ملاحظات مهمة بشأن ضعف الخطاب الكردي وسبل (تفكيك) تداعيات الأزمة بين أربيل وبغداد

حامد شهاب

تابعت بإهتمام بالغ تطورات الأزمة بين أربيل وبغداد،وتداعياتها على العراق والمنطقة، وقد أشرت في هذا الإستعراض ، جملة من الملاحظات المهمة، بشأن ضعف توجهات الخطاب السياسي والإعلامي الكردي في الأزمة الأخيرة، مع ملاحظة ضعف (المبررات) التي يسوقها القادة الكرد، والتي لم يحسنوا التعامل معها هذه المرة، مع بغداد، لكي تكون(مقنعة) الى حد ما..وقد حاولت إستخدام إسلوب (تحليل المضمون) ومبدأ (الإستقراء) لتحليل مضامين وتوجهات الخطاب الكردي السياسي والإعلامي ، من خلال مقابلات صحفية وإذاعية وحوارات تلفزيونية مع قادة وسياسيين واعلاميين من إقليم كردستان،أجريت مؤخرا، لمتابعة حالات (ضعف المبررات) و(الإرتباك) التي سادت لغة هذا الخطاب،والعمل قدر الإمكان على (تفكيك) تلك الأزمة،وإيقاف تداعياتها، قبل أن تبلغ مدياتها الخطيرة..ويمكن تأشير(إخفاقاتها) في النقاط التالية:

1. قبل أن نخوض في تفاصيل أزمة نقاط (ضعف المبررات) وتأشير حالات (الإرتباك) في الخطاب السياسي والاعلامي الكردي، لابد وأن نشير الى إن القادة الكرد، وبخاصة نواب التحالف الكردستاني في الدورتين الأولى والثانية من الانتخابات ، كانت مشاركاتهم في مجلس النواب العراقي على مستوى عال من الحرفية والمهنية والقدرة على التعبير عن أهدافهم وطموحاتهم، وقد وهبهم الله مزايا إستخدام اللغة العربية المتقنة ، بطريقة لم يكن حتى بمقدور النواب العرب من أقرانهم من (الشيعة والسنة) أن تكون لغة خطابهم بهذا المستوى العالي من الاتقان والقدرة على سوق (المبررات المقنعة) ، وكانوا دوما والحق يقال،في موقع الصدارة والاهتمام ، عندما يظهرون على شاشات التلفزة، وفي مناقشات البرلمان ، وكنت قد أشدت فيها بأكثر من مقال نشر في مواقع اخبارية عريقة وصحف عراقية ، وتحت عنوان: قراءة في توجهات لغة الخطاب لدى نواب التحالف الكردستاني ، سردت فيها بشيء من التفصيل، اللغة المتقنة والمبررات المقنعة التي يسوقها نواب التحالف الكردستاني أنذاك،في تعاملهم مع شتى المواقف السياسية داخل الحكومة والبرلمان بطريقة فائقة ومثيرة للإعجاب والتقدير والقدرة على الاقناع، لكن لا أحد من نواب التحالف الكردستاني او القادة الكرد ينتبه الى ملاحظات من هذا النوع في وقتها، أو لنقل لايهتمون بما يكتب عنهم منذ سنوات ،انصافا للتاريخ.

