الدين والدنيا!!

هذه جدلية صعبة أمضت البشرية مسيرتها في تصارعات وتجاذبات ما بين طرفيها , فالبشر في الدنيا , والبشر في الدين الذي يأخذه إلى ما بعد الدنيا , إلى حيث الغيب والتصورات المدوّنة في المخطوطات والكتب السماوية , والتي تشترك جميعها بأوصاف جنات النعيم.
وفي معظمها هناك ثنائية الجنة والنار والخير والشر , والكفر والإيمان , والصدق والكذب , والعدل والظلم , والرحمة والقسوة , وغيرها من الثنائيات التي لا تحصى ولا تُعد.
والمعضلة الكبرى أن البشر في الدنيا والدين في الدنيا , والبشر يريد الدنيا ويطمع بها ويحبها حبا جما , والدين يريده لغير الدنيا ويكرّهه بمباهجها ويذكّره بنهايته الحتمية , وهذه آلية تصارعية واعية وغير واعية تعتمل في دياجير الأعماق البشرية وتتسبب بسلوكيات وتداعيات ذات نتائج محيّرة.
وأكثر البشر مهما بلغت درجة إيمانه وتدينه فأن فيه حب عارم للدنيا , وتفاعل لذيذ معها يجعله يوظف ما يستطيعه من الدين لخدمة الدنيا , أو لتحقيق ما فيه في الدنيا التي هو فيها , ولهذا فأن القادة الذين جاهدوا لإرساء دعائم الدين بجوهره الإنساني التعففي أصابتهم العزلة وإنفض الجميع من حولهم , وفي التأريخ الأمر واضح , كما جرى مع الخلفاء عمر وعلي وعمر بن عبد العزيز.
ووفقا لما جاء في كتاب عبقرية علي لعباس محمود العقاد أن عقيلا شقيق علي فر منه , عندما رآه يعطيه كما يعطي غيره من الناس فذهب إلى معاوية وهو يقول: ” أن أخي خيرٌ لي في ديني ومعاوية خيرٌ لي في دنياي”!!
وهذا يوضح طبيعة السلوك البشري , وأن ليس من السهل إنتصار الدين على الدنيا , وأن البشر دنيوي الطباع , ويحاول أن يكون ديني المتاع , ولكن بعد أن يقضي وطره من الدنيا ويتمتع بما يستطيعه منها , أما الحرمان فأنه يدفع إلى فنتازيا الدين وأحلام ما بعد الحياة , والإتجاه نحو تسفيه قيمتها وما ينجزه الدنيوي فيها , وهذا السلوك صار خطيرا لأنه يساهم في تحشيد وضغط المشاعر والعواطف المناهضة لما هو دنيوي , والعمل الأهوج الفتاك نحو ما هو ديني أو ما بعد الدنيوي.
ولذلك فأن الصراع القائم ما بين الدينية والدنيوية رغم طبيعته الأزلية لكنه إتخذ مسارات خطيرة في الزمن المعاصر , لسهولة توفر الوسائل الفعالة للتعبير عن الهواجس الدينية المناهضة للدنيوية , ووفقا لهذا الإقتراب يمكن تفسير السلوك العنيف الجارف الذي يعصف في أرجاء الدينا والذي يتوشح بالدينية , أيا كان أصلها ومعتقدها , مما سيتسبب بمتواليات هندسية من التداعيات التي ربما ستأخذ البشرية إلى مهاوي سقر.
وبسبب الطبع البشري البقائي والتنافسي يكون من العسير تحقيق حالة التوازن المثلى ما بين الدينية والدنيوية , ولو أن بعض الأديان قد طعّمت الدينية بلذائذ دنيوية , خصوصا فيما يتعلق بالتصرف بالنساء والغنائم ومنحتها توصيفات متوافقة مع الدينية , أما بفتاوى أو تشريعات , لكي تديم التفاعل الديني الدنيوي وكأنها تضع قدميها في مكانين , أو تشطر عقيدتها إلى نصفين , مع مخاطر الغلو في الإتجاهين , فينجم عن ذلك ديمومة تنازعية ومسيرة تصارعية قد تعيد بعض التوازن , لكنها تمضي متخفية أو علنية بين آونة وأخرى , وهلم جرا.
ويبدو أن الوجود البشري سيتواصل في هذا المعترك الإحتدامي إلى الأبد , حتى يتحقق إدراك أن الدنيا دين أو الدين دنيا , وأن الذي يأتي يكون متوافقا مع الذي يكون , وهذا ما لا يمكن للبشر أن يُدركه ويفوز بوعيه!!
فهل من توازان وإتزان وميزان؟!!
د-صادق السامرائي

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here