تأملات في القران الكريم ح358

تأملات في القران الكريم ح358
سورة الشورى الشريفة
بسم الله الرحمن الرحيم

وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ{27}
تستمر الآية الكريمة مبينة ( وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ ) , نمّاه ووسعه عليهم جميعا , ( لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ ) , تبطروا وفسدوا , ( وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ ) , يوسعه على بعض ويضيقه على البعض الاخر , وفقا الى ما تقتضيه حكمته جل وعلا , ( إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ) , مطلع عليهم ظاهرا وباطنا .
( الصادق عليه السلام لو فعل لفعلوا ولكن جعلهم محتاجين بعضهم إلى بعض واستعبدهم بذلك ولو جعلهم كلهم أغنياء لبغوا ) . “تفسير القمي” .
( في الحديث القدسي إن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى ولو أفقرته لأفسده وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر ولو أغنيته لأفسده وذلك أني ادبر عبادي لعلمي بقلوبهم ) . “تفسير الصافي ج4 للفيض الكاشاني” .

وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ{28}
تمضي الآية الكريمة قدما ( وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ ) , المطر الذي يغيثهم من الجدب والقحط والجفاف , ( مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا ) , من بعد ما يئسوا منه , ( وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ ) , بماء الغيث في وعلى كل شيء , ( وَهُوَ الْوَلِيُّ ) , الذي يتولى عباده بالإحسان والرحمة , ( الْحَمِيدُ ) , المستحق للحمد والثناء .

وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ{29}
تستمر الآية الكريمة ( وَمِنْ آيَاتِهِ ) , من دلائل وعجائب خلقه وقدرته جل وعلا , ( خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) , خلقا وتدبيرا , ( وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَابَّةٍ ) , وما فيهما من الدواب كالإنسان والحيوان وسائر المخلوقات , ( وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ ) , يوم القيامة , ( إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ ) , قدير على ذلك , لا يفوته شيء ولا يعجزه رغم كثرة المخلوقات الكاثرة .

وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ{30}
تضيف الآية الكريمة ( وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ ) , بلية او شدة , ( فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ) , فبسبب ذنوبكم ومعاصيكم , ( وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ) , ويعفو جل وعلا عن كثير من الذنوب فلا يعاقب عليها .
( عن الصادق عليه السلام في هذه الآية قال ليس من إلتواء عرق ولا نكبة حجر ولا عثرة قدم ولا خدش عود إلا بذنب ولما ما يعفو الله أكثر فمن عجل الله عقوبة ذنبه في الدنيا فإن الله أجل وأكرم واعظم من أن يعود في عقوبته في الآخرة ) . “تفسير الصافي ج4 للفيض الكاشاني” .

وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ{31}
تستمر الآية الكريمة ( وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ ) , فائتين هاربين منه جل وعلا , ( وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ ) , ليس لكم من دونه جل وعلا من متولي يتولى اموركم ويحرسكم , ( وَلَا نَصِيرٍ ) , وليس لكم من دونه ناصرا يدفع عنكم العذاب او يقيكم منه .

وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ{32}
تضيف الآية الكريمة ( وَمِنْ آيَاتِهِ ) , من دلائل وعجائب خلقه وقدرته جل وعلا , ( الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ ) , السفن الجارية في البحر , ( كَالْأَعْلَامِ ) , والتي كأنها الجبال .

إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ{33}
تضيف الآية الكريمة مبينة ( إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ ) , يوقفه , ( فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ ) , فيبقين ثابتات على ظهر البحر , ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ ) , جريان السفن في البحر وهبوب الرياح فيه علامات ودلائل , ( لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ) , ينتفع بها ومنها المؤمن , فأن الايمان نصفان , نصف صبر والنصف الاخر شكر .

أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ{34}
تستمر الآية الكريمة مضيفة ( أَوْ يُوبِقْهُنَّ ) , يغرقهن بالرياح العاصفة , ( بِمَا كَسَبُوا ) , بسبب ما اكتسبوا من الذنوب , ( وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ ) , بنجاتهم من الغرق .

وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍ{35}
تضيف الآية الكريمة ( وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا ) , سعيا لإبطالها ومحاولين ادحاض حجيتها , ( مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍ ) , فأنهم يعلمون جيدا ان لا مهرب لهم من العذاب ابدا .

فَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ{36}
تستمر الآية الكريمة مضيفة ( فَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ ) , من متاع الدنيا , ( فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) , تتمتعون به مدة حياتكم القصيرة فقط , ( وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى ) , اما ما عند الله تعالى فأفضل منه واكثر بقاء , ( لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ) , لكن ما عند الله تعالى مذخورا للذين آمنوا به وبرسله ويعتمدون عليه في كافة امورهم وشؤونهم .

وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ{37}
تضيف الآية الكريمة ( وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ ) , كبائر الذنوب والمعاصي , ( وَالْفَوَاحِشَ ) , كل ما فحش من قول او فعل , ( وَإِذَا مَا غَضِبُوا ) , اذا اعتراهم الغضب لأمر ما , ( هُمْ يَغْفِرُونَ ) , يتجاوزونه ولا يمضونه .
( عن الباقر عليه السلام قال من كظم غيظا وهو يقدر على إمضائه حشا الله قلبه أمنا وإيمانا يوم القيامة قال ومن ملك نفسه إذا رغب وإذا رهب وإذا غضب حرم الله جسده على النار ) . “تفسير القمي” .

وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ{38}
تستمر الآية الكريمة ( وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ ) , استجابوا لما امروا به من التوحيد والعبادة والطاعة , ( وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ ) , داوموا وحافظوا عليها , ( وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ) , ولم يتفرد كل منهم برأيه , بل استشاروا بعضهم البعض , ثم عملوا بالرأي الاكثر صوابا , ( وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ) , في وجوه الخير .

وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ{39}
تستمر الآية الكريمة ( وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ ) , اذا وقع عليهم الظلم , ( هُمْ يَنتَصِرُونَ ) , يواجهون الظالم ولا يرضخون له .

وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ{40}
تستمر الآية الكريمة مضيفة ( وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ) , عقاب السيئة سيئة مثلها , وسمي العقاب سيئة لأنه يسوء صاحبه , ( فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ ) , عن ظالمه واصلح الود بينهما , ( فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ) , اكتفى النص المبارك بنسبة الاجر الى الله تعالى ولم يذكر نوعه , ما يدل ويشير الى عظمته , ( إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ) , النص المبارك يدرج الظالمين في جملة من لا يحبهم الله تعالى .
( عن النبي صلى الله عليه وآله قال إذا كان يوم القيامة نادى مناد من كان أجره على الله فليدخل الجنة فيقال من ذا الذي أجره على الله فيقال العافون عن الناس يدخلون الجنة بغير حساب .
عن الصادق عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله عليكم بالعفو فان العفو لا يزيد العبد إلاّ عزّأ فتعافوا يعزكم الله ) . “تفسير الصافي ج4 للفيض الكاشاني” .

حيدر الحدراوي

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close