المسألة ليست مسألة زواج قاصرات فقط إنما تكريس للطائفية

المسألة ليست مسألة زواج قاصرات فقط إنما تكريس للطائفية

نحن على بينة من أمر ، ممن دحرجتهم عواصف و موجات عاتية وصاخبة من طوفان الطائفية الجارف الحالي في العراق ، قد باتوا لا يرون في مشاكل العراق إلا ، أو من خلال عمليات تقسيم طائفية ، كحل وحيد لهذه المشاكل القائمة ، بحيث أصبحوا لا ينظرون إلى العراق إلا عبر هذا المنظور الطائفي أو القومي الضيق و المشوّش ، وهم ينتظرون بنفاد صبر و حرقة أعصاب زوال الدولة العراقية و إقامة كيّانات ” جنة ورفاهية ” طائفية ومذهبية تحت حكم أمراء الطائفية ” من أسر ” مقدسة ” و إقطاع ، و رجال دين لا تختلف أفكارهم التكفيرية ــ من حيث الجوهر و الأصل ومصدر السلف ـــ عن الفكر الوهابي والدواعش المارقين على صعيد الثوابت والأساسيات الجوهرية …
لذا فهم ينظرون إلى قانون الأحوال الشخصية ” الجعفرية ” و كأنه عبارة عن زواج القاصرات فقط ، فيبررونه ، مثلما يحلو لبعضهم و يطيب !! ، عبر تلفيق واختلاق معلومات زائفة و تهريج هذياني لا ربط له ولا قرط ، أو ــ في أفضل أحوال ــ من تصور ناقص لحقيقة و جوهر المسألة من قبل بعض آخر ، طبعا ، بدون أي وازع ضمير من عملية تزويج طفلة بعمر تسع سنوات ، فيعتبرونها عادية ، إذ عندهم قيم المذهب والدين فوق القيم الإنسانية بل و أعلى مرتبة منها !! ، دون أن يدركوا بأن هذا القانون ليس فقط يبيح و يشرّعن عملية اغتصاب الأطفال ، إنما يكرّس أصلا ــ و على أسس تشريعات وقوانين ذات طابع مذهبي بحت أمور الزواج و تكوين الأسرة و عموم أوضاع و أحوال المرأة المحتقرة أصلا عندهم و دوما ، وهو الأمر الذي سيؤدي ـــ تلقائيا ــ إلى تكريس قيم الطائفية والمذهبية بين مكوّنات المجتمع العراقي ، تقسيما حادا وعاصفا مزلازلا ، ربما بهدف تطبيع فكرة التقسيم للعراق ، على شكل كانتونات طائفية وقومية منفصلة عن بعضها بعضا ، وتحت أجواء من عداء متبادل وربما بمواجهات و تصادم دائمين بين بعض المكونات و الأقليات .
حيث فات هؤلاء ، أو ربما لم يفطنوا إلى ذلك أو لا يعلمون بوجوده ، نقصد تعارض قانون الأحوال الشخصية الجديد مع بعض مواثيق الأمم المتحدة المتضمنة حماية حقوق الطفولة و كذلك على صعيد رفض التمييز العنصري بما يخص معاملة النساء أو بما سوف يتعرضن له من عمليات تمييز و حيف و ظلم لا لشيء فقط لكونهن نساء فحسب .وهو الأمر الذي لا يمكن تبريره أو تمريره في عصرنا المتقدم الراهن ، حيث أضحت حقوق الإنسان ــ بما فيها حقوق الطفولة والنساء ــ في الواجهة الأمامية لكثير من أمم وشعوب متحضرة و متمدنة .
كما ينبغي على هؤلاء أن يدركوا أخيرا :
ـــ بأن أحزاب الإسلام السياسي ” الشيعية ” ليست في صدد تقسيم العراق على أسس طائفية ـــ مثلما يتمنى و ينتظر هؤلاء الكّتاب الإسلاميون وهم في غمرة كرهم الشديد للعراق ! ـــ و ذلك لأسباب وعوامل محلية و إقليمية و عالمية ، ناهيك عن الموقف الإيراني الرافض أصلا و لاعتبارات تخص النظام الإيراني قبل العراق لفكرة تقسيم العراق و ذلك خوفا من انعكاس ذلك على إيران نفسها ، من ناحية أن تكون مهددة هي الأخرى بالتقسيم .
و كل هذا سيعني بأن نظام المحاصصة الطائفية سيبقى ــ مثلما عليه اليوم ــ بالتزامن مع بقاء مظاهر فساد وتخلف و فقر و عوز ، وأن كان ذلك سوف لن يؤثر على بعض من هؤلاء الكّتاب المدافعين عن القانون ” الجعفري” لكونهم يعيشون في ” بلدان الكفار و الصليبين” .بمستوى من رفاهية نسبية مريحة ، طبعا ، مع اطمئنانهم المطلق من عدم وجود أي تهديد بخصوص تزويج بناتهم القاصرات لكهول طاعنين بالسن و ذلك لكون قوانين بلدان اللجوء الأوروبية تحظر هذا النوع من الاغتصاب المشرعن إسلاميا بحق القاصرات وتعاقب من يقوم بذلك سواء عن طريق زواج أو إغواء أم عملية اعتداء جنسي مباشر ..
بالمناسبة فأن قوانين الاتحاد الأوروبي تعاقب من يمارس الجنس مع قاصرات حتى ـــ ولو برضا وموافقة بعضهن ، على اعتبار كونهم قاصرات ولا يملكّن نسبة كافية من نضج عقلي لإدراك مغبة أفعالهن ــ و لهذا فعندما تتخذ السلطات الجنائية علما بذلك فأنها تقوم ــ تلقائيا ــ بتحريك قضية جنائية ضد الفاعل ومعاقبته قضائيا مهما كانت أعذاره وتبريراته .

مهدي قاسم

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close