الفنان المسرحي المغترب كريم رشيد: قدمت مسرحية كلكامش على مسارح القدس ورام الله وبيت لحم

الفنان المسرحي المغترب كريم

مالمو – علي كاظم

ارتبط أسمه بالمسرح العراقي الجاد في نهاية الثمانينات وحتى منتصف التسعينات حيث هاجر بعدها الى الخارج ، وكانت عروضه المسرحية غالبا ما تحاول مشاكسة الواقع السياسي عبر أساليب (( التمويه والتخفي بوصفها شكل من أشكال المقاومة والأعتراض )) وكان ذلك عنوانا لدراسة وبحثا متخصصا أنجزه في المهجر. صحيفة الزمان التقت معه في مدينة مالمو وكان هذا اللقاء معه

{  كيف كانت خطواتك الاولى مع الفن؟

– منذ مرحلة مبكرة عشقت الفن واعتبرته رسالة إنسانية يجب أن أوصلها بأمانة الى الجمهور وكنت أتابع العروض المسرحية واعجب بأداء الممثلين على خشبة المسرح وعقدت العزم مع نفسي أن أكون فنانآ

{ وكيف أستمر مشوارك مع الفن؟

– في معهد الفنون الجميلة في بغداد كان الإبداع والتطور وكنت مهتما في تطوير شكل العرض المسرحي ومزجه بالفنون الأدائية والتشكيلية المختلفة ، كالرقص والغناء والرسم والنحت ففي عام 1980 قدمت عرضا متفردا لقصيدة السياب ((الأسلحة والأطفال)) أسهم فيه الفنان الرسام ابراهيم رشيد، الذي رسم جدران قاعة معهد الفنون الجميلة ليصنع منها معبد السياب الغريق، وأسهم أيضا الفنان الموسيقي كريم هميم والنحاته رغد عبد الرزاق والفنان ناظم فالح وآخرون .

{ كيف كانت ثمرة جهدك وعملك؟

– كما قلت لك الفن بالنسبة لي رسالة إنسانية لكن هذا لا يمنع ان تقطف ثمار عملك وتألقك فحصلت على عدة جوائز في التمثيل وبعدها توجهت الى الأخراج فقدمت مسرحية ((الأقوى )) لسترندبرغ ومسرحية (( قطط )) لأحمد الصالح الني مُنع تقديمها بعد عرضها الأول، وأشتركت مع د. صلاح القصب في إخراج (( حفلة الماس )) لخزعل الماجدي، ومن بعدها “الحر الرياحي” التي عُرفت بانها احدى النصوص الشعرية العصية التي ظلت قيد منع الرقابة الفكرية لسنوات طويلة، وأحدث إخراجي لمسرحية الحر الرياحي عام 1994 صخبا لافتاً في الحيز النقدي والاعلامي، جعل منها المخرج صورة توحدت فيها مأساة الشهادة الحسينية بمأساة الشعب العراقي في إنتفاضة آذار المجيـــــدة .

{ حدثني عن مسرحية حفار القبور والمومس العمياء ” يقال انها من افضل اعمالك التي قدمتها؟

– هذا العمل حاولت فيه مسرحة الشعر ، وقدمتها في الأردن عام 1995 في عرض يعتمد على الرقص التعبيري الحديث ، لقد كنت حريصا على تقديم القصيدة البصرية الى جانب النص الشعري ، حيث كنت اسعى الى جعل القصيدة الشعرية والبصرية في حيز واحد يتجاوران فيه ويتقاطعان، يتنافران ويتجاذبان )) وهي تجربة كررتها في المهجر حيث قمت بأعداد وأخراج قصائد (( أغاني مهيار الدمشقي )) لأدونيس وكانت هذه أول أعمالي باللغة السويدية عام 2002 .

{ كيف كانت تجربتك في المهجر؟

– تجربتي في المهجر مثل معصرة مثل دخول حبة زيتون الى معصرة الزيت .. قاسية لكنها معطاءة ، فقد كانت مرحلة إعادة بناءة وتأصيل وتطوير الكفاءة الأكاديمة والعلمية والفنية .. إبتعادي عن العمل في الساحة المحلية لم يعن أبدا إبتعادي عن الوطن ، انه مجرد فراق فيزيائي أتاح لي النظر عميقا الى ما كنت لا أراه عن قرب.

