الإخوان.. حصان طروادة القطري

عاصف الخالدي
الأحد 12 نوفمبر 2017
تساؤلات عديدة أثارها “الربيع العربي” حول سرّ العلاقة التي تربط دولة قطر بجماعة الإخوان المسلمين سواء في العالم العربي أم خارجه، وما تقدمه من دعم لهم، بتجييش خطابها الإعلامي- المرئي والإلكتروني- المنحاز إلى هذا التنظيم الذي أثبتت الوقائع وقوفه وراء أحداث عنف في تونس ومصر ودول عربية أخرى أثناء صراعه على الحكم، أو حتى بعد وصوله إليه خلال العقد الأخير.

قطر التي توفّر لـ”الجماعة” مساحة كبيرة في إدارة منابرها الإعلامية، خاصة شبكة “الجزيرة”، ترتبط ارتباطاً تاريخياً وعضويّاً بالتّنظيم المتهم بتوظفيه للتدخل في شؤون الدول العربية؛ إذ يصفه الكاتب المصري عباس طرابيلي في مقالة له نشرت في صحيفة “المصري اليوم”، بتاريخ 17 تموز (يوليو) عام 2017، بأنّه “حصان طروادة الذي باتت قطر تستثمره اليوم في فرض أجندتها الخاصة”.

يرجع تاريخ هذه العلاقة إلى خمسينيات القرن الماضي؛ حيث يشير أستاذ العلوم السياسية الكويتي عبد الله النفيسي في مقال بحثي نُشر على موقع “إسلام أونلاين” عام 2007، إلى أنّ صراع الناصريين مع الإخوان في مصر خلال الخمسينيات، أدى إلى هروب بعض قياداتهم منها، فوجد هؤلاء ملاذًا في قطر البعيدة عن مراكز صراع القوى القومية والإسلامية وإيديولوجيّاتها آنذاك.

القيادات الإخوانية تتغلغل في قطر
يعد المصري عبد البديع صقر، من أوائل قادة الإخوان الذي قدموا إلى قطر هاربًا من السودان العام 1954، حاملاً معه خبرات دعوية وتعليمية اكتسبها من نشاطه مع الجماعة؛ ليعمل صقر في دائرة المعارف القطرية، ثم ترقّى إلى أن صار مستشاراً ثقافيّاً لحاكم قطر في ذلك الحين، الشيخ أحمد بن علي (1960-1977)، رغم أنّ شهادة الثانوية العام 1935 كانت الدرجة العلمية الوحيدة التي حملها صقر.
أما يوسف القرضاوي؛ الحاصل على إجازة في اللغة العربية من الأزهر، وأحد أبرز منظّري الإخوان الهاربين من مصر تحت طائلة التحريض على العنف، فقد استقر في قطر منذ العام 1961؛ حيث حصل على الجنسية القطرية في السبعينيات، ثم أسّس العام 1977 كلية الشريعة الإسلامية في جامعة قطر، كما أصبح فيما بعد مديرًا لمركز أبحاث “السنة والسيرة” في الجامعة ذاتها.
شخصية أخرى؛ هي الإخواني كمال ناجي، الذي هرب من مصر إلى السودان، ليظهر بعد ذلك في قطر منذ الستينيات، وكما يذكر القرضاوي في كتاب مذكراته “سيرة ومسيرة”، فإنّ ناجي الذي ذهب إلى قطر بناء على دعوة الشيخ عبد البديع صقر، عمل في سلك التعليم، ثم تسلم زمام إدارة المناهج في مكتب الشيخ جاسم بن حمد آل ثاني -وزير المعارف- آنذاك.

التمهيد لسيطرة خطاب الإخوان إعلامياً

تمكنت هذه الشخصيات مستغلّة كثافة البلد السكانية القليلة (يبلغ تعداد سكان قطر اليوم مليونين وأربعمئة ألف، وفق الموقع الرسمي لوزارة التخطيط والإحصاء القطرية، 80% منهم وافدون)، وافتقاره خلال حقبة الستينيات إلى نظام تعليميّ، من ترسيخ فكر الإخوان ضمن مجتمع قبلي كانت السلفية تمثل مجمل الحالة الدينية فيه، وكان الخبير في شؤون الجماعات الإسلامية سالم حميد، قد صرح في لقاء معه على قناة الشارقة الفضائية ضمن برنامج “حقائق وشواهد” بتاريخ 20 تموز (يوليو) العام 2017: “إن جماعة الإخوان تغلغلت في قطر عبر بوابة البعثات التعليمية، وحظيت بثقة حكامها ومسؤوليها منذ ذلك الحين”.
وبالانتقال إلى منتصف السبعينيّات؛ يذكر الكاتب المصري مصطفى عاشور في بحثه “تجربة الإخوان المسلمين في قطر” المنشور العام 2011، أنّ القطري جاسم بن سلطان، الذي درس الطب في مصر واندمج وتأثر بتجربة الإخوان هناك، ساهم بشكل مباشر في تأسيس مجموعة إسلامية شبابية تركز على الدعوة والتربية، وتستقي أفكارها من الجماعة الأم في مصر.

إلا أنّ مرحلة الثمانينيات -كما يشير البحث- شهدت مراجعات عديدة بعد توسع هذه الجماعة الإخوانية، وقدوم موجة أخرى من الإخوان الهاربين من سورية، فانقسمت صفوف الجماعة؛ بين مطالبين بالعمل السياسي والتواصل مع الجماعة الأم في مصر، وآخرين متمسكين بالاكتفاء بالعمل الدعوي والتربوي، واستمرت هذه المراجعات إلى العام 1991، حتى خلصوا من خلالها إلى أنّ الشيخ المؤسس حسن البنا لم يتناول برنامجاً إسلاميّاً يحدد الموقف من الدولة، ومن اقتصادها.
وانطلاقاً من هذه النتيجة؛ توصل إخوان قطر إلى انتفاء حاجة الدولة لتنظيم سياسي لا يحمل برنامجاً تنمويّاً في بلد لا يحتمل نظامه وجود أحزاب سياسية، فحلت الجماعة القطرية العام 1999، وفي حلقة من برنامج “رأي عام” بثّت بتاريخ 1 آب (أغسطس) العام 2017 على القناة المصرية العاشرة، رأى الباحث المصري في شؤون الجماعات الإسلامية أحمد بان أنّ: “حلّ الجماعة جاء تحضيراً لتوظيف الدولة القطرية خطاب الإخوان من خلال دمجه في إعلام قناة الجزيرة القطرية التي أنشئت العام 1996، وبدأت تتحضر لتنفيذ أجندة معينة بحلول العام 1999”.
هذه المراحل منذ الخمسينيات وحتى مطلع التسعينيات، شكلت أسس العلاقة العضوية بين قطر وجماعة الإخوان المسلمين، قبل أن يتعاظم دور الجماعة من خلال شبكة الجزيرة الإعلامية.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close