2. كان النائب السابق شوان محمد طه، وعندما كنت أعمل ضمن كادر قناة الرشيد الفضائية عام 2010 وما بعدها، وهو يزورنا على الدوام للحديث عن قضايا الساعة ووجهة نظر الكرد ازاءها، أحد من أبلغته بمضامين ما كتبت في وقتها عن توجهات خطاب نواب التحالف الكردستاني الإيجابية، وتوجهات رئيس الإقليم السيد مسعود البارزاني الإيجابية، تجاه بغداد وطروحاته القيمة كونه زعيما كرديا له مكانة خاصة، ولم يظهر الرجل مايدل على أنه أوصل ملاحظاتي المهمة عن توجهات نواب التحالف الكردستاني او توجهات القيادة الكردية في وقتها وبخاصة بشأن التوجهات الايجابية للسيد مسعود البارزاني في حينها، وقد نشرت تلك المقالات كما ذكرت في مواقع إعلامية رصينة ، وعلى صفحات جريدة التآخي الكردية، وقد تأكد لي للأسف الشديد ، أنهم لايعيرون إهتماما عما يكتب عنهم، حتى وان كان (إيجابيا) ، بل أن واحدة من (مثالب) النواب الكرد، أن صلتهم بالإعلاميين كانت ضعيفة، ويجهدون أنفسهم بالظهور دون ان يتمكنوا من بناء علاقات وطيدة مع الصحفيين الكبار في الحرفة والمهنية، ولا يقدرون أي جهد ، يضعهم أمام توجهات تخدم عملهم، بدوا وكأنهم لا يجيدون (كسب الصداقات) مع الإعلاميين والكتاب من الأوزان الثقيلة، حتى بضمنهم الإعلامي الكردي الزميل كفاح محمود، الذي تم تعيينه لاحقا كمستشار صحفي لرئيس الإقليم ، وبقي الزميل كفاح محمود وحده لفترة طويلة، ومن بعده الإعلامي الشاب (محمد زنكنة) وكأنهما الوحيدان اللذان لهما الحق في سوق المبررات عن قضايا الكرد أمام الإعلام ، ولا يهتم بما يكتبه الآخرون عنهم إيجابا على الأقل أو مد خيوط متينة من العلاقة معهم ، لأن (القادة الكرد) عموما وبخاصة النواب، كما يبدو، لايتقنون لغة (إقامة العلاقات) وادامة الصلات لخدمة قضيتهم من جهة، وليس لديهم رغبة في ان يتقنوا فن العلاقات العامة في التعامل مع الصحفيين والكتاب ممن هم في مواقع متقدمة، وبخاصة الصحفيين العراقيين، ولهذا (إنكفأ) كثير من الكتاب العراقيين ممن كانت لديهم الرغبة في اقامة علاقات صداقة حسنة وتعاون إيجابي معهم، حتى انهم في الأزمة الأخيرة لم يجدوا من يدافع عنهم ، وعانوا من (عزلة صحفية) بسبب تلك المواقف!!

3. إن ما ظهر من شخصيات سياسية كردية على شاشات التلفزة، لـ (تبرير) مواقف الإقليم، لم تكن بالمستوى المطلوب، وكان بعضهم طرفا في (التصعيد)، وربما لاتوجد أكثر من شخصيتين او ثلاثة او يزيد قليلا عن هذا العدد من القادة الكرد من دافع بـ (منطقية) عن مشكلة الكرد او عرض وجهات نظرهم بطريقة تجد (المقبولية) من العراقيين، وربما كان القيادي في الحزب الديمقراطي الكردستاني ( هوشيار زيباري) وزير الخارجية والمالية السابق ،والقيادي في الحزب الديمقراطي المردستاني (عبد السلام برواري)، وأستاذ العلوم السياسية بجامعة صلاح الدين (عبد الكريم خسرو) و(النائب عبد المحسن السعدون) وقادة من الاتحاد الوطني الكردستاني ومن حركة تغيير من أكثر من كانت مواقفهم تميل الى (الإعتدال) ويحاولون ان يطرحوا (مبررات) مقنعة الى حد ما، وغير مؤججة للمشاعر المتقابلة، ويطرحونها بهدوء وبلا انفعالات، وهم شخصيات وجدت (مقبولية) في طريقة عرض(المبررات) ..وأكرر القول ان شخصية موزونة وعلى قدر عال من الخبرة والمهنية العالية ،مثل السيد (عبد السلام برواري) كانت قد أدارت (الحوارات) التلفزيونية مؤخرا بطريقة ناجحة وحظيت بالاحترام ..أما بقية قادة ونواب التحالف الكردستاني ومن ظهر منهم على الفضائيات في مواقع حزبية ، فكانت مواقفهم أقرب الى (الانفعالية) في الغالب،و(مبرراتهم) ليست مقنعة ، وهم يستخدمون (الإثارة) و(التصعيد) في لغة الخطاب في الفضائيات، وكان كثير منهم سببا في (تصعيد الأزمة) على هذه الوتيرة التي وصلت اليها الان،بالرغم من انهم لم يطرحوا (مبررات) مقنعة او يدافعوا عن وجهة نظرهم ، بـطريقة يكون فيها قدر من (المنطقية) و (العقلانية) في الدفاع عما يراد ايصاله من أفكار ورؤى ، بهدف (إستمالة الآخر) أو محاولة عدم زرع حالات العداوة بين مكونات الشعب العراقي ومنها العرب والكرد والتركمان وباقي المكونات من الأقليات، ولكي يكون بمقدور الكرد (تسويق) وجهات نظرهم ومطالبهم، بطريقة لاتثير غضب المكونات العراقية او تشكل تهديدا لهم ولتاريخهم ولوجودهم على أرضهم.

