مام جلال…. وداع الحلم..؟؟!!..

د. اكرم هواس

لا ادري كيف شاءت الاقدار … او شاء من شاء … ان يعلن عن رحيل مام جلال في هذا التقاطع التاريخي من احداث و تطورات ….. بعد ان كان الرجل قد فقد حضوره و قدرته على الفعل منذ ما يقرب من خمس سنوات ايضا بفعل فاعل “مجهول”… لكن هل اصبح رحيله ضرورة للانتقال “الثوري” من مرحلة التعايش الى تأصيل الصراع و شرعنته منهجاً لإدارة العلاقات الكوردية في اطار اعادة هيكلة الشرق الأوسط و شبكة علاقت المنطقة مع العالم..؟؟…

ربما يعتقد البعض ان طرح السؤال بهذا الشكل ينطوي على قوى خارقة لمام جلال و دور رائد على المستوى العالمي…. طبعا من حق الجميع ان ينتقد…. لكن قراءة أولية ستغني عن الكثير من الهواجس الميتافيزقية و تقربنا من واقع ظهور الرجل على الساحة الكوردية و العراقية…

قبل مناقشة هذه النقطة الحساسة دعوني اعود الى الوراء قليلا… عندما توفي الرئيس الفنزويلي السابق كتبت مقالة بعنوان ” تشافيز و مشروع الواقعية الحالمة”…. و رغم ان جلال طالباني لم يكن عسكريا استولى على الحكم و لم يمتلك كثيرا من السلطات الا ان ابتسامته الدائمة و نقده لنفسه بل و كونه كورديا يحكم دولة عربية كانت تضعه بشكل او اخر في اطار يجمعه بتشافيز الراقص و المغني و اخرون مثله في أمريكا اللاتينية و غيرها من مناطق العالم …

مام جلال…. بين الاشادة و النقد الذين لهما كل الاحترام…كان ظاهرة جديدة في مفهوم السلطة في دولة امتازت بتاريخ طويل و مأساوي من الدكتاتورية و السلطة المطلقة … و حيث ان تعينه … و ان جاء نتيجة سياسة المحاصصة البغيضة… قد جاء في وقت غرق العراق فيه في بحر من الدماء سنة 2005 …حرب أهلية و طائفية … بلغة العلم…. الكل كان ضد الكل … و الممارسة السلطوية تحولت من العلاقة التقليدية بين الدولة و المجتمع الى علاقة بين المجموعات البشرية المختلفة المتصارعة على هذا الأساس او ذاك… حتى اختفت الدولة بمفهومها العام و تحولت الى اوليغاركيات سياسية و دينية و اقتصادية و ثقافية ..الخ …تشيطن بعضها و تقاتل بعبثية غارقة في اوهام الانتصار ..

في هذا الوقت ظهر مام جلال على الساحة السياسية العراقية العامة … و اول ما حاول ان يصنعه هو رسم الابتسامة على شفاه العراقيين …حاول ان يقدم نموذجا انسانيا للسلطة وان يرسخ ثقافة متكافئة للعلاقة بين الدولة و المجتمع … مام جلال حاول ان ينزل من القصر العاجي الذي عادة يختبيء فيه الزعماء و الملوك و الرؤساء الى الشارع …. الى حيث الناس و ضجيج الحياة اليومية … حاول ان يزيل صورة الحاكم المقدس و يضع بدلا منها صورة الانسان الذي يخطيء و يرتكب الهفوات و ربما الخطايا و يتقبل سخرية الناس و عتابهم بابتسامة الاعتذار و طلب العفو….

حاول ان يبعد منصب الرئيس من صورة الجلاد الذي يقضي و ينفذ الحكم “جائراً كان ام عادلاً”… و يزرع بدلا منها صورة الرئيس الراعي لهموم الناس حيث الحاجة الى ثقافة التعايش السلمي و قبول الاخر و التعاون و التضامن… و لعل هذا كان سبب رفضه التوقيع على حكم إعدام صدام حسين…

كما ان ولعه الشديد باللغة العربية و الشعر العربي لم يكن فقط بسبب ارتباطه التاريخي مع شاعر العرب الأكبر الجواهري… بل بسبب ارتباطه النفسي بالثقافة العربية و إيمانه مع مجموعة من رفاقه في الاتحاد الوطني الكوردستاني بالإمكانية الفعلية للتفاعل الإيجابي بين الكورد و العرب … و بين الأقليات و الأغلبية في المجتمع العراقي و كذلك في مجتمعات المنطقة كلها…بل اكثر من هذا … بين وجع التاريخ و إرث التهميش و التحقير و صراعات الثورات و الدماء و التشرد و التشريد و مل اخطاء الماضي و مآلاتها… في سبيل بناء وطن للجميع و مجتمع متكاتف يتجاوز الاختلافات و الخلافات…. مرة اخرى… الامتناع عن التوقيع على اية احكام إعدام كان جزء حيويا من مشروع الواقع الحالم..

لا ادري الى مدى نجح في تقديم نموذج اخر للسياسي و خاصة الحاكم… لكنه حاول… و ربما لهذا السبب تم إسكاته بفعل “الجلطة”… و اخيراً تمت إزاحته كلياً.. لان هناك من يرى “ضرورة” العودة الى صورة الحاكم بأمر “الله” أو أمر “الشيطان “… !!!…و ان الشرق الأوسط لابد يمر عبر مراحل دموية من صراع ” الكل ضد الكل” مرة اخرى كي تتبلور الحدود و الانتماءات و التحالفات …!!!..

طوبى لمام جلال و آماله و للمشروع الذي آمن و عمل على تحقيقه … و سلام للحالمين بعالم يسوده السلام…. حبي للجميع…..

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close