ألعَدلُ أساسُ آلأمن و آلإستقرار لنيل ألسّعادة

قلت قبل أعوام في سلسلة (الهمسات الكونيّة ) التي تعدّت المائة و الخمسين همسة, عبارة في غاية الدّقة و الحكمة و العمق كمؤشر هام للعدالة, مفادها:
(كلّ جيوش العالم مجتمعة لن تستطيع القضاء على الأرهاب, العدل وحده يستطيع ذلك).

و حقاً كان ذلك , حيث نرى عدم إستقرار الأوضاع و الفوارق الطبقية و شيوع الأرهاب في بلادنا و في معظم دول العالم التي تفتقد إلى العدالة و المساواة بسبب تسلّط الحاكمين الذين ينهبون حقوق الناس بقوانين وضعية يتمّ تشريعها بحسب مقاسات جيوبهم و حساباتهم و مصالحهم الحزبية و الفئوية, خصوصاً في الدول العربية و الأسلامية, فحقوق الناس فيها هي آخر ما يُفكّر فيها و ينتبه إليها المتسلّطون, لأنشغالهم بالنهب و السلب القانوني على حساب الفقراء و العاطلين عن العمل الذين يزداد عددهم يوما بعد آخر, بجانب إفرازات ذلك و منها سوء الأخلاق و تفشي الجرائم و القتل و الخطف و الفساد على كلّ صعيد كنتيجة طبيعة للظلم الذي هو عكس العدل تماماً!

كما إنّ قضية عدم الإستقرار في عالمنا العربيّ و الإسلاميّ .. ليست قضية الفروق بين الأغنياء و الفقراء فقط، أو بين الأقوياء و الضعفاء، أو بين المتعلمين و الأميين, أو بين الحاكمين و المحكومين؛ بل القضية هي مسألة العدل و المساواة في الحقوق بين هؤلاء جميعاً؛ (العدل) في توزيع الرّواتب و الثروة؛ و ما يحصل عليه بيت المال من المنابع الطبيعية و الضرائب العادلة, و ليست الظالمة, و هكذا جميع الحقوق, و إذا تحقق العدل في مجتمع ما و كما كان زمن الأمام عليّ(ع)، فإنه ضمان التوازن و الإستقرار و الأمن و من ثمّ الرّفاه الأجتماعي فآلسّعادة آلأبدية الممتدة حتى دار الآخرة، و إنْ لم يتحقق ذلك .. فعدم الاستقرار و اختلال التوازن و الأمن هو النتيجة الطبيعية الحتميّة التي لا مفرّ منها, و التي تسبب الشقاء الممتد حتى دار الآخرة.

و تلك كانت سُنّة ماضية على طول التأريخ أنبأنا بها الأنبياء و الرسالات السماوية, و في كلّ العوالم حتى عالم الحيوان و الجن و المخلوقات الأخرى، حيث قضى الله عز و جل أن يُقام العدل فيها و لو في الآخرة، فالنبي صلى الله عليه وآله و سلم يقول عن يوم القيامة: [أنه فيه يقتصّ للشاة العجماء من الشاة القرناء]. فإذا كان الله عز وجل يُقيم العدل حتى بين الشّياه التي تتناطح، فنعلم أن هذه قضية إلهيّة حتمية لا محيص عنها أو التحايل عليها في كل الظروف و الأحوال, خصوصا و إن الباري تعالى قد حدّد قوانينها و مراتبها و حالاتها بكل تفصيل.

و جنوح الكون كليّاً أو جزئياً إلى التوازن طبيعة و سُنّة ماضية من سُنن الله عز وجل في خلقه، و لكن الإخلال بهذا التوازن يأتي منا نحن البشر بسبب الطمع و الجشع و آلشّهوة و حبّ التسلط؛ (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ)(1)، فالأصل أنّ الأرض ليست فيها إشكال و لا فوضى, فكل شيئ فيها لها نظام عادل تحدد وجودها و حركتها, كما الديانات السّماوية التي نزلت بادئ الأمر حيث كانت صافية كماء الزلال لكن المتسلطين تلاعبوا بها فإختلط ذلك الماء الزلال بتراب و طين الأرض فغير لونها و طمعها و رائحتها!