4. إن واحدة من (مثالب) القادة الكرد في التعامل مع الأزمة الأخيرة مع بغداد انهم لم يحسنوا (ترتيب الأولويات) في الدفاع عن (الطروحات) التي يسعون للتوصل اليها، وقد رفعوا من (سقف المطالب) بطرق (تعجيزية) ، تجعل بغداد ترفض طروحاتهم ، حتى وإن كانت كثير من مطالبهم (عادلة) و (منطقية) ربما، ولم يكن لدى القادة الكرد القدرة على إقناع بغداد بصدقية توجهاتهم في الأزمة الأخيرة..فقد راحوا يتحدثون كثيرا، عن رغبتهم الحقيقية الواضحة في الانفصال عن العراق، ويشيرون الى انهم يريدون ان يكونوا جيرانا جيدين مع العرب، وإنه لارغبة لهم في البقاء ضمن الدولة العراقية،اذا بقي تعاملهم معها وفق التوجهات السابقة نفسها، وقد أعطوا (مبررات) للحكومة العراقية لأن تنتبه الى مخاطر توجهات من هذا النوع، حتى إن خطاب القادة الكرد خلق حالات من الريبة والتوجس ، بل وأجج (مخاوف) قادة التحالف الوطني من نوايا الكرد، وساد (التصعيد) لغة الخطاب الكردي الى أقصاها، حتى انهم لم يتركوا مناسبة الا وأشاروا الى رغبتهم الملحة بالانفصال، وكانت تلك المواقف هي من غرست (آسفينا) في العلاقة بين التحالفين الكردستاني والوطني وزادت من تباعد المواقف بين الطرفين، وكانت الحجة بسبب توجهات المالكي أزاءهم وبخاصة منذ توليه الولاية الثانية حتى وقتنا الحاضر وتوترات العلاقة معه حتى بعد خروجه من منصب رئاسة الوزراء ، وهم يركزون دوما على انه سبب كل تلك الأزمة وهو من يقف وراء تأجيجها، دون ان يتقنوا أدارة الأزمة في المواجهة التي اختارها الكرد مع بغداد هذه المرة، وبخاصة أن نوايا العبادي أزاءهم لم تكن (عدوانية) وحاول الرجل (تفادي) الأزمة بأية طريقة معهم، لكنهم لم يتركوا له مجالا أمام قوى التحالف الوطني، وأصروا على عنادهم بإجراء (الإستفتاء) ، والدعوة الى (الإنفصال) بالرغم من المواقف العراقية والاقليمية والدولية المعارضة بشدة للإستفتاء ، والرغبة في الانفصال، وحاول السيد رئيس الوزراء الدكتور حيدر العبادي أكثر من مرة معهم علهم يحاولون (التخفيف) من لغة (التصعيد) لكن الكرد ذهبوا بعيدا هذه المرة برغم (تباين المواقف) بين أطراف التحالف الكردستاني ووجود (اختلافات) عميقة بين الاتحاد الوطني والتغيير والجماعة الاسلامية مع توجهات قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني وعلى رأسهم رئيس الأقليم مسعود البارزاني، وما بقي أمام العبادي الا ان (يساير) توجهات التحالف الوطني الذين راحوا يصعدون في المقابل من لغة الخطاب، الى درجات مرعبة، وقد اعطاهم القادة الكرد (المبرر) للتصعيد هذه المرة.

5. كان ربط إجراء (الاستفتاء) بـ(الانفصال) والتوجه لـ(إقامة الدولة الكردية) ، وتكرار هذا الخطاب قبل إجراءه وبعده على أعلى القيادات الكردية ، هو وراء تصعيد تلك الأزمة مع بغداد، ولو تم التأكيد على أن إجراء الاستفتاء لايتبعه محاولات إنفصال، منذ البداية، لكان الأمر أسهل ، ولم يؤد الى حدوث أية مشكلة أو تصعيد أزمة، و(الاستفتاء) بحد ذاته ، ليس (ذنبا) ولا (جرما) ، بل هو (حق دستوري) ، بل ان ربط الاستفتاء بـ (الإنفصال) من قبل القادة الكرد، هو ما ادى الى كل حالات التوتر والاحتراب، لكونه خارج السياقات الدستورية ،ويتعارض مع رغبة عموم الشعب العراقي في بقاء العراق موحدا، وهو نفسه من صعد الأزمة مع الحكومة، وإعطوا لها (المبرر) للتصعيد ورفض منطق الإستفتاء المرتبط بالانفصال واقامة دولة كردية، وما أعقبه من قرارات فرض قرارات تضر بتلك العلاقة وتؤثر بشكل كبير على مستقبل الشعب الكردي، أي أن القادة الكرد أنفسهم لم يحسنوا (إدارة الأزمة)، وكان عليهم أن لايكشفوا كل نواياهم الحقيقية الان، على الأقل، وهم من أعطوا الذريعة لبغداد أن ترفض مطالبهم.

