الجَّوَاهِرِي :عِشْرُونَ عَامَاً عَلَى رَحِيلِهِ وَ قَصِيدَتِي فِي حَفْلِ تَأْبِينِهِ

الجَّوَاهِرِي :عِشْرُونَ عَامَاً عَلَى رَحِيلِهِ وَ قَصِيدَتِي فِي حَفْلِ تَأْبِينِهِ

عُقِمَ الزَّمَانُ فَلَا يَجُـــودُ بِمِثْلِهِ ***ضَرْبُ الْوَلِيـدِ كَأحْمَدٍ وَهُمَام ِ

كريم مرزة الأسدي

مقاطع من قصيدتي قي رثاء الجواهري العظيم ( 82 بيتاً من الكامل ) ، التي ألقيت في الحفل التأبيني الذي أقامه المثقفون العراقيون وعائلة الفقيد في البيت العراقي بدمشق ، بمناسبة مرور أسبوع على رحيله ، وذلك في 3 / 8 / 1997م ، وشارك في حفل التأبين الباحث الراحل هدي العلوي ، د. عبد الحسين شعبان ، الكاتب عامر بدر حسون ، الشاعر زاهر الجيزاني ، الشاعر كريم مرزة الأسدي ، كلمة عائلة الفقيد د. فلاح الجواهري ، وكان عريف الحفل الشاعر جمعة الحلفي ، ونشرت القصيدة عدة صحف سورية وعراقية في حينها ، علماً أنّ الجواهري قضى حياته بيت ( 26 /7 1899 – 27 /7 / 1997م) في حينها :

عُمْـرٌ يَمُرُّ كَوَمْضَـــةِ الْأحـْـــــلَام ِ*** نَبْضُ الْحَيَـاةِ خَدِيْعَة ُ الْأيَّــام ِ
هَلْ نَرْتَجِي مِنْ بَعْدِ عَيْش ٍخَاطِفٍ **أنْ نَسْتَطِيلَ عَلَى مَدَى الْأعْوَام ِ
أبَدَاً نَسِيْرُ عَلَى مَخَــاطِر ِ شَفْرَة ٍ *** حَمْرَاءَ تَقْطِرُ مِنْ دَمِ الْآنـَــام ِ
هَزِأَتْ بِنـَـــا مِنْ عَهْدِ آدَمَ أنْفُـسٌ*** وَلـّتْ وَبَطْنُ الْأرْض ِلِلْأجْسَـام ِ
أيَنَ الْأُلَى كــانَوا بِمَدْرَجَــةِ الْعُلَى ***كلٌّ يســيرُ بمــوكبِ الإعـدام ِ
وإذا حـــذرتَ فلا يجيبكَ عـــــاجزٌ***سـهمُ المنيّةِ نـــــافذُ الأحكام ِ
يتزاحــمونَ إلى المماتِ تهافتـــًا ***فكأنّ مســــعاهمْ بكفِّ حِمــام ِ
أنـّى تشا قبضتْ علـى أرواحهمْ **واستودعتهمْ فـي حشـا الأوهام ِ

****************************************

قــرنٌ يصـــولُ ولا نــراهُ خانـــعاً **** إلا لحـــقٍّ أو لعهـــدِ ذِمَــام
عشــرونَ ألفــاً صُفـّفتْ أبيــاتها **** فاضتْ قرائحُـها مــــن الآلآمِ (1) ِ
من دوحـة الشرفِ المعلـّى إرثهُ ****سـوحُ النضــالِ ومرتعُ الأعلامِ
من (دجلةِ الخيِر) التي بضفافها****(جرحُ الشهيدِ) وصـرخة الأيتامِ (2)
من (أم عـوفٍ) إْذْ تطارحُ ضيفها**** سَمَراً وردّتْ روحَـــــهُ بـكلامِ (3)
مـنْ أبكر الإصباح يشدو زاهـياً ****شـــدوَ الرعاةِ وصبيةَ الأحـلامِ
منْ (ريشةٍ ،عظمُ الضحيةِ) عودُها**رسمتْ خطوطَ المجدِ نفسُ عصامِ (4)
منْ (جلـّقٍ) واخضوضرتْ جنباتهُ **** قدْ فاحَ طيبــاً عبقهُ للشـّــــــام ِ
منْ يوم (عدنان ٍ) لآخـر يومــهِ *** *ولهُ (دمشق ُ) تزفُّ بالأنــــــغامِ (5)
وسعَ الدُنى أفقاً وأجّج لهبهـــا ****شـــعراً وحط َّ رحالـــهُ بـ (وســامِ)(6)
جادتْ بهِ الدنــــيا بآخر عهدِهـــا **** كالسـيل ِيكســـحُ علـّـةِ الأرقــامِ

