هل يجب طاعة الحاكم.. ومتى؟

إن استقرار الحكم في أي بلد من بلدان العالم.. لا يتحقق إلا بأن يكون الحاكم والمحكومون.. يشكلون أسرة واحدة.. يتعاونون فيما بينهم.. ويتآلفون.. ويحبون بعضهم البعض.. وبالتالي تحصل الطاعة للحاكم.. فيما يأمر وينهى..

هذه الصورة الوردية الحالمة.. غير موجودة في عالم الواقع إلا نادرا.. وفي أماكن قليلة من العالم..

حينما يكون الحاكم على مستوى عالٍ من الخلق الكريم.. وعلى مستوى رفيع من الشعور بالمسؤولية تجاه المحكومين..

وحينما المحكومون اختاروه من بينهم أنفسهم – بأي طريقة من الطرق – برضاهم.. وبدون أن يُفرض عليهم من الخارج..

وبالمقابل هناك حكام ظلمة فجرة .. يجبرون المحكومين على طاعتهم.. إما بالسياط.. أو بفتح سوق الشهوات فيتراءى للمغفلين أنه استقرار .. ولكنه في الحقيقة استبداد وسلاطة…

هذه الصورة الجميلة.. الرائعة للحاكم الأول.. تحققت في المجتمع الإسلامي الأول.. في عهد الخلفاء الراشدين..

ثم مرات عديدة في العهود التي تلتها – وإن تحول الحكم إلى وراثي أو ملكي عاض – حتى سقوط الخلافة الإسلامية في 1924 .

ثم أصبح الحكم في البلاد العربية والإسلامية جبريا.. حسب نبوءة الرسول صلى الله عليه وسلم.. الذي لا ينطق عن الهوى.. إن هو إلا وحي يُوحى ..

عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ : كُنَّا قُعُودًا فِي الْمَسْجِدِ ، وَكَانَ بَشِيرُ رَجُلًا يَكُفُّ حَدِيثَهُ ، فَجَاءَ أَبُو ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيُّ فَقَالَ : يَا بَشِيرُ بْنَ سَعْدٍ أَتَحْفَظُ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي الْأُمَرَاءِ ؟ فَقَالَ حُذَيْفَةُ : أَنَا أَحْفَظُ خُطْبَتَهُ فَجَلَسَ أَبُو ثَعْلَبَةَ فَقَالَ حُذَيْفَةُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – : ” تَكُونُ النُّبُوَّةُ فِيكُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا ، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ ، فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ [ اللَّهُ ] أَنْ يَرْفَعَهَا ، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا عَاضًّا فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا [ ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا جَبْرِيَّةً ، فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا ] ، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُبُوَّةٍ ” . ثُمَّ سَكَتَ .

الراوي: النعمان بن بشير

المحدث: الألباني

حكم المحدث: حسن

ولكن الذي يهمنا نحن المسلمين هو: ما يمليه علينا المنهج الرباني .. وما يشترطه علينا من شروط ..

فنحن ملزمون عقديا.. بالخضوع.. والإنصياع للتعليمات الربانية.. وتنفيذها تنفيذا مطلقا.. وكاملا دون تغيير أو تبديل..

لأنها الوحيدة الضامنة لنا.. تحقيق الصورة الوردية.. الجميلة للإستقرار المذكورة آنفا.. في أبهى صورها..

وهذه قضية إيمانية.. لا خيار للمسلم فيها إذا أراد أن يكون مسلما..

( وَمَا كَانَ لِمُؤۡمِنٖ وَلَا مُؤۡمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَمۡرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلۡخِيَرَةُ مِنۡ أَمۡرِهِمۡۗ وَمَن يَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلٗا مُّبِينٗا ) الأحزاب 36

وهي ليست قضية جبرية أو استبدادية – كما يتصور ضعاف الإيمان أو الذين في قلوبهم مرض – ..

وإنما القضية بكل بساطة هي :

أن الذي خلق.. هو أدرى.. وأخبر.. وأعلم بسر المخلوقات ..

ولله المثل الأعلى..

مثل صانع السيارات.. فهو أعلم بسر السيارة. .

إذن المنهج الرباني هو الأصلح قطعيا للبشرية.. لأنه هو الوحيد.. بل الأوحد الذي يلبي رغبات.. وتطلعات البشرية وأمانيها.. وأمنياتها.. وأحلامها..

لأنه:

هو الذي يعرف ماذا تريد هذه البشرية من حاجات .. وماذا يضرها.. وماذا ينفعها..