6. كان على القادة الكرد أن يجروا (الإستفتاء) دون ان يشهروا برغبتهم في الانفصال، فمعارضة بغداد لم تكن ضد (الاستفتاء) كمبدأ ،بقدر ما أثارهم المطالبة بالانفصال، بل والأكثر من هذا محاولاتهم للهيمنة على محافظة كركوك وما يسمى بـ(المناطق المتنازع عليها) ، بل ذهبوا بعيدا الى احد اعلان كركوك محافظة (كردستانية) ، وانهم راحوا يتحدثون انهم لن يتنازلوا عنها بأي شكل من الأشكال، مما أحرج العرب السنة الذين كانوا (يتعاطفون) الى حد ما مع (مطالب الكرد) ووقفوا الى جانب الحكومة العراقية ضد الكرد، لأن أرضهم ومناطقهم هي من ستكون مسرحا للـ (الهيمنة الكردية) هذه المرة، ولن يقبلوا بتوجهات من هذا النوع، للسيطرة على مناطقهم في أكثر من محافظة، وبخاصة كركوك ونينوى وديالى، ورأى العرب السنة انهم لابد وان يرفضوا مطالب الكرد ويقفوا مع الحكومة العراقية، حتى وان كانوا (المتضرر الأكبر) من التحالفين الوطني والكردستاني، وهم يرون ان كلا التحالفين حققا مصالحهما على حسابهم، وهم ، أي العرب السنة، من أشد من عانوا من الظلم والاضطهاد والهيمنة على محافظاتهم، والعدوانات التي تعرضوا لها قبل احتلال داعش وبعدها، وما زالت محافظاتهم خربة مدمرة، تختفي فيها معالم الحياة في أبسط صورها، في حين ينعم الإخوة الكرد بميزات لم يحلموا بها وبنوا أقليما متطورا من كل النواحي، ومناطق التحالف الوطني ومحافظاته لم ينالها الأذى مثلهم، ومع هذا كانوا يودون ان يكونوا (عامل دفع ايجابي) مع الكرد ، لرغبتهم ببقاء العراق موحدا، وكانت قضية نازحيهم ووجودهم في كردستان محل تقدير قادة العرب السنة وجمهورهم ، وهم مع كل هذا يكنون التقدير للاخوة الكرد ولما قدموه ، ولاينبغي هذا الأمر أن يكون (منة) عليهم لإرغامهم على تقديم (تنازلات)،ولهذا رفضوا أن تكون (محاولات الإنفصال)، على حساب مناطقهم، مما أفقد الكرد (المبررات المنطقية) أمام الاطراف الأخرى في دعاوى الانفصال وفي محاولات الاستحواذ على أراضي محافظات العرب السنة، ولو أشاروا الى انهم أجروا (الاستفتاء) لمجرد الرغبة في تهيئة وثيقة للشراكة والتعايش مع المكون العربي بشقيه السني والشيعي، ضمن محافظاتهم الثلاث الحالية ،ولم يظهروا رغبتهم بالانفصال، لما تحرك أحد ضدهم ولما واجهوا كل هذا التحدي والرفض ، ولكانت المواقف الاقليمية والدولية ضدهم ليست فاعلة، لكنهم بمطالبهم والحاحهم على فكرة الانفصال واقامة دولة كردية، فقد كانت (القشة التي قصمت ظهر البعير) كما يقال، في العلاقة مع باقي المكونات العراقية ،ووجدت فيها خطورة كبيرة على مستقبلها ومستقبل أجيالها، وان العراقيين لن يفرطوا بوحدة بلدهم حتى في أسوأ الأحوال.