*******************************

يا أيّها الشــــعرُ اليتيمُ أبـــــوة ً**** طرِّ الجفافُ بمنبع ِ الإلهــام ِ
من بعدِ آياتِ القريضِ ِ وربِّهــــا*** يهوى العمودُ وحسنهُ لحطــام ِ
لا عبقرٌ يزهـو بدرِّ جـــــــواهر ٍ*** أوراقـــهُ سخرتْ مــن الأقــلام ِ
عُقمَ الزمانُ فلا يجـــودُ بمثلـهِ **** ضربُ الوليـدِ كأحمــدٍ وهُمَام ِ(7)
عـذراً وإنْ عــزَّ المحــالُ فربّما **** فيضُ النجيع َمـن العراق الدامي

********************************************

يا شيخنا والشـــعرُ قبسـة ُ قابــس ٍ**** ولأنتَ بركــانٌ مــنِ الإضــرام ِ
سارعتَ في وصــفِ اللواعجِ لمحة ً **** بشواردٍ حُبكـتْ علـى الإحكام
ووضعتَ ما عجــــزَ الأوائـــلُ خاتماً ****شـأو القريض ِلذمّــة الإعجام ِ
ولقد تركـــتَ الأصغرين ( كحـــرّةٍ **** ولدتْ ) بدون تدلـّــل ٍووحـام ِ(8)
فهتكتَ مــــن لبسَ الـريـــاءَ ويكتسي**** وجهَ العفيفِ بطانـة َ الإجـرام
فتلوّثـــتْ تلـــــكَ الطبـاعُ واصبحـتْ **** بعــدَ النقــاءِ كحشــوةِ الألغـام ِ
فالشـــــــعرُ وجـــدانٌ لأمـةِ يعــــربٍ *****إلهـــامُ إنســــانيّةِ الأقــــوام
وبدونـهِ تخبــو الحيــــاةُ كــآلـــةٍ ***** صمّــاءَ والإنســانُ لحمُ ركــام ِ!!
وإذا أثــاركَ فـــي الحـياةِ تحيّـــرٌ**** أنْ يستحيلَ الفكــــرٌ محضَ رمـامِ (9)
(فالحـائر الجبّــار) أنـتَ نظـــيرهُ **** فكـــراَ بلا وضـح ٍ ولا إبــهـام ٍ(10)
قد حـــــرَ الألبــــابَ ربّـُـكَ لـــغزهُ **** بيــــنَ الوجـــودِ وقـــوة الإفهام ِ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أحصى كاتب هذه السطور – كما أحصى للعديد من الشعراء شعرهم – في بديات التسعينات من القرن الماضي ، فوجد للجواهري أكثر من عشرين ألفَ بيتٍ .
(2) طبعاً (دجلة الخير) إشارة إلى قصيدته الشهيرة (يا دجلة الخير) ، و(جرح الشهيد) إشارة إلى قصيدته ( أخي جعفر ) الذي استشهد بمعركة الجسر إبان انتفاضة (1948) , ومطلعها :
أتعلمُ أمْ أنت لا تعلمٌ*** بأنَّ جراحَ الضحايا فمُ
(3) يا (أم عوف ٍ) ، قصيدة رائعة مطولة نظمها الشاعر 1955 م مزج فيها بين الوجدان والفلسفة ، إبان رحلته إلى (علي الغربي) ، وخلالها استضافته راعية غنم ( أم عوف) ، بكرم كبير ولطف ودود ، ورعاية تامة، فناجاها بهذه القصيدة ، وأبعد المشوار , ومطلعها:
يا (أمَّ عوفٍ) عجيباتٌ ليالينا *** يدنينَ أهواءنا القصوى ويقصينا
(4) من ( ريشةٍ عظمُ اضحيةِ) ، تضمين لبيت الجواهري من قصيدته (خلفتُ غاشية الخنوع ورائي ) في رثاء عدنان المالكي سنة 1956م ، البيت :