( قُلۡ أَنزَلَهُ ٱلَّذِي يَعۡلَمُ ٱلسِّرَّ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ إِنَّهُۥ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ) الفرقان 6

( وَإِن تَجۡهَرۡ بِٱلۡقَوۡلِ فَإِنَّهُۥ يَعۡلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخۡفَى ) طه 7

( وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ وَنَعۡلَمُ مَا تُوَسۡوِسُ بِهِۦ نَفۡسُهُۥۖ وَنَحۡنُ أَقۡرَبُ إِلَيۡهِ مِنۡ حَبۡلِ ٱلۡوَرِيدِ ) ق 16

طالما أن الله تعالى.. يعلم ما توسوس به نفس الإنسان .. ويعلم الأسرار .. بل ويعلم ما أخفى من الأسرار..

أليس هذا أكبر دليل قطعي.. بأن شرع الله هو الأنسب.. والأصلح.. والأفضل للبشرية؟…

لأنه:

لا يمكن عقليا.. ومنطقيا أن يأمر الله.. إلا بشيء ينفع الناس.. ولا ينهاهم عن شيء.. إلا وفيه مضرة لهم.

ولهذا…

ينبغي لأي شخص.. يزعم أنه مسلم..
ويريد أن يطيع أي حاكم على وجه البسيطة. .
عليه:
أن يتقيد. . وينضبط. . بقول المعصوم محمد صلى الله عليه وسلم. .

أولا :
( كنا قُعودًا عندَ بابِ النبيِّ فخرج علينا رسولُ اللهِ فقال اسمعوا فقلنا : قد سمِعْنَا ثُمَّ قال : اسمعُوا فقلنا : قد سمعْنا مرَّتَيْنِ وثلاثًا فقالَ إِنَّه سيكونُ بعدِي أمراءُ فلا تُصَدِّقُوهم بكَذِبِهم ولا تُعِينوهم على ظلمِهم فإِنَّهم مَنْ صدَّقَهم بكذبِهم وأعانَهم على ظلمِهم لم يَرِدْ عَلَىَّ الحوض ).
الراوي:خباب بن الأرت..

المحدث:الألباني المصدر:تخريج كتاب السنة الجزء أو الصفحة:757
حكم المحدث:صحيح.

ثانيا :

( لا طاعةَ لمخلوقٍ في معصيةِ الخالقِ ).
الراوي:- المحدث:ابن القيم المصدر:أعلام الموقعين الجزء أو الصفحة:1/58
حكم المحدث:صحيح..

ثالثا:
( السمعُ والطاعةُ على المرءِ المسلمِ فيما أحبَّ وكرهَ ، ما لم يُؤمَرُ بمعصيةٍ ، فإذا أُمِرَ بمعصيةٍ فلا سمع ولا طاعةَ ).

وَاَلَّذِي فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ بِلَفْظِ : { وَلَوْ اُسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ ، مَا أَقَامَ فِيكُمْ كِتَابَ اللَّهِ {.
الراوي:عبدالله بن عمر المحدث:البخاري المصدر:صحيح البخاري الجزء أو الصفحة:7144
حكم المحدث:[صحيح].

هذه أثلاثة أحاديث تقيد.. وتضبط حركة المسلم في طاعته للحاكم. .
ويمكن اختصارها بجملة واحدة. .

يجب على المسلم طاعة الحاكم .. طالما أقام كتاب الله. . وأمر بطاعة الله. .
فإن لم يُقِم كتاب الله .. وأمر بمعصية الله..
فلا طاعة له. .
بل:
ويجب الخروج عليه. .

فإن اتبع المسلم هذا المنهج النبوي..
فهو مسلم حقا. .

أما إن أطاع الحاكم . . وسبح بحمده. . ومجده بشكل مطلق. . وعلى العمى. . سواء أقام كتاب الله.. أو لم يقمه… أو أمر بطاعة الله تارة.. وبمعصيته أخرى. .
أو :
والى الكافرين. . وأيدههم في قتل المسلمين. . وتعاون معهم.. وقواهم بعقد الصفقات التجارية معهم.. وهم يقتلون المسلمين..
أو :
أنفق الأموال لمحاربة الإسلام. . والصد عن دعوة الله.. والطعن في الجماعات والحركات الإسلامية. . والتعاون مع الكفار. . للقضاء عليها. . ووصمها بوصمة الإرهاب.. اقتداء بالكفار. .

أو تآمر مع أعداء الله ضد المسلمين..

فلا شك ولا ريب أنه .. أنه من الجاهلين. . وإن زعم أنه مسلم!!

فهذا الصنف من الناس .. يجب تحذيره وتنبيهه لخطورة ما يقوم به.. من طاعة لحاكم فاسق.. فاجر.. مستبد..

وإن لم يرعوِ..

نكل أمره إلى الله..
إن شاء عذبه. .
أو إن شاء غفر له. .
فهو الغفور الرحيم. .

الأربعاء 26 صفر 1439

15 تشرين ثاني 2017

موفق السباعي

مفكر ومحلل سياسي

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close