ذكريات كوميدية من ايام خدمتي العسكرية الالزامية

بعد تخرجي من الجامعة عام 1973’التحت بالخدمة العسكرية الالزامية’

في البداية كان علي ان اخضع الى التدريب العسكري البدني’
واستعمال السلاح
قسمنا الى حظائر!’تظم كل منها بضعة جنود
واكتشفت بعد ذلك ان الحظيرة التي نسبت اليها لم اكن الجامعي الوحيد فيها’
بل ايضا الوحيد الذي اجيد القراءة والكتابة’
فقد كان جميع زملائي من الاميين’
ومن قرى وارياف محافظة واسط في جنوب العراق
كانت فرصة جيدة بالنسبة لي للاظلاع على احوال بسطاء الناس
والتعامل معهم’حيث اني ولدت وعشت في المدينة’ولم تكن لي اية علاقة مع مثل تلك الطبقة الاجتماعية
وكجندي مكلف’نسبت الى امرية موقع الموصل في معسكر الغزلاني’وكلفت بالاشراف على فصيل الشغل’وهم مجموعة من الجنود غيرالمسلحين لاسباب صحية’
ولذلك كانوا يكلفون بتنفيذ لاعمال المدنية في المعسكر,
في البداية كان لابد من التدريب على اللياقة البدنية والضبط العسكري
’بدأنا بالمسير في طوابير’والاستدارة الى كافة الاتجاهات.
احد زملائي من رفاق السلاح كان اسمه صبر’وهو راعي غنم’لم يكن قد بارح قريته قبل سوقه الى الخدمة العسكرية
لم يكن يعرف اي شئ عن العالم سوى اغنامه’وكل مايتعلق بهم
وكان من خلال سلوكه وديعا الى اقصى درجة’وحتى حديثه كان مختصرا
وعدد الكلمات التي يستعملها محدودا’مما يدل على انه يعيش عالمه الخاص
جنته على الارض هي المرعى والسماء والغنم.
بدأ التدريب العسكري’وكانت اول التمارين هي السير بواسطة الايعاز العسكري’والاستدارة الى كافة الاتجاهات’ولسوء حظي كان صبر يقف بجانبي’وعندماااوعز لنا العريف محمد بالاستدارة الى اليمين استدرت لارى زميلي صبر يقف امامي وجها لوجه’
حيث لايميز بين اليمين واليسار’عاقبه عريف محمد بالنهر
وطلب منه ان ينتبه لذلك’لكنه كررالامرعدة مرات
مما جعل العريف يفقد صبره ويقول له’:-والله ياصبر انا بحاجة الى صبرأيوب معك.
ثم وجه الكلام لي’وقال:-اذا امرتكم بالاستدارة الى اليمين ووجدت وجه صبر امامك’اصفعه’
ثم اردف:-هذا امرعسكري’ذلك اشعرني بالاحراج الشديد’حيث كان من المستحيل ان انفذ مثل ذلك الامر’خصوصا واني كنت متعاطفا جدا مع ذلك المخلوق الادمي البائس’والذي