هذا أنا عظمُ الضحيةِ ريشتي***أبداً ونفحُ دمائها أضوائي
(5) العقيد عدنان المالكي شهيد الجيش السوري ، وجهت دعوة مشاركة للجواهري في الحفل التأبيني الأول المقام سنة 1956م ، إذ شارك بقصيدته الهمزية ، وبعدها بعام شارك برائيته ، ومنها البيت ( أنا العراق لساني قلبه ودمي *** فراته وكياني منه أشطارُ ) ، إذ بقى فيها ما يقارب السنتين في ضيافة الجيش العربي السوري ، بعد غضب الحكومة العراقية عليه ، إثر قصيدته الأولى .
(6) في سنة 1995 م قُلّد الجواهري وسام الاستحقاق السوري من الدرجة الممتازة ـ تكريماً للشاعر ، وقلدته وزيرة الثقافة السورية الدكتورة نجاح العطار الوسام . وقلد أيضاً أواخر حياته 1996م بأمر من الملك حسين وسام الاستحقاق الأردني من الدرجة الأولى ، والرجل كان وفياً للعائلة الهاشمية منذ عهد فيصل الأول الذي وقف معه إبان شدّته ومحنته .
(7) الضرب : المثل والصنف ، ويقال هذا من ضرب ذلك أي من نحوه وصنفه ، واللطيف ابن منظور يقول : أنشد ثعلب :
أراكَ من الضربِ الذي يجمعُ الهوى**وحولكَ نسوانٌ لهنَّ ضروبُ
الوليد : نعني به الوليد بن عبيد الطائي. أبو عبادة ( البحتري ) توفي في 284هـ / 897م .
و أحمد : هو أحمد بن الحسين الجعفي أو الكندي , أبو الطيب (المتنبي) (ت 354هـ / 965م) . هُمام : هو هُمَام – وقد يأتي الاسم صيغة مبالغة هَمَّام ، ولكن لا يستقيم الوزن بالشدة ، ففضلت التخفيف بالضم – بن غالب بن صعصعة التميمي ،أبو فراس الفرزدق (توقي 110هـ / 728م) .
(8) (كحرّةٍ ولدتْ ) إشارة إلى قول الجواهري:
لا تقترحْ جنسَ مولودٍ وصورتهُ ***وخلـّها حرّةً ًتأتي بمــــا تلدُ
وقلْ مقالة َ صدق ٍ أنتَ صاحبها ***لا تستمنَ ولا تخشى ولاتعِدُ
(9) إشارة إلى قول الجواهري البيت التالي في ذكرى وفاة الرصافي :
لغزٌ الحياةِ وحيرة ُ الألبابِ *** أنْ يستحيلَ الفكرٌ محضَ ترابِ
توفي الرصافي 1945م , وقال الجواهري بيته في ذكرى الرصافي 1959م .
(10) (فالحائرُالجبارُ)،إشارة إلى أبي العلاء المعري،وقوله في قصيدة رثائه لأبي حمزة الفقيه :
والذي حارتْ البرية فيهِ *** حيوانٌ مستحدث ٌ من جماد
طبعاً ما أراد إلا الإنسان ، وله قول آخريصب في المعنى نفسه ، وأكثر تعميماً :
سألتموني فأعيتني إجابتكم *** من ادعى أنـّه دار ٍفقد كذبا
وللجواهري قصيدة رائعة عن أبي العلاء المعري ، ومتأثر ببعض أرائه ، لذلك قلت أنت نظيره ، إذ ضمنت قول الجواهري نفسه في ( معريه ) قائلاً :
والملهمَ (الحائرَ الجبّارَ) هلْ وصلتْ ***كفّ ُالردى بحياةٍ بعدهُ سببا ؟

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close