وعندما عدت الى العراق عقب سقوط النظام الديكتاتوري مباشرة عام 2003 ألتفت الى ذلك الطفل الذي في داخلي فرأيته حافيا يجوب في خرائب بغداد التي عشقها وحلم بها، أو صبيا يحمل سلاحا ويطارد الموت .

{ وماذا فعلت لهذا الطفل الذي في داخلك لانقاذه أو على الاقل تجعل الدولة والمجتمع تلتفت له؟

– قدمت مشروع بعنوان ((مسرح لوقف العنف ضد الأطفال )) الذي أشرف على تنفيذه نخبة من الفنانين العراقيين في الداخل ، ومن حينها واصلت ملازمة ذلك الطفل الذي تركته خلفي في بغداد في أعمالي ومشاريعي اللاحقة فعملت مع مسرح الأطفال واليافعين وهو أحد قطاعات المسرح البلدي في مالمو.

{ وصفتك أحد الصحف السويديةً ” المالك الجديد لمدينة مالمو ” لماذا؟

– يضحك قبل الإجابة ويقول هذا الوصف لصحيفة سيدسفنسكا أحد أهم الصحف السويدية والصحيفة الرئيسة في أقليم الجنوب إثر أخراجي مسرحية ((أنا مالك مالمو)) التي كُلفت بأخراجها لتكون الافتتاح لأحدى دور العرض الجديدة في مدينة مالمو مسرح باستيون عام 2006 إستمد قصتها من حياتي الشخصية وقصص مهاجرين آخرين ، وكان ذلك العرض بمثابة صفحة جديدة في البحث الجمالي الذي أسس له في بغداد في رسالتي للماجستير (( جماليات المكان في العرض المسرحي المعاصر )) التي صدرت قبل عامين ككتاب ضمن سلسة كتب بغداد عاصمة الثقافة ، حيث كانت مادة المسرحية بمثابة بحث فلسفي أجتماعي في علاقة الأنسان بالمكان الذي في داخله والمكان الذي يتواجد فيه.

{ أين موقع السينما في جسد كريم رشيد؟

– السينما مثل المسرح تعيش في داخلي وقد قدمت عدة أدوار في السينما خاصة دوري في الفيلم الروائي السويدي (( الصحفي العالمي مورغان بولسون )) أعقبه فلم آخر من سلسلة أفلام ((فلاندار)) السويدية الأنكليزية ، ثم فلم للقناة الرابعة في التلفزيون السويدي بعنوان (بايك) جعلني ذلك في مصاف الممثلين المحترفين في السينما والمسرح في السويد. لكن يبقى عشقي الدائم للمسرح جعلني قريبا دوما من تلك المنصة التي أقول عنها : (( إنها حقل لإحالة كل ما هو تأمل فلسفي في معتركات الحياة الى معطى جمالي محسوس )) فقدمت عدة عروض كان من بينها مسحرية ((ستيليت)) الذي جمع فيها ممثلتين أحداهما سويدية وأخرى مصرية قُدمت باللغة السويدية والأنكليزية والعربية وكانت بمثابة مناقشة مثرة للجدل حول الخطايا التي أرتكبتها السلطة الذكورية تجاه المرأة في الشرق والغرب على حد سواء .

{  لو سألتك عن افضل اعمالك المسرحية التي لا قت استحسان الجمهور العربي والسويدي؟

– مسرحية (( كلكامش )) التي قدمها الممثل والمغني السويدي سفاين كريستيرسون حيث عرضت في العديد من المدن السويديةً ، أما مسرحية (( جئت ُ لأراك )) التي فازت في مسابقة التأليف المسرحي في الهيئة العربية للمسرح عام 2011 فقد تُرجمت الى السويدية والأنكليزية ثم قُدمت في المسرح البلدي في مالمو من إخراج مديرة المسرح بيترا بريلاندر ، وقُدمت أيضا في المسرح الوطني في ستوكهولم ، وحظيت بأهتمام لافت في الصحافة السويدية وأحالتها المحطة الأولى في الأذاعة السويدية الى عمل تمثيلي إذاعي عام 2015. وفي العام الحالي أنتهيت مؤخرا من أخراج مسرحية (( مشعلو الحرائق )) للكاتب ماكس فريش التي تطرقت الى حرائق الأرهاب والعنصرية والكراهية وقُدمت على مسرح الأستوديو في مالمو.

