يتسائل داروين : كيف تطور العالم ؟ (*)

د. رضا العطار

لم يأت الوقت بعد لمعرفة كيف تتطور المادة، لكن مما لا شك فيه ان العناصر تتحول.
وقد اثبت – جوستاف لوبون – بالتجربة ان المادة تفنى، اي تعود أثيرا غير محسوس.
ولكن ليس احد يمكنه الآن ان يجزم في اصل المادة ونهايتها. والشك ايضا لا يزال قائما عن هذا الكون، هل هو منتناه ام لا، وهل مصيره الى البرود والسكون، او هل قانون التطور لا يزال يشمل عوالمه، فيحدث فيه التجديد الدائم بحيث يبقى على الدوام في تفاعل لا يحدث الأنحلال في مكان حتى يحدث التكوّن في مكان آخر. وكذلك لسنا نعرف هل المجموعة الشمسية التي تضم ارضنا، تكونت في الأصل من السديم او من النيازك. وما هي دلالة البقع التي تظهر على وجه الشمس ؟

فهذا كله موضوع خلاف بين العلماء. ولذلك خير لنا ان نترك موضوع تطور المادة ونقترب الى دراسة اصل الأرض وكيفية نشوئها حتى صارت في شكلها الحاضر.
فالأرض كانت في رأي العلماء جزءا من احد النجوم، يدلك على ذلك ان جميع العناصر الموجودة بالنجوم موجودة كلها بالأرض. وهذا يمكن اثباته بتحليل الطيف الشمسي لضوء النجوم، فإن من مواد النجوم ما هو في حال غازية. فإذا قطعنا هذا الضوء
( اي شعاعة منه ) بمنشور من البلور تحلل الضوء الى جملة الوان، ولكل غازِ طيفه الخاص به. امكن بذلك ان نعرف المواد المؤلفة منها النجوم ونتحقق من انها هي نفس المواد المؤلفة منها كوكبنا الأرض.

بل حدث مرة اننا عرفنا عنصرا يدعى الهليوم – وهو الغاز الخفيف الذي نملأ به مناطيدنا – في الشمس قبل ان نهتدي الى وجوده في الأرض، والمتفق عليه بين معظم العلماء ان الارض كانت كتلة مشتعلة ثم بردت تدريجيا فأستحالت غازاتها سوائل، ومن المعقول جدا في مثل هذه الحالة، وبفعل الدوران السريع، ان تحولت المواد الصلبة نحو المركز وبقى اخفها على السطح. واذا كان بخار الماء قد برد حتى صار سائلا وملأ محيطات العالم كما نراها الآن، فإنما يكون قد حدث هذا تدريجيا.

وكانت البحار في البدء عذبة للأنها تكونت من الأمطار ولكن لما تقادم الزمن وصارت الامطار تقع على اليابسة ثم تنحدر منها انهارا الى البحر، جرفت املاح اليابسة ونزلت بها الى البحار ثم تعود مياه البحار الى التبخر فيبقى الملح بها وتزداد كميته بذلك عاما بعد عام. ومما يدل على ذلك ان البحيرات المنقطعة او التي يقل نزول المطر فيها مثل البحر الميت في فلسطين والبحر الاحمر اكثر ملوحة من المحيطات الكبيرة. فالماء يتبخر من هذين البحرين كثيرا لوقوعها في منطقة حارة، فتقلل من عذوبتهما.

وليست ارضنا مستوية السطح اذ فيها نتوءات في بعض الامكنة نسميها جبالا وفيها وديان عميقة الغور نسميها محيطات. ولكن الجبال والبحار اذا قسناها الى حجم الارض لم تكن إلاّ بمثابة خدوش بسيطة لا يحسب لها حساب. واهم عامل في انحدار المياه الى المحيطات وسبب ملوحتها هو الجبال فما هو اصل الجبال ؟
في الارض الآن عدة براكين خامدة تدل على ان حرارة باطن الارض كانت في الزمن القديم اشد مما هي عليها الآن. وبديهي ان مثل هذه الحرارة كانت كثيرا ما تحدث نتوءا او ثغورا في قشرة الارض التي كانت تتقلص وتتمدد بأستمرار.

ولكن السبب الاهم الذي يعزى اليه ارتفاع الجبال وتكونها هو الانهار وهي ايضا سبب العصور الجليدية التي تناوبت العالم مرات عديدة، حيث ان الامطار التي هطلت على اليابسة حملت معها ما تذيبه من جوامد اليابسة وشقت لها طريقا فيها حتى تصل الى البحر فتصب فيه فإذا توالى هذا جملة ملايين من السنين ثقل قعر البحر، وعجز القاع على حملها، فغارت الى تحت واحدثت تخلخلا في التوازن، كانت النتيجة ظهورالجبال. والجبال في الوقت الحاضر كانت يوما ما كائنة في اعماق البحار. بدليل وجود متحجرات الاحياء في بعض الجبال، مثل المحار الذي لا يعيش الاّ في البحار المالحة.

والجبال هي اصل العصور الجليدية وهي علة اختلاف مناخ البلدان في الازمنة القديمة. وكيفية ذلك ان الجبل اذا ارتفع، خفّا الهواء عليه واصبح رقيقا، فتشعشع منه حرارة الشمس ولهذا نرى الحر في السهول ونجد البرد والثلج في قمم الجبال العالية، لأن الهواء اذا تكاثف في السهول صار بمثابة الغطاء فبذلك يحفظ الحرارة اما اذا رقّ الهواء فوق الجبال فليس هناك ما يمسك بالحرارة.

والجبال تتآكل بأنحدار الثلوج حتى تذهب قممها فلا تجمد الامطار عليها لانها غير مرتفعة، وهنا تأخذ السيول في جرف الجبال فتزيد تأكلا ويسرع هذا في اثقال قعور البحار وارتفاع الجبال مما يؤدي الى تغيير المناخ والى زيادة او نقصان مياه البحار. فإذا كانت الجبال مرتفعة حدث ما نسميه بالعصر الجليدي، فتشتد البرودة وتنقص مياه البحار، لأن المطر الذي تتكون سحبه من بخار مياه المحيطات يقع على هذه الجبال فيجمد ولا ينزل الى البحر.

ففي العصر الجليدي الاخير الذي حدث قبل اكثر من عشرة الاف سنة كانت مياة البحر الابيض المتوسط قليلة حتى ان اوربا في الماضي السحيق كانت متصلة بأفريقيا في عدة نقاط، وكانت انكلترا متصلة بأوربا. وكان مناخ الجزيرة العربية باردا وممطرا وصحاريها التي تعاني الجفاف حاليا كانت يومذاك خضراء عامرة ببساتين الثمر، تزخر بأنواع الضواري . وكذلك شكل القارات في العالم لم يكن كما هو عليه الان. ومعالم السواحل الغربية لقارتي اوربا وافريقيا تظهر مطابقتها لشرقي قارة امريكا الشمالية والجنوبية، وادنى تأمل لخارطة العالم دليل على ما نقول.

الحلقة التالية في الاسبوع القادم !
* مقتبس من كتاب نظرية التطور واصل الانسان لسلامة موسى.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close