كما أنّ أشكال الحياة في دوراتها وفي صعودها و هبوطها متزنة مع نفسها في نظام دقيق محكم, يقول تعالى: (وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ)(2)، و هكذا النبات و المجرات و الكون كلّه متوازن و يسير بنظام دقيق جداً لا يمكن أن يختل؛ إلا أنّ البشر خصوصاً ألمتسلطين و الحكام الطغاة هم من غيّروا النواميس و القوانين و تلاعبوا بمقدرات الأرض و صنعوا ما هو هادم للبشر و الوجود كآلقنابل النووية, بعد أن تلاعبوا بآلنصوص السماوية لأجل منافعهم و سلطانهم, فتخلخل الوضع و عمّت الفوضى في الأرض, و إنتشر الظلم و غابت العدالة بحيث لا يعرف الناس اليوم عنه شيئا للأسف.

إنّ العدل هو الصيغة البشريّة لسُنّة التوازن في الكون, و إذا أردنا أن نقيم التوازن بين أشكال التنوع في المجتمع بهدف تحقيق وحدة و استقرار و أمن هذا المجتمع، فلا بدّ لنا أن نقيم العدل, و هذه قضية ليست سياسية أو إقتصاديّة فقط؛ و إنما العدل ضرورة إنسانية – أخلاقيّة في كلّ صوره السياسيّة، و الاجتماعية، و الاقتصادية و الحقوقية، و التعليمية، و القانونية، بما فيها حقوق الأشخاص و الزوجة و الأبناء و الجيران و آلحيوان و النبات و الجماد و كلّ شيئ مخلوق في هذا الوجود.

و القسط ثمّ العدل الذي يلي القسط؛ مذكوران في عشرات المواقع من الكتاب العزيز، كقوله تعالى: ﴿شهد اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ)(3)، و قوله: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ)(4), و هو مقصدٌ رئيس و أصل أصيل في الشريعة, و قد أشار له تفصيلا الأمام علي(ع) في نهج البلاغة, حتى قال: [شرع الله عدل كل], و كل مسألة خرجت من العدل إلى الجور … ليست من الشريعة و إن أدخلت فيها بالتأويل و التلاعب و التزوير, و حيثما كان العدل فثم شرع الله.

و بناءاً على ذلك قالوا: [الحكم يدوم مع العدل و لو كان كافراً , و لا يدوم مع الظلم و لو كان مسلماً].
أو بتعبير آخر قيل: [إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة].

و العدل في الشهادة -مثلاً- واجب، سواء كانت الشهادة في صالح الغني أو الفقير أو شهادة المرء لنفسه أو والديه و الأقربين؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ۚ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا ۖ فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَنْ تَعْدِلُوا)(5)، حيث يأمرنا تعالى عن طريق رسوله الكريم بقوله: [قل الحقّ و لو على نفسك], ذلك لأنّ العدل أعلى من النفس و أعلى من الوالد، أي علاقة الوالد بالولد و أعلى، من علاقة الأقربين، و أعلى من مسائل الغنى و الفقر و القرابات و المصالح الخاصة, و العدل في الإسلام واجب حتى مع الأعداء (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ)(6) .

و ارتباط العدل بين الناس بالتوازن و مكانته في النظام الكونيّ نفهمه من قول الله تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَ الْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ)(7)، أيّ بالعدل، فالكتاب و الميزان بينهما و بين العدل دائما علاقة سببية, فإذا تحقق العدل تحقق الميزان و التوازن بين الناس على اختلافهم و تنوعهم.

بل إن دار الإسلام أو الدولة الأسلامية .. هي دار العدل!

