بنت الشيخ للمربي الراحل علي محمد الشبيبي (1913-1997)

كانت ألسنة اللهب تمتد من فم التنور، وتتمايل ذات اليمين وذات الشمال، كأنها تلعق حوافيه. أما “شمسه” فقد وقفت متكئة على المحراث[1]، غارقة بتفكير عميق، وقد صوبت نظرها إلى بعيد، كأنها تفكر بالغد المجهول؟

كل ما حولها هادئ ساكن. والنهر يجري متمهلاً كأنه العاشق الناحل. وشجرات الصفصاف تتمايل أغصانها تمايلاً غير محسوس. أما كلب البيت فقد ربض قريباً منها باسطاً يديه ينتظر –على العادة- أن تلقي إليه رغيفاً في الوقت المعين. لكن العجوز “عفته” أم زوجها، كانت وهي داخل الكوخ، تردد بصوت مسموع ترنيمة طالما رددتها:

“شرجي رُكبْ فوگ الغيوم ….. ريتك بحالي يا التلوم”

– ايه!؟ …. شرجي ركب فوك الغيوم؟. قالت شمسه –معقبة- وتأوهت دون وعي آهةً حادة. لفتت سمع العجوز، وهي تتهيأ لنقل اجانة العجين إلى التنور، وصاحت العجوز من مكانها:

– شمسه، شمسه؟ شصابج يُمه، يَعَلچ (لَعَلَكِ) بخير؟

– ما كو غير الخير عمه!

ومدّت المحراث في التنور، فهاجت ناره من جديد، ورمت بجوفه قبضة من الحطب، وعادت فاتكأت عليه، مرسلة بنظرها إلى الأفق البعيد بذهول. وراحت تستعرض صورة حياتها منذ أن وطأت هذا البيت، منذ تسعة شهور، حتى هذه الساعة التي فاجأها الغم على غير سبب!

أطلقتها زفرة، وأرسلت ببصرها إلى الأفق البعيد. ذاك هو بيت أبيها “الشيخ موسى” ذو الجدران العالية حتى كأنه برج حربي. وكأنها ترى عمّتهُ البيضاء الكبيرة، ومسبحته السوداء، وشفتاه تتحركان دون أن يسمع له صوت، إنه دائم الحمد والتسبيح.

وأولآءهم إخوتها، وأمها المهابة الوقور. وكأنها تسمع أصوات المتجادلين في مجلس أبيها من رجال العلم والدين، فتأخذها الحسرة والندم مما أقدمت عليه. ثم تذكرت ما كانت تعانيه من قيود لا يحتملها الحيوان الأعجم. ان الحياة في بيت أبيها جحيم لا يطاق.

– آه …. الله يلعنج من فوّاله[2]؟! لفظت هذه الجملة دون وعي، بعد فترة من سكونها الذي استعرضت فيه ما أقدمت عليه، دون أن تشعر إن العمة “عفته” قد جاءت تحمل إجانة العجين، وقد سمعت ما فاهت به، وبلهجة ندم حزينة.

وفغرت العجوز فاها بعد أن حدقت بوجه “شمسه”، وقالت متسائلة:

– فوّاله؟ وِين الفوّاله؟ يا وكت يَتْ[3]؟

وانتفضت خجلة، استعادت وعيها، وأجابت:

– ها ….. ماني وياﭺ. حجايه عتيجه ذِكرته الساعه!

وعادت العمة إلى الكوخ. فعادت هي ثانية تستعرض، وكأن كل شيئ يعرض أمامها حقيقةً لا خيالاً ….

تذكرت الفوالة –خديجة- يوم جازفت، وزارتها في غفلة من أهلها. طلبت منها أن تخبرها عن نيّة في صدرها، فحذرتها: إن العاقبة ليست على خير. وإن مصيرها إن نفذت ما تفكر به، ليس خيراً مما انتهت إليه حياة أختها؟ فتذكرتها وانتابتها موجة عاتية من الهم والحزن.

كانت أختها –فاطمة- تختلف عنها اختلافاً كبيراً. فاطمة كانت كبرى أخواتها، اجتاحتها وهي في الخامسة عشرة من سنها ثورة عنيفة، دفعتها إلى التمرد على سُنة العائلة، فخرجت على طاعة أمّها وزارت الجيران، خلافاً لما رسمه والدها الشيخ. وتعلمت القرآن سراً، على يد الملاية أم سلمان.

