باحث يرصد التحول بالموقف الفرنسي إزاء العراق ويحث بغداد على لملمة جراح إقليم كردستان

رصد خبير في الانثربولوجيا السياسية تغير بعض المفردات التي استخدمها بيان الايليزيه حول المكالمة الهاتفية الأخيرة بين الرئيس الفرنسي ماكرون ورئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي. وفيما أكد أن الدعم الدولي الذي تلقاه العبادي منذ سنوات بوصفه ايضا « مهندسا » براغماتيا لفض النزاعات، لا يتماشى مع رغبته الجديدة بالظهور كقائد يجيد حل الخلافات الداخلية بالقوة، ما قد يقلص من فرص دعمه. أشار الى فشل رئيس اقليم كردستان مسعود بارزاني في الظهور بمظهر قائد سياسي لمرحلة البناء المعقدة، في خطابه الأخير الذي اتهم فيه خصومه « بالخيانة »، منبها الى أنه ليس من مصلحة الولايات المتحدة ابقاء التوتر بين بغداد واربيل، الأمر الذي حفزها على رعاية المفاوضات الاخيرة بين القوات العراقية والبيشمركة للبدء بحل النزاع دون ان تقلل من دور ومكانة المركز مع الرغبة في الابقاء على الاقليم كنعصر سياسي وامني فاعل، وأن على بغداد أن تكون أكثر حكمة بمساعدة كردستان العراق لأن ادامة النزاع داخله لن يكون بصالحها.

وقال الدكتور هشام داود الباحث في الانثربولوجيا السياسية بالمركز الوطني الفرنسي للبحوث العلمية في باريس خلال حديث لـ”العالم الجديد” اليوم الثلاثاء، إن “بيان الايليزية الصادر يوم السبت الماضي، بشأن مكالمة الرئيس ايمانويل ماكرون لرئيس الوزراء حيدر العبادي يختلف عن التقديم العراقي، وربما صدور البيان الفرنسي بعد يوم من التصريح العراقي له علاقة برغبة باريس إظهار تفسيرها الخاص للمكالمة وليس الاكتفاء بالتصريح الرسمي العراقي”.

وكان الرئيس الفرنسي قد طلب، بحسب البيان، عمل كل ما هو ممكن لدرء القتال بين العراقيين، وذلك في إطار الوحدة العراقية والدستور، وأن يبدأ الحوار بين بغداد وأربيل فورا مع الأخذ بعين الاعتبار حقوق الكورد والاقليات.

وهنأ الرئيس الفرنسي تشكل لجنة بين القوات الكردية والقوات الفيدرالية العراقية، ومهمتها التفاوض بشأن اعادة انتشار القوات المشتركة في المناطق المتنازع عليها.

ونوه بيان الاليزيه، الى أن رئيس وزراء العراق قد شدد على أهمية الحفاظ على الوحدة الوطنية وإيجاد حل متضافر مع الكرد، مختتما بالقول ان الرئيس الفرنسي ورئيس وزراء العراق يذكران بأهمية استمرار القتال الدائر على الاراضي العراقية من اجل طرد داعش من كافة الاراضي العراقية بمساعدة التحالف الدولي التي تعلب فيها فرنسا بكامل دورها.

ويعلق داود على البيان بالقول، إن “الاتصال كان منصبا على الوضع في اقليم كردستان والاشتباكات الدائرة هنا وهناك بين القوات الاتحادية والبيشمركة، وقد جاءت المكالمة الهاتفية عقب بيان مجلس الامن الاخير الذي يدعو القوات الاتحادية الى قبول عرض التفاوض دون شروط مع احترام الدستور ووحدة التراب العراقي”.

ويشير الباحث العراقي المعروف الى أن “النقطة الثانية والأساسية التي تجدر الاشارة اليها ان الكلمات المستخدمة في البيان قد تغيرت بعض الشيء، فبدلا من التفهم، او الاصغاء للطرف العراقي، نرى ظهور مفردات كـ(الطلب من بغداد)، أو (التأكيد على ضرورة الحوار)، وأيضا جملة (انتشار قوات مشتركة للجيش الاتحادي والبيشمركة في المناطق المتنازع عليها)”، مشيرا الى أن “هناك نقطة ثالثة باتت تتكرر كاللازمة عند الفرنسيين وبعض الاوربيين وهي : « الحوار مع احترام الدستور ووحدة الاراضي العراقية، مع التأكيد ايضا على احترام حقوق الكورد والاقليات ».

ويرى أن “العالم ما زال متضامنا مع العراق في حربه ضد داعش، والحفاظ على وحدة أراضيه، والامتثال للدستور، ولكن ذات العالم يرى بشيء من القلق أن المكاسب التي حصلت عليها بغداد تمت أيضا بتوافق وتدخل اقليمي مقلق، صاحبه تقدم قوات غير نظامية (فصائل الحشد الشعبي)، في ظل شيوع التدخل الايراني. بكلمة اخرى فأن العالم يفهم بأن هناك استحقاقات عراقية طبيعية، وحضورا عسكريا دوليا مهما، ولولاه لما حصلت كل هذه المكاسب وإعادة بناء القوات المسلحة العراقية وقوات النخبة في وقت قياسي. هذا يعني أن للعالم ايضا شروط وعلى العراق الاتحادي احترامها”.

