حذارِ من الانزلاق الى العنف !

محمد عبد الرحمن
لا يصح ان تقارن الأوضاع المحيطة بالاستفتاء في اقليم كردستان، حيث يتواصل الاصرار على المضي بِه واجرائه في اليوم المعلن، وهو يوم غد الاثنين، بالاوضاع التي احاطت باحداث مماثلة على الصعيد الدولي، وهي قليلة على أية حال، ومنها تجارب مضت بسلاسة، واُخرى كان سفك الدماء مصاحبا لها، ومنها ما كان متعثرا، وغيره ما كان لسان حال اَهله اقرب الى القول، بعد خراب البصرة: وهل ان ما تحقق يستحق كل الثمن الباهض؟
في معظم هذه التجارب كان هناك تدخل من الخارج، وفي بعضها استخدم العنف على نطاق واسع لتعود بعض الدول وعبر شركاتها الى تقديم “العون والمساعدة”، ولكن هيهات ان تصلح ما أفسدته الحروب والخنادق المتقابلة، وما تركته الأخاديد التي حفرت بين المواطنين والأقوام من كراهية وحقد وضغائن.
وفي الكثير من الحالات كانت مصالح العامل الخارجي غير ما يريده أبناء الوطن، وهو ما دفع الى التأجيج وزيادة رقعة الخلاف، والحث على دفع الأمور في اتجاه مصالحة ليس بالضرورة في القريب العاجل، بل وفقا لرؤية مستقبلية .
ولقد بيّن اللجوء الى العامل الخارجي في تجربتنا العراقية سواء قبل ٢٠٠٣ او بعدها، خطل المراهنة عليه لتحقيق تجربة وطنية ديمقراطية عراقية يعتد بها وقابلة للنمو والتطور والرقي. فكان مسلسل الأخطاء قد بدأ بالتعويل على الحرب لتغيير النظام الدكتاتوري، وبان جعل منه المتنفذون طرفا في المعادلة الداخلية العراقية وعنصرا في الصراع على مراكز القوة والسلطة والنفوذ، فضاع جراء ذلك الكثير من القيم والمعايير التي أحرقت على سفود المصالح الخاصة المفعمة بالانانية.
واليوم يعود العامل الخارجي بقوة الى المشهد السياسي العراقي ارتباطا بالمواقف المختلفة ازاء الاستفتاء في الإقليم. إذ يبدو ان لا اعتبار للتجربة السابقة وسط تقدير واسع لمخاطر الزج بهذا العامل، خاصة عندما يكون تدخله عسكريا في الشأن الوطني الداخلي العراقي .
ونرى بعض القوى التي كانت تزعق وتسعى الى قلب الطاولات والتهديد بالحرب ضد أمريكا وتركيا اذا ما تدخلت، نراها اليوم راضية بما تعلن تركيا مثلا، وما تهدد به من التدخل عسكريا ان مضى الإقليم في الاستفتاء، او هي على اقل تقدير مرحبة به ضمنا. وذلك ما تجلى في الاجتماع الثلاثي لوزراء خارجية العراق وإيران وتركيا. فتركيا الان أصبحت صديقة للبعض، الذين كانوا يهددونها وينددون بها باقسى العبارات على ابقاء قواتها في بعشيقة ! يا لبؤس المواقف ! ولا بد هنا من استحضار القول “لا توجد عداوات دائمة، بل مصالح دائمة “و” عدو عدوي صديقي”!.
من جديد نقوا ان هذه الدول لا ولن تعنى بمصالح العراق الدائمة، وان تم اللقاء في لحظة معينة في موقف واحد يتمثل الآن في رفض استفتاء الإقليم. ومن أين لهذه الدول موقف داعم لحقوق الشعب الكردي، وهي لا تعترف باي منها؟ وحتى في تركيا حصل تراجع كبير وهجوم على بعض المكتسبات التي كان قد حققها الكرد بنضالهم الشاق!
الاستفتاء لم نكن نريد له ان يُجرى في الظرف الملموس الراهن، لكن هذا شيء وشيء آخر مختلف تماما ان تجيش الجيوش الداخلية والخارجية، كما يصرح ويعلن البعض ويدعو صراحة الحكومة الى التدخل عسكريا، ولا بأس عنده حتى في التدخل الخارجي من اجل منعه، وليس في هذا ما يشير الى اتعاظ بعبر التاريخ وتجارب العراقيين أنفسهم.
لقد بات واضحا ان هناك مواقف رافضة لفكرة الاستفتاء أصلا وفي اي وقت وزمان، واصحاب هذه المواقف لا تفارق مخيلتهم الوحدة على الطريقة البيسماركية. فيما هناك مواقف ترى ذلك حقا يراد له ان يتم في غير الوقت المناسب.
وعلى كل حال وسواء اجل الاستفتاء ام تم تنفيذه في موعده المقرر يوم غد، فالحذر كل الحذر من الانزلاق الى المحظور واللجوء الى العنف، سواء كان عنفا “وطنيا” ام مستوردا من الخارج على هيئة جيوش نظامية، او مجاميع تتلقى اوامرها ممن نظموها وسلحوها وموّلوها .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جريدة “طريق الشعب” ص2
الاحد 24/ 9/ 2017

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close