7. النقطة القوية التي أثارها القادة الكرد ومنهم مسعود البارزاني، ولكن لم يضعونها في (الأولويات)، ويركزون عليها دون غيرها ، وكانت هي معينهم في تلك الأزمة لو احسنوا التأكيد عليها، هو أنهم كانوا (يشكون) من توجهات لدى الحكومة العراقية لبناء (دولة دينية طائفية) وهناك (مخاوف) و(قلق) كبيرين لدى القادة الكرد من تنامي الميليشيات في الدولة العراقية ، كما ان (بعض فصائل الحشد الشعبي) أصبحت على مقربة من حدود إقليمهم في نينوى وديالى،ما يسبب لهم (مخاوف مستقبلية) لوجودهم،من وجهة نظرهم، وشعر القادة الكرد أن وجود تشكيلات غير نظامية من الحشد الشعبي ، وبعضها غير مرتبط بالقائد العام، ولديهم (أطماع تواجد عسكري) وربما (هيمنة) على مقربة من حدود إقليمهم بحجة (مواجهة داعش)، وبخاصة بعد تحرير نينوى، يشكل (تهديدا خطيرا) لوجودهم، ولهذا شعروا ان (الدولة المدنية) لم يعد لها وجود في تفكير قوى التحالف الوطني، ولو ركز القادة الكرد على هذا (التهديد) ، أي (الدولة ذات التوجهات الدينية والطائفية) واعطوه (الأولوية القصوى) والمساحة الأكبر من الإهتمام،وجعلوا (الاستفتاء) في مراحل لاحقة، أو على الأقل بدون اعلان الرغبة في الإنفصال، لكان لهم أفضل وأجدى وأكثر مقبولية وبأقل الخسائر، ولوجدوا دعما من قادة السنة ومساندة لمطالب الكرد، لكون القوى السنية كانت تشترك مع الكرد في (المخاوف) نفسها، بل انهم تناغموا مع طروحات الكرد هذه وأيدوها،ولكانت لهم (نقاط قوة) وحجة حتى أمام الولايات المتحدة حليفهم القوي، وكذلك أمام المجتمع الدولي، لكي يضغط بالاتجاه الذي يقلل من تاثير توجهات من هذا النوع، بل ويرغم حكومة العبادي على ايجاد سبل لمعالجة تلك المخاوف وخلق حالات من أجواء(التهدئة) و(التطمين) ليس للكرد فحسب، بل حتى للعرب السنة،في ان لديهم (المخاوف) نفسها، وتبعاتها ستكون على حساب وجودهم ووجود مكونهم، لكن الكرد لم يحسنوا (إدارة الأزمة) وبالتالي (إنقلبت) ضدهم، وكانوا غير موفقين في عرض (أولويات الأزمة) بحسب الأهمية، ولكانت قضايا الخلاف المالي المعلقة كلها قد حلت بطريقة أسهل ولإنتهت المشكلة دون أية خسارات، وبلا (تصعيد كبير)،على هذه الشاكلة من الخطورة، إذ ان (نيران الأزمة) الان مايزال (يتصاعد) وقد (تتقد) شراراتها في أية لحظة، وإن التلويحات بـ (المواجهة) و(محاولات الاصدام) يغذيها طرفي الأزمة، بعد ان وضعهم الكرد أمام الأمر الواقع، وتحول (العداء) الى (حالة مزمنة) ليس من السهولة (تفكيك) أزماتها، اللهم الا بشق الأنفس وتحتاج الى (معجزة) ربما لكي يتم تفادي مخاطر تلك الأزمة العميقة.