{ سمعت أنك تعرضت للمضايقات والسب والشتم بعد عرض مسرحيتك الرائعة ” جئت لاراك ” من بعض المتشددين في مالمو؟

– نعم تعرضت من بعض المتشددين للسب والشتم والاعتداء من قبل مجموعة أختارت هذه الطريقة للتعبير عن رأيها ضد فكرة مسرحية ” جئت لأراك ” حيث أستغلوا وجودي في مهرجان مالمو السينمائي وحاولوا الاعتداء وفِي وقتها اصدر الاتحاد العام للفنانين العرب بيان أستنكار لهذا الاعتداء المشين

{ سمعت انك زرت فلسطين وقدمت مسرحية كلكامش في مدن رام الله والقدس وأريحا وبيت لحم؟

– نعم ذهبت الى فلسطين من خلال فريقي السويدي الذي قدّم عمله بلغة سويدية وبنكهة عراقية لم تستطع إخفاءها اللغة الأجنبية. أداء سفّين كريسترسون كان لافتاً، إذ استطاع أن يحمل عملاً بهذا الغنى والتشعب وتعدد الأصوات. كل ذلك في فضاء سينوغرافي متقشف وسرد «أمين» لأحداث الملحمة المعروفة. وبدا العزف المرافق الذي يمزج أنواعاً مختلفة من الموسيقى ــــــ من البوب والروك إلى ما يسمى «موسيقى العالم» ــــــ متوائماً مع الرؤية الإخراجية التي أضفت روحية عراقية شعبية على الملحمة التاريخية. وكان هذارهاني والأمر الوحيد الذي يمكن إضافته في استعادتي لعمل كملحمة كلكامش . وروحية التصدي الحضاري التي تعلنها ذات عراقية جريحة، تجد في تاريخها البعيد جداً تضميداً لواقع مهشم ومؤلم ويائس ، وهذا العمل يمثل نموذجاً للتجارب المسرحية العراقية في الشتات ومحاولة هذه التجارب الدخول في نسيج البيئات الجديدة والتفاعل معها إبداعياً.

{ ذكرياتك مع الفنانين العراقيين؟

– لي ذكريات كثيرة ومهمة مع عدد كبير من أساتذتي وزملائي في العراق لن تزول عن ذاكرتي ، أسماء مثل الراحل الكبير قاسم محمد الذي أخذ بيدي الى المسرح القومي منذ كانت طالبا في معهد الفنون الجميلة لأمثل الدور الرئيسي في مسرحيته (( رحلة الأمير في سفرة المصير )) وأستاذي الراحل عوني كرومي الذي أعطاني الكثير من خبرته الأخراجية ، والمربي الرائد الأستاذ سامي عبد الحميد ، والمعلم والأب الروحي للمسرح التجريبي في العراق د. صلاح القصب . والأستاذ المبدع د. فاضل خليل الذي عملت معه ممثلا ومساعد مخرج . وعدد كبير من الأصدقاء الذي جمعني معهم عشق المسرح والفكر والجمال .

{ هل من عودة للوطن؟

– العودة الى العراق ليست حلما وليست حنينا ، إنها فرض حج تشتاق أليه الروح كل يوم ، لقد عدت الى الوطن أكثر من مرة ، وسعيت الى تحقيق مشاريع مع منظمات المجتمع المدني تكللت بالنجاح ، أما المؤسسة الرسمية فقد ظلت دوما من حصة التجاذبات بين الأطراف السياسية التي لم أكن يوما جزءا منها.

{ كلمة اخيرة

– هي ليست كلمة واحدة وانما أطنان من الكلمات ندعو فيها ان نرى العراق يستعيد عافيته وتعود البسمة لوجوه أطفاله والراحة والامان لشعبه . ولَك كل التوفيق في عملك الصحفي والشكر موصول لجريدة الزمان على هذا اللقاء.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close