لايمكن اعتباره مذنبا لانه ولد ونما وترعرع في بيئة لم تصل اليها الحضارة الانسانية’
وعاش حتى ذلك الوقت بين اغنامه’في انسجام والفة ومحبة وتفاهم
ولعنت السياسة والسياسين الذين يورطون شعوبهم في حروبهم العبثية’ويرمون امثال صبر البرئ المسالم ةفي اتون نيرانا يحرقونها وحطبها اجساد بريئة لاناقة لها ولاجمل فيما يطمحون اليه’وغالبا ما يسوون خلافاتهم مع بعض’ويعيدوا بناء علاقاتهم’’بينما ام وزوجة واولاد صبر يدفعون ثمنا باهضا من الفقر والحرمان واليتم واللوعة بكل اشكالها
لعن الله الحروب وكل من يروج لها’ويتعمد اشعالها
وهذا’وكما للحديث شجون’كذلك للافكار’وهكذا سرحت بافكاري
المهم بأني تعمدت السقوط على الارض’وشعرت فعلا بالام’واستطعت الحصول على زرقة عيادة طبية’انقذتني من صفع صبر
وفي يوم التدريب على الرمي بواسطة بنادق الكلاشنكوف
كان العريف محمد يعلمنا كيف نصوب
حيث نضع البندقية على الكتف الايمن’ونغلق العين اليسرى’ونحاول ان نصع الفرصة بين الشعيرة
ونحن في وضعية الانبطاح’وكان يرتمي على الارض في مواجهتنا وبيده الة تقيس دقة التصويب
زعندما جاء دور صبر’استشاط العريف’غضبا’وقال:-والله يوم الرمي الحقيقي سأقف انا هدفا امامك’لاني سأضمن سلامتي
السبب ان صبر كان عندما يصوب يغلق عينه اليمنى بدلا من اليسرى!
وفي احد الايام وبعد انتهاء التدريب و
عندما عدت الى الوحدة وانا اتيهأ للمغادرة المعسكر الى داري’
كما كنت افعل كل يوم بعد نهاية الدوام الرسمي
’لكوني من سكنة مدينة الموصل’فوجئت بالعريف محمد يقول:-لقد بدأ الجيش حالة انذار’ويمنع مغادرة اي جندي عن وحدته العسكرية’وحتى اشعار اخر
وعندما استفسرت عن السبب قالوا لي ان الحرب اشتعلت بين العرب واسرائيل’
كان التاريخ 6 تشرين اول(اكتوبر)1973
لم يكن امامي الا التنفيذ’ودخلت الى القاعة’واستلمت مستلزمات النوم’وخصص لي سرير
ذلك الوضع جعلني اقرب الى زملائي’رفاق السلاح’والذين كانوا قد اعتادوا النوم في المعسكر لكونهم من خارج المحافظة
جلسنا في حلقة نتبادل اطراف الحديث
حدثني كل منهم عن حياته عائلته ’سمعت قصصا غريبة واراء جديدة وعادات وتقاليد كنت اجهل انها معمول بها ومتعارف عليها في المجتمع العراقي
’فعلا اكتسبت خبرة جديدة
ومن خلال الحديث بادرني احدهم وكان اسمه عبد السادة’بالقول:-كما تعلم يااستاذ بأننا جميعا اميون’وتردنا رسائل من اهالينا’وان وجدنا من يقرأها علينا’فانه من الصعب اقناع البعض بكتابة الردود’فهل يمكنك مساعدتنا مادمت متفرغا’وبأن تقرأ لنا وتكتب الاجوبة ؟
فقلت له لامانع’بل وبكل ممنونية
وبدأت قراءة رسائل كثيرة كانت مكدسة’وسط فرحة وغبطة زملائي’والذين رفعوا الدعاء للرئيس انور السادات’على مهاجمته اسرائيل وتحطيم خط بارليف’وتسببه بحالة النذار التي ابقتني حبيسا في المعسكر’لاقدم لهم تلك الخدمة
من خلال قرائاتي اكتشفت ان حتى معظم مرسلي تلك الخطابات كانوا اميين او شبه اميين’
انذاك كانت المكتبات تعرض كتيبات
منها مثلا:-كيف تتعلم اللغة الالمانية في سبعة ايام!!!
واخرى ترشد عن طريقة كتابة الرسائلوفيها عدة نماذج يمكن للشخص ان يختار احدها ويستنسخه ويبعثه في رسالة الى قريبه او صديقه’او حتى حبيبها او حبيبته
كانت معظم الرسائل التي قرأتها من ذلك النوع’
لكني كتبت الاجوبة بطريقة اخرى نالت استحسان رفاقي ’وسط فرح وغبطة’وذلك مما جعلني اشعر بالسعادة كوني استطعت ان استثمر الوقت الممل بين جدران قاعة النوم الكئيبة
والان واهم سبب جعلني اكتب هذه المقالة’
هو ان احدى الرسائل التي قرأتها’فيها من السجع المنظم مما جعلني اعيد قرائتها عدة مرات
’حتى حفظتها عن ظهرقلب’ولم انساها رغم مرور 44عاما
فيها سجع وكأنه شعر’وتمنيت ان التقي كاتبها’واكتشف حقيقة شخصيته’وهل هو كاتبها’ام انه نقلها’رغم ان احدى عباراتها اشعرتني بانه هو الذي ابتدعها
واعتقد ان القارئ سوف يكتشف تلك العبارة في انسياب العبارات
ونص الرسالة هو كما يلي:-
حضرة الاخ الوفي
والدر الصفي
مهجة القلب
ونور العين
وروح الفوأد
الدر المكنون
والذهب المخزون
والاخ العزيز الذي لايهون
حسين ابن العم حنون
اسأل الله ان يحفظك ويرعاك
ويديمك ذخرا لرعاياك
ويقر بهم عيونك
ويخزي ويذل من يعادونك
ومن نعيم العيش يحرمونك
اسأل الله عليهم الذل الشامل
والانهيار الكامل
واسأل الله لك
عزا كثير
ورزقا وفيرا
ونوما قريرا
انه على كل شئ قدير

وان كنت تسأل عننا
فنحن بخير وصحة وسلامة
لايهمنا سوى الم فراقكم الغالي علينا وعليكم
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

انتهت الرسالة
وبقى ان اذكر ام ماجعلني اعتقد انه كاتبها
كان عبارة
حسين بن العم حنون
لانها تشير بدقة الى شخصية المخاطب

مازن الشيخ

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close