كتب الشيخ (محمد رشيد رضا) رحمه الله يقول: [دار العدل هي دار الإسلام التي نصب فيها الإمام الحق، الذي يقيم ميزان العدل، تسمى بذلك إذا قوبلت بدار البغي و الجور، وهي ما كان الحكم فيها بتغلب قوة أهل العصبية من المسلمين و عدم مراعاة أحكام الإمامة الشرعية و شروطها](8).

فالعدل أساس الملك، لا يقوم إلا به, و أمن الناس و سعادتهم تستقيم فى الدنيا مع العدل الذى فيه الاشتراك فى أنواع الحقوق و الواجبات بآلتساوي بين الحاكم و المحكوم و كما كان الحال في دولة الأمام عليّ(ع), حيث كان الخادم و العبد و السيد و الرئيس و الخليفة يتمتعون جميعاً بحقوق و راتب متساوٍ بعكس ما هو موجود الآن في الحكومات القائمة في الأرض, حيث يتعدى راتب الرئيس مثلاً راتب الموظف أو المقاتل مئات المرات, فمثلا رئيس جمهورية العراق أو رئيس الوزراء يأخذ راتباً يعادل مائتي مرّة راتب الموظف أو الجندي العادي, و لذلك لا مستقبل لمثل هذه الدول و ستزول بحسب السنن الألهية, و لذلك قيل: [إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة و إن كانت مسلمة، و يقال الدنيا تدوم مع العدل و الكفر، و لا تدوم مع الظلم و الإسلام]. و قد قال النبى – صلى الله عليه و آله و سلم-: [ليس ذنب أسرع عقوبة من البغى و قطيعة الرحم], فالباغى يصرع فى الدنيا و إن كان مسلماً أو حتى مرجعاً أو حتى مرحوماً فى الآخرة، و ذلك أنّ العدل نظام و أساس كل شيء، فاذا أقيم أمر الدنيا بعدل قامت و إنتشر الخير و الأمن و السعادة، و إن لم يكن صاحبها ممن يدعي الأسلام و الدين و ما إلى ذلك، و متى لم تقم بعدل لم تقم و إن كان لصاحبها من الايمان و الألقاب و المظاهر ما يجزى به فى الآخرة](8).

ملامح عدالة النظام الحاكم:
لن نناقش مشروعية أقامة النظام الأسلاميّ في عصر الغيبة من عدمه, فقد بحثنا الموضوع تفصيلاً في مباحث سابقة, و توصّلنا إلى ضرورة بل وجوب أقامة حدود الأسلام من خلال نظام الحكم الأسلامي, فتطبيق أية نسبة من مجموع أحكام الأسلام يعتبر نصراُ و تقرب نسبي لله من عدمه, و قد برهنا ذلك عقلياً و شرعياًّ بدلالة النصوص و الآيات القرآنية و الأحكام العقلية المنطقية؛ إنما نريد في هذا المقال طرح بعض ملامح الدّولة العادلة التي تحمل إسم الأسلام أو “الديمقراطية” في زمن الغيبة, كون الأسلام قرين العدالة, آملين بذلك تنوير عقول المثقفين المهتمين بهذا الشأن الأهمّ في حياة الأنسان الهادف .. الحُرّ الباحث عن حقيقة الكرامة و العدالة و صولاً للسّعادة كغاية في آلدّارين.

