السي باية يا وطن!!

“مَن أُعْجِبَ برأيه ضَلّ َ، ومَن استغنى بعقله زَلَّ”
“السي بايه، إنها القاعدة الثلاثية الإرتكاز التي يوضع عليها وعاء الطبخ أو غيره، ويفي غياب مرتكز واحد لتنهار وينسكب ما عليها ويضيع في اليباب.
والبعض يرى أن العراق بكل أبعاده يقف على ثلاثة مرتكزات ومرفقاتها , وأن أي غياب أو تغييب أي مرتكز سيعني عراق المشاكل والتجزئة والتناحر والخسران الأبيد
وسأتناول بعض آليات منطق الكرسي العراقي والتداعيات الناجمة عنه، وقد ذكرت في مقال سابق خطل المنطق أي إضطرابه وأنه جوهر الخراب والدمار، لأن الواقع يعكس منطق الفاعلين فيه أو الذين يقودونه ، وتلك حقيقة أثبتتها المسيرات التأريخية للبشرية جمعاء، وأكدها العرب بقولهم: ” الإناء ينضح بما فيه”، وأرسطو بقوله: “دليل عقل المرء فعله”.
ولنعود إلى منطق ” السي بايه” وقد يكون المقصود به أيضا ” السباية ” من “السبي” وهو “الأسر”، لأن العلاقة ما بين الكلمتين قوية وذات دلالات متماثلة ، وكأن المراد بهذا المنطق هو “سبيّ” العراقيين، أو أسرهم في مثلثهِ الذي لا مفر من الوقوع فيه ، لكي يتم طبخهم أجمعين على مواقد نيران المصالح والأطماع والبرامج الخفية والمعلومة.
هذا جانب من منطق “السي بايه”!
ترى لماذا لم تأخذ بهذا المنطق الدول المتقدمة الديمقراطية , ذات الأعراق والطوائف والمذاهب والديانات والأجناس البشرية المختلفة؟
لماذا لا تعتمد هذا المنطق الصين أو الهند أو اليابان أو حتى إيران؟
لماذا لم تحدد هذه المجتمعات مرتكزات ” السي بايه” وتبني على ضوئها عقدها الإجتماعي؟
ولماذا يتم الإفتراض أن المجتمع العراقي هو المجتمع الوحيد في الأرض الذي فيه تنوع وإختلاف؟
يدّعي أصحاب هذا المنطق بأنهم قد عاشوا في دول متقدمة وديمقراطية في مراحل نضالهم ، فهل تعلموا هذا المنطق من المجتمعات الديمقراطية التي عاشوا فيها، أم أنهم أمضوا أيامهم في عزلة تامة وإنقطاع كامل عن تلك المجتمعات؟
وهل يوجد في علوم السياسة وفي تأريخ الدول والشعوب مثل هذا المنهج؟
من خلال التقييم المنطقي لآليات هذا التفكير الغريب ، يبدو أن إرادة الكرسي في السلطة تتوجه نحو تأكيد الفئوية والتحزبية والمصلحة الشخصية وغيرها من منطلقات ضيق الأفق ، وإنعدام التجربة والخبرة والفهم التأريخي والحضاري لمعنى الدولة والقيادة والمجتمع، وكأننا أمام حشد من طوابير الأميين بأمور الدنيا والدين والسياسة والتأريخ والفكر والإقتصاد , وبما له صلة بالوطن والتفاعل ما بين المجتمعات البشرية ، حتى ولو إدعوا بأنهم أصحاب هذه الشهادات أو تلك، فالكلام برهان المنطق وبيان العقل، وما نقرأه ويقومون به لا يتفق مع الإدعاءات الكثيرة والمواصفات المثيرة.
في هذا المنطق إلغاء مطلق للوطن والمواطنة والعروبة ، فأين العراق في هذا المنطق؟!
لم نسمع بهندي أو صيني، يقول بأنه بوذي أو هندوسي أو أنه من عرق كذا وكذا، وإنما الجميع يتحدث بهويته الوطنية.
وكذلك الأمريكي، فلا تجد مَن يقول أولا لك بأنه كاثوليكي أو بروتستانتي أو أرثودوكسي أو ينتسب إلى عِرق ويتنازل عن هويته الأمريكية ، فالسائد في مجتمعات الدنيا أن الوطن هو عنوان العقد الإجتماعي.
فمرتكزات منطق “السي بايه” ثانوية ولا قيمة ودور لها في حياة الشعوب المعاصرة , إلا بقدر التعبير عن حرية الرأي والمعتقد، وإحترام خيارات الإنسان، لأن الوطن هو الساحة الرحبة للتعبير عن أفكار وقدرات الإنسان الذي يعيش فيه ، وهو عقد الوجود الحضاري المعاصر المطلق.
وكأننا أمام منطق العصور الوسطى، بل وعصور ما قبل التأريخ، وفي هذا محنة حضارية عراقية قاسية ، فما دامت البوصلة تشير إلى هكذا إتجاهات ، فلا خير يُرتجى ولا إلى أمل يُهتدى.
وكان من الصواب أن يفكرون بعقلية الوطن والدولة ، وأن تكون العراقية هي عنوان العقد الإجتماعي الصالح للجميع، لا أن يتم فصل الوطن عن الشعب، وتحويله إلى وجود مادي متزعزع الوقفة , وبأنه على وشك السقوط في الهاوية الماحقة التي ما أدراك ما هيّ.
نعم الوطن والمواطنة يجب أن تكون أساس الدستور الذي هو العقد الإجتماعي الذي تؤسسه المجتمعات البشرية، ولا يوجد مجتمع في الدنيا يشذ عن هذا المنهج، إلا الكراسي العراقية!!!
ففي جميع الدول يكون الوطن هو وعاء تتفاعل فيه جميع الألوان والأطياف , للتعبير عن وطنيتها وإبتكار مسارات مصلحتها العامة وتحقيق المستقبل الزاهر لأجيالها.
إنه الوطن لا غير، وعندما يتم ذبح الوطن وتقطيع أوصاله وتحويلة إلى كرسي ومذهب وحزب وفئة ، فأن ذلك لا يعني عقدا وإنما إنفراطا، وتفريطا بوطن.
هذا باختصار ما يبدو عليه معنى منطق ” السي بايه”، ومن الأحرى لأصحابه القول بصراحة: إننا ندعو إلى إنفراط عِقد العراق , وتناثر حبات وجوده في صحارى الجهل والإمعان في التضليل والبهتان وبرامج الإفتراس والخسران!!!
فهل للعراق شعب يحميه؟!!
د-صادق السامرائي
*هذا مقال منشور قبل أكثر من عشر سنوات ويبدو أن من المناسب إعادة نشره!!

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close