ويؤكد أن “الرأسمال الرمزي للسيد العبادي، هو ظهوره كمهندس حل نزاعات، ولكن تحوله فجأة وبرمشة عين الى قائد عسكري لا يقبل إلا بالحسم الميداني قد يؤثر على صورته لدى الدول الداعمة”، لافتا الى أن “أمد الحوار والتوافقات كلما طال، فان ذلك سيؤثر على رصيده، وبالتالي سيبقى حبيس ساحة راديكالية ولعبة صقور لا يجيدها لأنها ليست بساحته”.

وبشأن مستقبل الأزمة المشتعلة على خلفية استفتاء الاقليم وتداعياته، يلفت الخبير العراقي المقيم في باريس، بالقول بأنه ربما “سيظهر شيء من التقارب بين بغداد واربيل بشأن ادارة مشتركة للمعابر الحدودية والمطارات، ايضا الرجوع للتنسيق في مناطق المادة 140 مع الغلبة هذه المرة للقرار الاتحادي، كل ذلك قد يتم برعاية امريكية وابعاد للحشد من مناطق التماس مع البيشمركة في منطقة بهدينان. الامريكان بكل بساطة لن يسمحوا بتدهور الوضع أكثر، لأنهم الخاسر الدولي الاكبر في هذا الصراع، فالشيخ قيس الخزعلي اليوم يهدد أربيل مباشرة، وهناك من يرى ذلك في واشنطن بأنه جواب ايراني على تهديدات ترمب لطهران”.

ويبين أن “هناك ضغطا اميركيا ودوليا بهذا الاتجاه، ولو وافق عليها العبادي، فانه سيتهم من قبل المالكي وبعض اطراف الحشد بالتخاذل، ولو يرفض سيتهم من قبل الامريكان والغرب بأنه بات رهينة بيد ايران”.

وبخصوص الخطاب الأخير لرئيس اقليم كردستان العراق مسعود بارزاني يوضح الباحث في المركز الوطني الفرنسي للبحوث العلمية أنه “لم يكن للاسف موفقا، ولا بمستوى اللحظة التاريخية التي يمر الشعب الكردي، فقد اتهم خصومه « بالخيانة » والتواطؤ مع «العدو» دون ان يتوقف عند مسؤوليته كرئيس للاقليم، وما آلت اليه الاوضاع من احتقان”، مشيرا الى أن “انقسام البيت الكردي ليس جديدا، ولكن الاصرار على الاستفتاء زاد من تشظيه وانعزاله، بل حتى احباطه، وكان عليه ان يكون اكثر مسؤولية لحظة تخليه عن رئاسة الاقليم. الا أنه أعطى مفتاح تحليل أقواله في الآخر، حين قال: كنت وما زلت وسابقى بيشمركة (مقاتل).. فهو، رغم تجربته الطويلة، الا أنه لم يتحول الى قائد وسياسي مطلوب لمرحلة البناء، فالسياسة بقيت لديه امتدادا لشرعية السلاح، في حين يحتاج الاقليم لرؤية براغماتية وانفتاح عقلاني وتفهم للتوازن القلق في المنطقة والعالم”.

ويردف داود “لم يكن السيد مسعود بارزاني محقا عندما نوه بأنه كان يجهل بالاتفاق بين بعض قيادات الاتحاد الوطني وجنرالات من الحرس الثوري، ومع الجيش العراقي أيضا، لقد انسحبت قوات البارتي (قوات بارزاني) من شمال غرب كركوك ومن مواقع في سهل نينوى تقريبا في نفس اللحظة التي انسحبت فيها قوات الاتحاد الوطني الكردستاني من مواقع في كركوك”.

ويختتم الباحث الانثروبولوجي رأيه بالقول إن “المهم الآن ان لا ينزلق الموقف في كردستان الى صراع مسلح داخلي او قتال بينها وبين القوات الاتحادية، وعلى بغداد ان تظهر الحكمة في مساعدة الاقليم على لملمة بيته والخروج بقرار كردستاني يتناغم مع الدستور والممارسة السياسية العصرية، وان تبدأ الدولة الاتحادية برفع القرارات العقابية التي تلحق اشد الضرر بالشرائح الشعبية”، منبها الى أن “محنة كردستان العراق ليست محصورة بالاقليم، بل هي محنة عراقية بامتياز، فلا وجود لدولة فيدرالية ناجحة في العالم دون الاحتكام للقانون والدستور، وشيء من الديمقراطية. وهذه من مسؤولية بغداد قبل الاقليم”.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close