8. لقد غذى القادة الكرد للأسف الشديد لدى معظم شرائح المجمتع الكردي وبخاصة بين الشباب نزعة (فكرة الانفصال) ومعاداة (البقاء ضمن العراق) الفدرالي الاتحادي، ولا توجد أوصر للعلاقة بين أجيال شباب الإقليم والاجيال العراقية الشابة من العرب، لقلة الإختلاط والتواصل بينهم، بسبب (العزلة) التي فرضها الكرد على تلك العلاقة، وعدم الاهتمام بتدريس اللغة العربية في المدارس والكليات الكردية ، واتساع (مظاهر البطالة) وعدم دفع الرواتب للموظفين في الأقليم، لتكون أحد أهم بوادر انفجار هذا الوضع، واتجاه الأزمة نحو التفاقم، كما ان ادخال قضية الدعم الاسرائيلي والترحيب به ودعم انفصالهم عن العراق ومظاهر رفع العلم الاسرائيلي في اكثر من مكان في الاقليم وبخاصة خلال فترة الاستفتاء، خلق حالات من العداوات بين العرب والكرد، وأجج من مخاوف العرب، من توجهات إسرائيل وسعيها لكي يكون لها وجود ضمن الإقليم، بالرغم من وجود قليل من توجهات من هذا النوع منذ سنوات، الا انها كانت هي الأخرى (عامل تأجيج) و(تصعيد) للأزمة، حتى وصلت الى مراحل (تأزم خطيرة) ليس بمقدور الحكومة العراقية ان تغض النظر عنها او تسكت عنها، ولهذا تصاعدت (وتيرة الأزمة) ووصلت الى مراحل مرعبة، لها نتائج كارثية على مستقبل العلاقة بين العرب والكرد، الذين تعايشوا لقرون وسنين طويلة، في اجواء من المحبة والتعايش الايجابي الفاعل، وكانت بينهم علاقات متميزة على أكثر من صعيد، عندما كانوا جزءا من شعب العراق، وهم عراقيون أولا وأخيرا.

9. لقد فرض القادة الكرد سياسة (فرض الأمر الواقع) على المناطق المتنازع عليها ، وبخاصة محافظة كركوك، وأرسلوا المزيد من قوات البيشمركة الى كركوك ومناطق متنازع عليها أخرى ، ولم يرسلوا (إشارات الإطمئنان) الى الاطراف العراقية، بضمنها الحكومة، وتعرض العرب القاطنين في كركوك لإرغامهم بالقوة على النزوح عن مناطقهم ، وتم مهاجمة مقار حزبية تركمانية ، ما أجج الغضب العربي التركماني على تلك السياسة، وسمحت لقوى التطرف بتأجيج (التصعيد المقابل) ضد الإقليم ، وراحت تصريحات التهديد تكاد تكون (متقابلة) بين طرفي الأزمة.

10. لقد كانت مواقف الدول الإقليمية وبخاصة تركيا وايران وتصعيد عدائها لتوجهات الكرد الانفصالية، ورفضهم لإقامة (دولة كردية)، هي من أحبطت محاولات الكرد للحصول على (مكاسب) وشكلت (مطامع التوسع الاقليمي) للقادة الكرد، رعبا ،ليس بمقدور دول الجوار الذين لديهم اكراد يفوق عددهم ما موجود في العراق بثلاث مرات، تحمل تبعات تفكير الكرد بالانفصال، ونزوع لتشكيل كردستان الكبرى، ما جعل الإقليم في وضع لايحسد عليه أمام الجيران، ووجدت الحكومة العراقية في مواقف دول الجوار ما يقوي من مواقفها في تلك (المواجهة) التي وجدت نفسها (محرجة) في وقف تداعياتها، على أكثر من صعيد،ولم يحسن القادة الكرد التعامل مع دول الجوار، وايجاد (تفاهمات) معهم، للتخفيف من ازمة علاقتهم مع الحكومة العراقية.

11. كان الأحرى بالكرد أن يجروا (ترتيبات) مع دول الجوار،ويأخذوا منها (ضمانات) بعد ان يطمئنونها على مطالبهم، قبل مرحلة إجراء الإستفتاء ، بأن الكرد لايسعون الى الانفصال، أو إقامة دولة كردية ، ويهيأوا العامل الإقليمي والدولي، وفق (تفاهمات) تعطيهم (ضمانات الإطمئنان) ، لكي لايشعلوا أوار حرب مع الكرد وتصعيد ردود الأفعال معهم بالطريقة التي جرى بها تصعيد الازمة مع حكومة كردستان وهذه الدول وبخاصة ايران وتركيا، لن تسمح بـ (اقامة دولة كردية) بأي شكل من الأشكال، لأن ما هو موجود من كرد لديهم يفوق ما موجود في العراق بثلاثة أضعاف، ولم يحسن الكرد (حساب البيدر مع حساب الحقل) بأن لديهم علاقات تجارية واسعة مع تركيا، وكان من الأفضل لهم لو حسبوا النتائج مقدما وأطلعوا على مواقف دول الجوار الحقيقية، عبر مباحثات معمقة وعلى أعلى المستويات ، وبخاصة تركيا ، قبل الإنجرار وراء إستفتاء يسير بهم نحو الإنفصال، التي ربما كانت قد ورطتهم بأنها كانت ربما أعطتهم (إشارات خاطئة) على الوتيرة نفسها التي جرى بها (تضليل) العراق عام 1990 واجتاح على أثرها الكويت وحصل ماحصل .