الشيخ –والدها- يرى تعلم القراءة خطر على دين الفتاة وعفّتها، ويردد دائماً: ان أحد الصلحاء مرّ على رجل يعلم فتاته. فقال له: لا تزد الشر شراً. إنك تسقي سهماً سُماً يُرمى به يوماً ما!

كذلك ارتدت من الملابس الزي المبتكر إذ ذاك، مما دعا أخاها الكبير أن يسر إلى أبيه عن أمرها، فشددا عليها، وضرباها ضرباً مبرحاً. وانتهى أمرها ان أصيبت بالجنون، ولم يعلم أحد كيف ماتت!

لم تبال “شمسه” بكل ما يمكن أن يجري عليها. وصممت أن تنفذ رأيها.

وانبسطت أمام خيالها الصحراء الجرداء، والرمال الصفراء بين النجف وكربلاء، وقافلة الزوار، ورنين أجراس الحمير والبغال، وضحك الرجال وأحاديثهم، وهم يرعون عائلاتهم، وكيف كانت تلك القوافل، مع “مِزعل” وقد أحكم لثامه، وغيّرَ لباسه إمعاناً في التنكر.

وثارت عاصفة هوجاء. أثارت الرمال، وكأنها تزأر، أو تولول، وتنثر الرمال والحصى بوجوه الزوار، دون أن تجدي أهازيجهم في مدح ورثاء الحسين، وهم زواره وموالوه، وولولت النساء، وأطفالهن، وعلت أصوات العجائز، هاتفات مستنجدات بالأئمة والصالحين، و –الخضر- المندوب لكل شِدة. ثم لم يعد أحد من أفراد القافلة يدري بمن معه من عائلته، ورفقته، أين وكيف ذهبت به دابته في تلك الصحراء المترامية الأطراف! اَما “مزعل” فانه ملك زمام دابته وزمام الدابة التي حمل عليها “شمسه”. كان رابط الجأش. رصين الخطو، مُركزاً نظره على الطريق رغم شدة العاصفة، ورغم هذا الانقلاب الهائل، والظلام الشامل إذ حجب الشمس ما ثار من رمال، وهي تنحدر نحو المغرب للمغيب.

مرت فترة حسبها الجميع دهراً، أنكشف بعدها الجو، وكانت تسمع صرخات من بعيد. المكاري الشاب “حمزة” كان يبحث عن أفراد القافلة. وأنضم إليه رجال ممن لم يستطع أن يحافظ على كل الأفراد الذين هم من أهله، ساعدهم للاهتداء إلى من حرفتهم العاصفة عن الطريق، صرخاتهم. تلك أم تعول، إبنتها الشابة، من التائهين. وذاك شاب ينادي بحرقة أباه الشيخ.

والتفت إليها “مزعل” وقال: هَمْ هذي نعمه من الله، تدرين عمِّكِ –شيخ عيسه- بهاي القافلة، ولو ما ها العجاجه إنفضحت قضيتنه!

وأرسلت “شمسه” أهة، وقالت في سرها: ليتني كنت ساعتها من الضائعين، وإلى العدم؟!

وانسابت من عينيها دمعتان، فإذا بالعمة “عفته” وكأنها لم تر شيئاً تنشد:

“ڴلبي مثل آذار يِصَحى ويغيم ….. وبحجة الدخان أبـﭼـي من ﭼَيّم[4]”. شمسه، يبنيتي إنتِ اليوم مو على حالـﭻ! إخذي راحتِـﭻ ومَيلي عن التنور، آنه أخَبِز!

– لا عمه، ماكو شي.

وانحنت على الإجانة، تأخذ قطعة عجين، تصفقها بين يديها فتكورها وتضعها في الطبق. بعد ذلك استوت واقفة، تتناول قطع العجين واحدة بعد أخرى، تضربها بكفيها حتى تصير رقاقةً مدورة، فتدحوها بجوف التنور!

وانتهى الشوط الأول من الخبز، فحملته العجوز، بينما أخذت هي تلقي بعض الحطب في التنور، وتؤجج النار بالمحراث، وهي تردد: شرجي ركب فوك الغيوم ….. ريتك بحالي يا التلوم؟

وحدقت بالأفق والشمس قد غاص قرصها، في المدى اللانهائي، وملأ الفضاء بعدها بلون إرجواني رائع. لكنها ما تزال تحدث نفسها وتلومها.

– على يا سبب هجرت بيت أبوي، من يصدقني ويطيني الحـك “الحق”. كلهم يقولون: – إنتِ مَرَه، وحق على المَرَه ترضَ بكل مايجره، وكل التشوفه العين مقَدّر ومقسوم.

