إنهم يقتلون الشعب الكوردي .. أليس كذلك؟

أخيرا حدث الذي حذّر منه الكثير من المتابعين للشأن السياسي في إقليم كوردستان العراق، وبان قصر نظر ساسة الإقليم تجاه أخطر قضية واجهت الشعب الكوردي منذ عقود طويلة إن لم يكن طيلة تأريخه. وعرّض ويعرّض هؤلاء الساسة نتيجة صبيانتهم وأخطائهم الكارثية وفسادهم تجربة شعب كوردستان الى مخاطر جمّة، أخطرها هي حالة الإحباط واليأس التي لم يمرّ بها هذا الشعب في أحلك ظروفه تلك التي تعرض فيها الى أبشع عمليات القتل والتنكيل طيلة تأريخه النضالي المشرّف من أجل إحقاق حقوقه القومية المشروعة.

لو أجرى ساسة الإقليم الإستفتاء الذي ذهب مع الريح اليوم، غدا أو بعد غد أو بعد مئة عام فأن تصويت الشعب الكوردي عليه سيكون كما حصل في هذه المرة ، بالأغلبية المطلقة. وعليه كان على هؤلاء الساسة أن يستمعوا الى صوت العقل وهم يواجهون رفضاً محلياً وإقليمياً ودولياً بعدم إجراءه وتأجيله الى وقت آخر. الا إننا رأينا وعلى الضد من منطق العقل الناضج الذي عليه قراءة المشهد السياسي طبقا للوضع الجيوسياسي في البلد والمنطقة وأخذ العلاقات الدولية المتشابكة ومصالحها بنظر الإعتبار، مَيْل لمنطق طفولي في التعامل مع الحدث إعتمادا على وعود جرّبتها حركة التحرر الكوردية وخصوصا بكوردستان العراق أكثر من مرّة والتي فشلت فيها في كل مرّة.
وإن كانت نتائج الإستفتاء ستكون لصالح الإنفصال والإستقلال سواء أجري الإستفتاء اليوم أو غدا، فلمَ غامر السادة المغامرون في إجراءه؟

قبل أن نجيب على السؤال أعلاه علينا أن نعي حقيقة يحاول البعض التهرب منها والقفز عليها والبراءة من نتائجها، علما من أنّ هذا البعض لوّن أصبعه باللون البنفسجي وكان من أشّد المتحمسين لإجراء “الإستفتاء” بل وبدأ كما غيره بالمزايدة على إجراءه لكسب أعداد أكبر من الجماهير الكوردية الى صفّه بعد أن تلاعب الجميع بعواطف الشعب الكوردي وتطلعه كأي شعب الى الحرية والإستقلال. فالإستفتاء لم يكن الا هروباً للأمام من قبل سلطات الإقليم بأحزابه المختلفة التي فشلت في ترجمة حاجات الناس اليومية، وللخروج من أزمات حادّة طالت مناحي الحياة المختلفة في المجتمع الكوردستاني. فالبرلمان الكوردستاني كان معطّلا والرئيس “البارزاني” غير شرعي والعلاقة مع حكومة المركز غير طبيعية، والأزمة الإقتصادية ضربت أسس الإقتصاد الريعي الذي إعتمد أساسا على تصدير النفط “دون تدخل الحكومة المركزية” نتيجة إنخفاض أسعاره وملاحقة الحكومة المركزية للنفط الكوردستاني للحد من بيعه ووقوع الإقليم تحت رحمة أتاوات أنقرة. فالأحزاب الكوردية الحاكمة في أربيل والسليمانية وعلى الرغم من إيراداتها الضخمة لتصديرها النفط وحصّتها من الميزانية المركزية حتّى فترات قريبة وما كانت تجنيه من المعابر الحدودية فشلت لليوم في توفير فرص عمل للشباب الكوردي وإزدادت في مناطقها كما بقية أرجاء الوطن مساحة الفقر.

أنّ ما جرى خلال الأيام الماضية وفشل الإستفتاء وإنسحاب قوات الپيشمرگه دون قتال أمام الجيش العراقي والقوات غير النظامية المساندة له، لا يتحمله حزب سياسي بعينه ولا شخصية سياسية لوحدها لأن ما جرى كان نتيجة طبيعية لهيمنة عائلتين متنافستين على مقاليد الحكم في كوردستان، وقد دفع الشعب الكوردي وسيدفع لاحقا أثمانا باهضة نتيجة الصراع بين هاتين العائلتين والذي بات يشبه صراع عصابات المافيا. اليوم وبعد الأنهيار الكبير للأحلام المشروعة للشعب الكوردي نتيجة ضيق أفق قادته وإرتباطهم الدائم بالقوى الإقليمية ودوائر صنع القرار الدولي والتي تركت الشعب الكوردي مرارا ليتذوق طعم الهزيمة، لم يبقى أمام جماهير الكورد الا تنظيم صفوفها للضغط على المغامرين وفضحهم وعزلهم. لأنّ ما جرى لا يدخل في باب الأخطاء قدر ما هو جريمة بشعة بحق الشعب الكوردي ومستقبله.

أنّ صبيان السياسة في كوردستان لازالوا لليوم وسيثبت التأريخ ذلك، ركن مهم وأساس ليس في إنهيار التجربة الكوردية والتلاعب بمصير “شعبهم” فقط. بل كركن أساس في خراب العراق نتيجة إصطفافهم مع باقي القوى السياسية لترسيخ نهج المحاصصة المدمر، فالأحزاب الكوردية وعلى رغم مرارة تجاربها التأريخية مع حكام بغداد على مختلف مشاربهم السياسية لازالوا يعتبرون النظام الديموقراطي وقواه عدواً لـ “شعبهم” لذا تراهم يتحالفون ولليوم مع أعتى القوى رجعية وخيانة للبلد . فحتّى قبل أيّام من الطلاق البائن لزواج المتعة بينهم وبين الأحزاب الشيعية وقفوا الى جانب الأخيرة في مطالبتها بمحاصصة المفوضّية “المستقلة” للإنتخابات، ليضيفوا موقفهم المخزي والمعادي للديموقراطية الى مواقفهم السابقة من إقرار قانون إنتخابات على مقاسهم ومقاس الاحزاب الشيعية التي ضربتهم “بوري” كما يقول الشارع العراقي.

على الشارع الكوردي وهو يعاني من الإحباط الذي تسبب به قادته بلا إستثناء أن يعي حقيقة واحدة، وهي أنّ نظام ديموقراطي حقيقي ببغداد هو نصر للكورد قبل العرب. وهو البوابّة الحقيقية لبناء مجتمع خال من الإضطهاد والتمييز. على جماهير شعبنا في كوردستان أن تنظم الى الجماهير في مدن العراق المختلفة للمطالبة بإصلاح العملية السياسية بل وتغييرها بالكامل، فعدم مشاركتها طيلة السنوات السابقة في تظاهرات مطلبية حوّل كوردستان العراق كما بقية البلد الى مستنقع للفساد والدكتاتورية.

القيادات السياسية في كوردستان هي من قتلت الحلم وهي من قتلت التجربة وهي التي علينا محاسبتها، كون الأحزاب الشيعية الحاكمة وهي حليفتها حتّى الأمس ليست سوى بيدق شطرنج تتحرك على رقعة إيرانية. فهل سيتحرك الشعب الكوردي لمحاسبة قاتليه، أم سينقسم في هذا الوقت الدقيق من تأريخه بين عصابتين من جديد وليعيد دورة الإضطهاد مرة أخرى؟

زكي رضا
الدنمارك
19/10/2017

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close