12. إن القادة الكرد أمامهم فرصة للـ (التراجع) عن (سقف المطالب الكبيرة) بدون ان يعرضوا مصالح شعبهم للمخاطر ،أمام التهديدات المحلية والاقليمية والدولية التي واجهتهم ، ومن صالحهم أن لايجعلوا من قضية (إجراء الإستفتاء) وما أعقبه من نتائج (عقبة) أمام محاولات البحث عن (مخارج للحل) والعمل على إنجاح محاولات الحوار وأعطاء إشارات بأنه يمكن (تجميد الاستفتاء) حاليا على الأقل، دون تحديد سنوات، ليمكن تسهيل(تفكيك الأزمة) وإعطاء الطرف الآخر (ضمانات) بأن هدف الكرد لم يكن (الإنفصال) و (إعلان الدولة) ، بل هو مجرد حالة من التعبير عن رغبات الشعب الكردي وطموحاته عن حق تقرير المصير، كأحد الاوراق الضاغطة على الحكومة،عندما تفشل كل المحاولات الأخرى لضمان حصول الكرد على مطالبهم.

13. على الإخوة الكرد أن يدركوا حقيقة مهمة ، وهي أن قيمة مكانتهم ومكاسبهم التي يحصلون عليها ، تكون مع العراق الموحد أفضل بكثير مما لو إختاروا (خيار الدولة) ، لأن مستلزمات تلك الدولة لم تكتمل حتى الآن،بالرغم من التقدم الاقتصادي والعمراني اللافت للنظر قياسا بمحافظات العراق الأخرى، كما إن وضعهم الجغرافي القاري وعدم وجود منفذ بحري لهم مع أية دولة، يجعلهم دوما في موقع الدولة المحاصرة ، وعلاقاتهم مع المحيط العربي هي في أفضل حال وبخاصة مع دول الخليج، ولهذا فأن توقيت اعلان الدولة لم تتهيأ مستلزماته حتى الان، وهم الان من خلال (الأقليم) يمارسون دور الدولة ويتمتعون بكل مقوماتها المعنوية وحتى الاقتصادية، ولا يشكل ارتباطهم مع بغداد (مثلبة) على وجودهم القومي، ولديهم علاقات وطيدة في مختلف المجالات مع القوى العراقية ومع شعب العراق منذ مئات السنين، كما إن الشعب الكردي يرى أنه قد يدخل في (مجازفة غير محسوبة العواقب) إن غامر بالاتجاه نحو إقامة دولة، وقد يضيع فيها مستقبلهم ومكاسبهم التي حصلوا عليها، وقد يتحول إقليمهم الى ( ساحة حرب) ، كما أن الشعب الكردي أدرك أنه كيف وقفت بوجهه ليس حكومة العراق فحسب ورفضت منطقهم،إنما حتى دول الجوار التي كانت من أشد المعارضين ، وهددتهم بأقسى العقوبات ، وكذلك المجتمع الدولي لايتوافق كليا هو الآخر مع أمنياتهم في تحقيق حلمهم، ويبدو أنه لن ينصفهم أحد حتى الآن.

هذه ملاحظات غاية في الأهمية ،وددنا عرضها أمام أنظار الرأي العام العراقي وأمام أنظار القادة الكرد، تضمنت (خارطة عمل) و(تحليلا) نعتقد أنه (منطقي) ويقترب من (الواقعية) ويلامس (جذور الأزمة) ويعمل على (تفكيك) طلاسمها، ويدرس ويحلل بطرق علمية وواقعية توجهات ومضامين لغة الخطاب الكردي، وقد أشرت خلالها الكثير مما يمكن ان يكون (إخفاقات) و (علل) عانت منها لغة الخطاب الكردي وحتى نوع المطالب، في الأزمة الاخيرة..وأمنياتنا وأمنيات العراقيين جميعا ان يجنبهم الله وشعب العراق شرورها وويلاتها، لأن أي حالة (تصادم) أو (مواجهة مباشرة ) يستخدم فيها السلاح ، لاسمح الله، ستكون عواقبها وخيمة على العراقيين جميعا عربا وكردا واقليات متآخية..ومن الله التوفيق!

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close