تأملات في القران الكريم ح359

تأملات في القران الكريم ح359
سورة الشورى الشريفة
بسم الله الرحمن الرحيم

وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ{41}
تبين الآية الكريمة ( وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ ) , من انتصر لنفسه بعد وقوع الظلم عليه , ( فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ ) , فانه لا يؤاخذ بالمعاتبة او المعاقبة .

إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ{42}
تضيف الآية الكريمة ( إِنَّمَا السَّبِيلُ ) , انما المؤاخذة تكون ( عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ ) , يطلبون منهم ما لا يستحقون , او يوقعون الضرر بهم او بأموالهم , ( وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ) , بركوب المعاصي ونشر الذنوب والضلالات , ( أُوْلَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ ) , أولئك يتوعدهم النص المبارك بالعذاب المؤلم على ظلمهم .

وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ{43}
تستمر الآية الكريمة ( وَلَمَن صَبَرَ ) , اما من صبر على تحمل الظلم لعدم تمكنه من نصرة نفسه , ( وَغَفَرَ ) , وعفا عن الظلم بعد تمكنه من الظالم , شريطة ان يكون الظالم ممن يستحق العفو , والا فأن ذلك لا يشمل جميع الظالمين , ( إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ) , أي ان الصبر والمغفرة عند القدرة لمن المطلوبات من كل مسلم وانها من عزائم الامور .

وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن وَلِيٍّ مِّن بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِّن سَبِيلٍ{44}
تستمر الآية الكريمة مبينة ( وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن وَلِيٍّ مِّن بَعْدِهِ ) , ليس له ناصر يتولاه بعد ان يخذله الله جل وعلا , ( وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ ) , عاينوه وعلموا انهم واردوه , ( يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِّن سَبِيلٍ ) , يقولون ذلك الحين “هل من طريق يعود بنا الى الدنيا” .

وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُّقِيمٍ{45}
تستمر الآية الكريمة في بيان والاخبار عن حال الكفار ذلك اليوم ( وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا ) , على النار , ( خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ ) , قد اخذ منهم الذل مأخذه , ( يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ ) , يرمقون النار بتحريك الاجفان بطريقة خاصة , كما ينظر المحكوم بالإعدام الى منفذ الحكم , ( وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) , ان الخسارة الحقيقة هي ان تخسر نفسك واهلك في العذاب الخالد , الذي لا خروج ولا انقطاع له , ( أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُّقِيمٍ ) , دائم , لا تخفيف له ولا انقطاع .

وَمَا كَانَ لَهُم مِّنْ أَوْلِيَاء يَنصُرُونَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن سَبِيلٍ{46}
تضيف الآية الكريمة مبينة ( وَمَا كَانَ لَهُم مِّنْ أَوْلِيَاء يَنصُرُونَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ ) , يدفعون عنهم العذاب او حتى يخففونه , ( وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن سَبِيلٍ ) , يقرر النص المبارك ان من اضله الله تعالى ولم يوفقه الى طريق الحق والاستقامة في الدنيا والى طريق النجاة في الاخرة , فماله من وسيلة اخرى او طريق اخر يمكن ان يوصله الى الهدى والنجاة المطلوبة .

اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُم مِّن مَّلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُم مِّن نَّكِيرٍ{47}
الآية الكريمة تخاطب الناس عامة ( اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُم ) , بالتوحيد والعبادة والطاعة , ( مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ ) , في هذا اليوم عدة آراء نذكر منها :
1- يوم القيامة .
2- يوم قبض الروح .
3- ما أشارت اليه الاية الكريمة {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ الْمَلآئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً قُلِ انتَظِرُواْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ }الأنعام158 , وهو يوم قبل يوم القيامة .
كل ذاك لا يمكن رده , فيكون الاوان قد فات , ( مَا لَكُم مِّن مَّلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ ) , ذلك الحين لا ملجأ لكم , ( وَمَا لَكُم مِّن نَّكِيرٍ ) , ولا يمكنكم انكار ذنوبكم , لأنها مدونة في صحائف اعمالكم .

فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنسَانَ كَفُورٌ{48}
تستمر الآية الكريمة مبينة ( فَإِنْ أَعْرَضُوا ) , عن الاجابة او عنك يا محمد “ص واله” , ( فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً ) , فما انت عليهم برقيب , او حفيظا لأعمالهم , ( إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ ) , فأن واجبك ووظيفتك الابلاغ , وها قد بلغت , ( وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا ) , يفرح الانسان بفطرته بكل ما يصيبه من الصحة والغنى وسعة الحال , ( وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ ) , شدة او بلية , ( بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ) , يبين النص المبارك مؤكدا على ان البلايا والشدائد تصيب الانسان بسبب تصرفاته وسوء سلوكه , فلاحظ ان النص المبارك السابق نسب الرحمة الى الله تعالى , بينما النص المبارك نسب البلية الى الانسان نفسه , فالله تعالى مصدر كل خير , والانسان هو الذي يجلب البلايا لنفسه اما جهلا او عمدا , ( فَإِنَّ الْإِنسَانَ كَفُورٌ ) , كثير الكفر للنعمة , غير شاكرا لها , هذه هي سمة يتسم بها الانسان .

لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ{49}
تستمر الآية الكريمة مضيفة ( لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) , ملكا وخلقا وتدبيرا , بحكمته يقسم النعم والبلايا , ( يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ) , من الخلق , فلا يخلق شيئا عبثا حاشاه , بل كل مخلوق يخلق بحكمته جل وعلا , ( يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً ) , اناثا ليس معهن ذكر , ( وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ ) , ويهب لمن يشاء ذكورا ليس معهم انثى .

أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ{50}
تستمر الآية الكريمة مضيفة ( أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً ) , او يجعلهم ذكورا واناثا , ( وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيماً ) , فلا يولد له ولد , ( إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ) , انه جل وعلا عليم بخلقه قادر على ما يشاء .

وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ{51}
تستمر الآية الكريمة مضيفة ( وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً ) , كأن يرسل له ملكا يكلمه عيانا , او الهاما قلبيا او حتى في المنام , ( أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ ) , بان يسمع الصوت دونما مشاهدة , كما هي الحال مع موسى “ع” , ( أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ ) , فيسمع من الرسول , ( إِنَّهُ عَلِيٌّ ) , عن صفات المخلوقين , ( حَكِيمٌ ) , في صنعه وتدبيره .

وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ{52}
تستمر الآية الكريمة ( وَكَذَلِكَ ) , كما اوحينا الى غيرك من الرسل , ( أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ) , اليك يا محمد “ص واله” , ( رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا ) , يختلف المفسرون في ذلك الروح , فمنهم من يرى انه :
1- جبرائيل “ع” .
2- ( روحا ) هو القرآن به تحيا القلوب . “تفسير الجلالين للسيوطي” .
3- عن الصادق عليه السلام قال خلق من خلق الله عز وجل أعظم من جبرئيل وميكائيل كان مع رسول الله صلى الله عليه وآله يخبره ويسدده وهو مع الأئمة عليهم السلام من بعده وفي رواية منذ أنزل الله ذلك الروح على محمد صلى الله عليه وآله ما صعد إلى السماء وإنه لفينا . “تفسير الصافي ج4 للفيض الكاشاني” .
( مَا كُنتَ تَدْرِي ) , ما كنت تعرف قبل الوحي , ( مَا الْكِتَابُ ) , القران او الكتب السماوية السابقة “أي مضامينها او مطلعا عليها” , ( وَلَا الْإِيمَانُ ) , معاملاته وعباداته وشرائعه , ( وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً ) , العلم او الروح او الكتاب , ( نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا ) , يهتدي به من شاء الله هدايته وتوفيقه اليه , ( وَإِنَّكَ ) , يا محمد “ص واله” , ( لَتَهْدِي ) , بذلك النور , ( إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ) , الى طريق مستقيم , لا اعوجاج فيه ولا انحراف وهو الاسلام .
( عن الصادق عليه السلام إنه سئل عن العلم أهو شيء يتعلمه العالم من أفواه الرجال أم في الكتاب عندكم تقرؤونه فتعلمون منه قال الأمر أعظم من ذلك وأوجب أما سمعت قول الله عز وجل وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الايمان ثم قال أي شيء يقول أصحابكم في هذه الآية أيقرءون أنه كان في حال لا يدري ما الكتاب ولا الأيمان فقلت لا أدري جعلت فداك ما يقولون فقال بلى قد كان في حال لا يدري ما الكتاب ولا الأيمان حتى بعث الله عز وجل الروح التي ذكر في الكتاب فلما أوحاها إليه علم بها العلم والفهم وهي الروح التي يعطيها الله عز وجل من شاء فإذا أعطاها عبدا علمه الفهم ) . “تفسير الصافي ج4 للفيض الكاشاني” .

صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأمُورُ{53}
تستكمل الآية الكريمة الموضوع ( صِرَاطِ اللَّهِ ) , ذلك الصراط المستقيم هو طريق الله عز وجل , فمن اراد الوصول الى الله تعالى فعليه به , ( الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ) , الله جل وعلا الذي له ملك كل شيء , ( أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأمُورُ ) , مرجع الجميع الى الله تعالى , وفي النص المبارك بشارة للمؤمنين بالثواب الجزيل في ذلك المصير , وفيه ايضا تهديد ووعيد للكفار بالعقاب والعذاب الاليم الذي ينتظرهم فيه .
( عن الباقر عليه السلام قال وقع مصحف في البحر فوجدوه وقد ذهب ما فيه إلا هذه الآية ألا إلى الله تصير الامور ) . “تفسير الصافي ج4 للفيض الكاشاني” .

حيدر الحدراوي

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close