العقلية العربية و العنف السلطوي

العقلية العربية و العنف السلطوي

سلطت عملية مقتل الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح الانتباه على حقيقة كون غالبية الحكام العرب قد قُتلوا ـــ بشكل من الأشكال ـــ وهم في قمة السلطة أو نحو ذلك ، بل يكاد أن يكون من النادر جدا أن يفلت رئيس عربي قد خرج سالما من السلطة دون أن يُقتل أو يُغتال مشنعَّا به وهو لا زال في السلطة أو تحت ظلها مباشرة ، بعدما يكونوا هم أنفسهم قد وصلوا إلى السلطة عبر مؤامرات أو انقلابات عسكرية تاركين خلفهم الأفا من الضحايا و المضطهدين والمعتقلين مع مظاهر تعذيب وحشيىة سائدة .
أنها لا زالت نفس العقلية العربية القائمة على القسوة المتجذرة في النفوس و القلوب والساعية نحو التسلط الغاشم و الهيمنة المطلقة على حساب إلغاء الخصم أو تحطيمه بالمرة لكي لا تقوم لا قيامة بعد ذلك ..
فالعقلية العربية التي هي خلاصة ووريثة العقلية البدوية المتشبعة أصلا بالوحشية والقسوة والبربرية الصحراوية القاحلة ، فضلا عن سلوك الغدر وكمائن الإيقاع و المباغتة والمداهمة و الخ ، فهذه العقلية الغليظة لا تطيق غير الانفراد المطلق في السلطة و الجاه و بسط النفوذ و إخضاع المعترض بقوة العنف و بحد السيف أو صفير الرصاص ، بل واعتبار ممتلكاته وحيواناته المدجنة و كذلك نسائه أسلابا مشروعة له للنهب والسلب .
إذ أن هذه العقلية السادرة بالتسلط و الإقصاء المطلقين عاجزة عن تقبَّل فكرة المشاركة أو الانتقال السلطوي ديموقراطيا أو طوعيا ، لأنها تعتقد بأنها بمجرد أن انتزعت السلطة بالقوة والعنف و انفردت بها بهيمنة كاملة ، فأن هذه السلطة قد أصبحت جزاء لا يتجزأ من حصته وممتلكاته الشخصية والعائلية البحتة ، و التي يجب أن تتوارث فيما بعد عبر أبنائه و أحفادهو على مدى الأجيال و التاريخ ، أي إلى ما لا نهاية !!..
و ربما لهذا السبب تصبح فكرة الديمقراطية ، و كذلك فكرةالانتقال السلمي و السلس للسلطة والحكم ، تصبح و تغدو ثقيلة الهضم و التقبل أو العايش السلمي بالنسبة لهذه العقلية العاجزة عن الانسجام والاندماج مع متطلبات العصر و ركب الحضارة البشرية ومسيرة التمدن الجارية في العالم ، سيما على صعيد استلام و تسليم مقاليد السلطة سلميا و طوعيا بدون لجوء إلى وسيلة تصفيات و عمليات اغتيالات كما هي الحال السائدة في البلدان العربية على مر التاريخ ..
نقول على مر التاريخ : لأن ثلاثة من الخلفاء و ” أمراء المؤمنين عمر و عثمان و علي ” أنفسهم قد قُتلوا وهم على سدة الحكم والسلطة لأسباب كانت لها علاقة بالسلطة ذاتها .
هذا دون ذكر عمليات مقتل حكام وملوك العرب في عصرنا الحديث و حتى الأن .
فالحكام العرب مارسوا و يمارسون العنف الأعمى حماية لسلطاتهم حتى يصبحوا ــ فيما بعد ــ هم أنفسهم من ضحاياه المباشرين ..

مهدي قاسم

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close