آه ….. يا ويل المَرَه! يصير حزن وشوم يوم التنولد، ولَمَن تكبر ضحكته عيب، ومشيته عار، وزواجه ورطه! يزلِف الولد، ويغوص بالعار، وينمسح عنه كلشي من يكبر!. لاﭽن المَرَه؟ ما يمسح غلطتهه حتى دمهه!

وكادت تجهش بالبكاء والنحيب، لكنها ضغطت على أعصابها، فإذا بوجهها كوجه طيار في معركة ليلية مع طائرات الأعداء وأضوائهم الكشافة.

راحت تصارع نفسها، وتؤجج نار التنور بحركة عصبية حادة.

– لازم أرجع لبيت أبوي ….. أرجع أعود لذيج العيشة. أهه … هيّه ذيج عيشه؟ حرام عليّ أضحك، حرام أطلع للجيران، حرام، حرام، كل شي حرام، اللـــــــــــــه أكبر … أبد ما أنسه يوم جوني خطابه، ناس من غير محلتنه، ولن أبوي، يمنع، ويحَلِّف أمي. شلون ها الناس عرفوا عندي بِتْ؟! وهُمَه من غير محله؟

لآ. لآ. آنه طلعت، راضيه بكل ما الاقي وَيه “مزعل” خير وشر! هيه موته وحده. وهَسه الموت يحلَه! شفت الدنيه. شفت وجه الله. يوم واحد عشته بها الثنيه نساني كل عمري العشته بيت أبوي. لا ﭽن آه يا ويلي من عمي -شيخ عيسه- وبَسْ.

أشوفه الساعة ضاقت الدنيا الوسعه بعينَه! اشوفه ما يخلي مكان يعتب عليه، ولابد من ساعه يلـﮕاني!

وعلا ضجيج الرعاة العائدين بقطعان الأغنام. وتردد صوت شجي بأغنية: سَلَّمِتْ روحي وياك يا شمس الغروب!

فنفرت وكأن هذه الأغنية قد مسَتها بأشد من لهيب التنور.

وصاح صائح من بعيد …

عيسَه ولك، شوف ذاك درويش[5] علي؟

فنفرت كمن مسه ذعر مفاجئ.

• آخ. عيسه! ومنو غير عيسه؟. ﮔبالي، كل وكت، وعلى بالي، ما تغيب … عيونك عيون الصـﮕر، ووجهك وجه الذيب. الضحكة ما تفارق اشفافك. إلا أنت أغدر من الذيب!

ودَوى صوت الدرويش، وأقترب، وأخذ لهب التنور يخف، وراحت العصافير تتطاير زرافات من شجرة إلى أخرى، ومن غصن إلى آخر، تزقزق وكأنها في زحام معركة، وفي شجار عنيف.

وبدت العجوز “عفته” بقامتها المديدة، وعُمتها السوداء لترى الدرويش، وتسمع مديحه للأئمة الأطهار، وتمنحه شيئاً من الرزق. لكن الدرويش اختفى ولم يسمع له صوت.

وتلفتت العجوز في ساحة البيت فلم تجد غير إجانة العجين… والمحراث. ولم تسمع غير زقزقة العصافير، تودع النهار مستقبلة الغروب.

الكاتب: علي محمد الشبيبي/ كربلاء في 16/06/1957

الناشر: محمد علي الشبيبي

السويد/ كربلاء 18/09/2017

الهامش

*- ترك والدي طيب الله ثراه من بين مخطوطاته مجموعة من القصص القصيرة، آملا أن تسعفني الظروف لمراجعتها ونشرها تباعا، على أمل أن أتمكن من طبعها في مجموعة قصصية./ الناشر محمد علي الشبيبي

1- المحراث: عودٌ تحرك به الخابزة نار التنور، ليستوي كل الحطب فيه.

2- الفَوّاله، والفوال صنف من الدجالين يدعون أنهم يكشفون عن الغيب لمن يريد أن يعرف عن مستقبل حياته، وما ينتظره من خير أو شر.

3- يَتْ: جاءت. بعض لهجات القرويين تنقلب عندهم الجيم الى ياء.

4- ﭼَيّم: عملية تحضير النار من الحطب أو المطال (روث البقر) بهدف الطبخ أو شواء الخبز.

5- القرويون في أساطيرهم ينسبون الدروشة للأمام علي (ع)

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close