين التعارض والعداء , فتحسب كل معارض عدو عليها أن تقتله أو تعتقله أو تنفيه , ولهذا فهي تتخبط بالأخطاء والخطايا والتداعيات المريرة , وما قدمت خيرا لنفسها ولشعوبها , لأنها تستنزف طاقاتها في التمسك بالحكم والقبض المحكم على الكرسي ومناوءة المعارضين وإبادتهم.
وهذا السلوك لا يزال سائدا في المجتمعات التي ما وصلت إلى مستوى النضج السياسي الديمقراطي الإنساني المعاصر , بل أنها لم تستوعب مكنونات التأريخ وتعبر عنها بقدرات حضارية واعية.
ولهذا فأن المجتمعات المبتلاة بهذه الآلية التنفاعلية السلبية , ستبقى في محنتها التقهقرية ومراوحتها في وحل الإستنزاف والعدوانية على بعضها , مما يساهم في إشاعة التمزق والفرقة وتعزيز الضعف والإتكال على الآخرين , والركون إلى التبعية وتحقيق مصالح الغير , على حساب مصالح الشعب والوطن.
فهل سترتقي بوعيها إلى مفاهيم المعارضة المعاصرة , وتقتلع وهمَ الحكم المطلق والسلطة المطلقة , وتؤمن بحقوق الإنسان وإرادة الشعب ومناهج تبادل السلطة والحكم , وعدم حصر القوة بقبضة واحدة آثمة مذعنة لأمّارات السوء المعتملة فيها؟!!
د-صادق السامرائي

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close