محنة الدين والحياة في العراق

د. عبدالرضا الفائز
alfize@yahoo.com

الفرد منا جسد وعقل وعاطفة، فهل هي كلها دين؟ إن الدين جزء من الحياة، لكنه ليس كلها. فهناك الأدب والفن والطب والهندسة وغيرها ليست في الدين أو من الدين كلها. فالدين يعترف بطيبات الحياة لكنه لا يحتويها، لأن الحياة ليست كلها دين. فقبل عصر التنوير الذي ساعد خروج الإنسان الغربي من القصور الذهني إلى الرشد العقلى (فيكون المتنور من يستطيع إستخدام عقله بشجاعة، لا أن يردد ما يقال له)، كان الدين يُقحَم في إكتشافات كوبرنيكس وغاليلو، وكان يستخدم في إخماد صوت العلم والتعبير عن العواطف.

نعم، إن هناك أناسٌ بدون شك أستطاعوا أن يجعلوا حياتهم كلها دين بقدرات غير طبيعية، مكنتهم كبت غرائزهم ونزعاتهم، وأولئك قلة بين البشر (رسل وأولياء، أو قديسين). لكن وعبر التاريخ، كان التظاهر بالتدين وسيلة للتملق وطريقة للخداع والغش عند البعض. والذين يدعوّن التدين والتظاهر به، هم أناس لا ينشرون قيم الدين بل يروجون لدعاية قبليتهم الدينية من أجل إقصاء غيرهم وتهميشه، بأشاعة الهوس والغلو والتطرف، من أجل إثبات التفرد والتميز أمام شريحة صامتة، تتكاثر رفضا لذلك.

ولإن الديمقراطية خطوتان للأمام وخطوة للوراء، فإن الأحزاب الإسلامية في العراق (كمثيلاتها خارجه) بما يشاع عنها من عاطفية تجربة، وتشتت ملحوظ في تعددها غير المبرر، مضافا إلى ذلك ما تمتاز به من ضبابية رؤى سببت تشظيها وكثرت إنشقاقاتها، مع ضعف ولين في الصرامة التنظيمية التي سهلت إختراقها، فإنها رغم كل ذلك تتمتع بميزة لا يتمتع بها غيرها من الأحزاب، كونها تعمل في بلد يتسم أهله بالتدين ولديهم إستعداد قوي للإستجابة لأي خطاب يستخدم الإسلام مركبا. وهذا في الحقيقة مأزق واقعي للتقدم والبناء الديمقراطي.

فليس سرا إن أعدادا غفيرة مستعدة أن تعطي أصواتها لشخص يتظاهر بالتدين بدلا من إعطائها لآخر لا يفعل ذلك، دون أن يسألوا إن كان الأول صادقا وطاهرا، أو كفوءا ونافعا فعلا. وبالتالي فإنه من الممكن أن نسمى التظاهر بالتدين بظاهرة “إختصار الفضيلة” والأدعاء الغير مكلف بإمتلاكها. ولهذا شاعت ظاهرة التختم وتربية اللحى كتعبير عن الإنضمام لفريق “المتقين” في محاولة مبسترة في الإلتفاف على مفهوم يقول “إن الدين آلهي، لكن الحكم بشري” في شمولية “سرية” لا تُسّلم إن العالم مصنوع من المتعارضات.

والعراق اليوم، يعيش دولة رخوة “دينية” تتظاهر بالتدين (لكنها تتخلف عن سلوكه). فليس سرا إن التحالف الوطني شيعي وإتحاد القوى سني، وهو حال وجد الأكراد فيه فرصة “ذكاء” لتحقيق وأخذ ما يجوز وما لا يجوز على حساب العرب المنشغلين بحقبة “دينية” في منازعات قديمة ومجادلات عقيمة، لا تقدم ولا تؤخر يستفاد منها المتظاهرون بالتدين، ويكون المال العام وطهارة الحكم أول ضحاياها. وبالتالي، وفي أجواء إدعاء الدين والتظاهر به، تم إزدراء الوطن والفضيلة في ممارسات معلنة فاضحة.

إن محنة العراقيين في الحياة تكمن في فقدان الثقة التي تراها في أعين الشباب القلق الحزين، الباحث عن وطن، يهاجر إليه، ومحنتهم جميعا في سؤال: إلى “أين نحن ذاهبون؟” إما المحنة في الدين فهي بين متزمتين جامدين منعزلين، في عميهم لا يرون الحياة، وفي جهلهم لا يعلمون ما يجري من تطورات فكرية وتحديات. وبين جاحدين، يبالغون الإفتتان بالغرب والأستخفاف بالدين الذي لا يعرفوه عقيدة. وذلك يضعنا أمام خطابين متناقضين الأول يعادي الحياة ويبخسها، والثاني يمجد الحياة ومسراتها. وتلك محنة مفتعلة بين الدين والحياة، وراءها وسببها خداع كبير وحلف لا يخفى بين مال بالحرام وسلطة تدلس بالدين، للأستمتاع بالحياة مع التظاهر بالتدين في آن واحد.

لقد سبقنا الغرب في ثورتين، لا زلنا عنهما بعيدين نحن للأسف. هما الثورة الصناعية وثورة التنوير. أسدلت الأولى تأثيرها الباهر على الإقتصاد، وبصمت الثانية تأثيرها المدهش على الفكر، فأشتركا معا في تغيير المجتمعات ونهضتها. ولأن التنوير قد تم وأده لدينا بالسلفية الدينية التي طالبت بالرجوع إلى الماضي لإصلاح الحاضر وبناء المستقبل رفضا للحداثة التي إرادتها اليقضة الإسلامية أول القرن الماضي على يد رجال مثل الإفغاني وعبدة والكواكبي. ولإن لا نهضة إقتصادية (وإجتماعية) بدون ثورة تنوير، كانت كل خطط التنمية وبرامجها لدينا عرجاء مشوهة ومتقطعة، لننجح فقط في الإستهلاك وسطحية التقليد، ناسين أمرا في غاية الأهمية إن التنوير هو “أن تكون شجاعا في إستخدام عقلك، لا أن تردد كلام الآخرين”. فكانت محنة الدين التي صنعت محنة الحياة، كمسخ متعارض مع السلوك القويم للحياة والتطبيق الصحيح للدين.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close