من أهمّ و أوضح الملامح التي تُميّز الدّولة العادلة, هي مسألة ألتأمين الأجتماعيّ, من ناحية توفير الحدّ الأدنى من العيش الكريم على الأقل لعموم المواطنين المنظمين تحت راية الدولة التي تصف نفسها بالأسلامية أو الديمقراطية أو البرلمانية, كلقمة العيش و الضمان الصحي و التعليمي و الخدمي و الأمني و غيرها, و من أسوء ملامح الدولة الظالمة؛ هي مسألة البطالة و بآلتالي عدم توفر العيش الكريم الذي يضمن مستقبل الأطفال و الأبناء و عموم المواطنين, فآلبطالة تشكل أحد أبرز المؤشرات ألسّلبية الرئيسة الَّتِي تُعبّر عَنْ الظلم و الطبقية و اختلال التوازن العام فِي الاقتصاد الوطني و فقدان العدالة في الحكومة التي تملك زمام المال و الأقتصاد و الضرائب و المنابع الطبيعية؛ إذ أَنَّ فاعليّة آثار البطالة – كظاهرةٍ قائمة – تتعدّى حدود الاعتبارات الإقتصاديّة – ألمعيشية – بفعلِ امتداد تأثيراتها السّلبيّة إلى جوانبِ التوازن الأجتماعيّ و السياسيّ و الأخلاقيّ فِي المجتمع, كما أن نسبة البطالة تختلف من مجتمع لآخر في شدّتها و حجمها, لكنها باتت مسألة عامة تشمل جميع بلدان العالم بنسب متفاوتة؛ أي إن الظلم شمل جميع بلدان العالم بدرجات مخلتفة, أكثرها ظلما تلك التي فيها نسبة البطالة أكبر!

و البطالة حالةٌ يُوصفُ بها الشّخصُ الذي لا يجدُ عملاً رغم مُحاولته الدّائمة فِي البحث عَنْ عمل؛ كما ظهرت تعريفات أُخرى لمفهومِ البطالة، مِنْ بَينِها ما يشير إلى أنَّ البطالةَ ظاهرة اقتصادية تُعاني منها البلدان الَّتِي تمر بظروفٍ وأزمات اقتصادية عَلَى المدى القصير؛ كما هو حاصل فِي ظلِ الأزمات الاقتصادية الدورية الَّتِي تمر بها بعض الدول المُتقدِّمة، أو ما يحدث مِنها عَلَى المدى الطويل؛ كأشكالِ البطالة الظاهرة للعيانِ فِي كثيرٍ مِن الدولِ النامية، والَّتِي ترتبط بحالةِ الركود الاقتصادي وه َشاشة الدّور السياسيّ فِي تلك البلدان، مع العرض أَنَّ تَعريف البطالة الَّذِي خرج مِنْ أروقة منظمةِ العمل الدولية، ينحى صوب التأكيد عَلَى كونِها حالة الفرد – القادر و الراغب و الباحث – عَن العملِ دون جدوى العثور عَلَى الفرصةِ المُناسبة، و لا الأجر المطلوب, ليسَ خافياً أنَّ البطالةً تُعَدّ اليوم إحدى أكبر المشكلات الأساسية الَّتِي تواجه أغلب بلدان العالم – المتقدمة و الناميّة – عَلَى اختلافِ مستويات تقدمها و تباين أنظمتها الاقتصاديّة والاجتماعيّة و السياسية؛ بالنظرِ لخطورةِ آثارها الَّتِي تنعكس سلباً عَلَى الفردِ والمجتمع, و من هنا تقدمت (الدولة الأسلامية) على جميع أنظمة دول العالم, لكونها تحث الأمة على العبادة, بحسب النص القرآني الذي حدّد قيمة الأنسان بآلعمل المقرون بآلعبادة, حيث قال تعالى: [و ما خلقتُ ألجنّ و الأنس إلاّ ليعبدون](9).
و لكن للأسف ألشّديد ما زال مراجع الدّين ألتّقليديّون – ناهيك عن عامّة النّاس – لا يعرفون .. بل يُفسرون تلك الآية العظيمة المركزيّة خطأً بآلعباداتِ الفرديّة – ألشّخصيّة كآلصّوم و الصّلاة من خلال الرّسالة العمليّة, و لا حول و لا قوة إلا بآلله العلي العظيم.
عزيز الخزرجي
مفكّر كونيّ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الرّوم: 41.
(2) ق: ٧.
(3) آل عمران: ١٨.
(4) النحل: 90.
(5) النساء: ١٣٥.
(6) المائدة: ٨.
(7) الحديد: ٢٥.
(8) محمد رشيد رضا، الخلافة، الزهراء للإعلام العربي، مصر / القاهرة، ب ت (ج 1 ص 50).
(9) ألذّاريات: 56.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close