(ياسامعين الصوت) انه جمعة الحلفي

اكتب عن الشاعر والاعلامي جمعة الحلفي بمحنته وهو يصارع المرض الخبيث . لا اكتب عنه بدافع الصداقة والاخوة التي امتدت لأكثر من أربعة عقود . سأكتب عنه بتخويل أخذته عنوة لنفسي من الوطن، الذي أفنى الحلفي عمره وهو يدافع عنه وعن ناسه بشراسة قل نظيرها . انفراده وتميزه عن اقرانه يدعوني وانا اكتب هنا للتاريخ ان اكتب عنه بفخر ، واقول :ان صوته كان من ضمن اكثر الاصوات جلدا لنظام البعث وصدام. بعدما غادر تنظمه الحزبي زادت شعلة منازلته للبعث توهجا وهو يقاتل النظام منفردا دون حزب وجماعة .

بعد عودة البعث المشؤومة للسلطة في عام ٦٨ .ابتدأ في اوائل السبعينيات بختيار معارضيه بدقة للتنكيل بهم وكانوا من المثقفين والناشطين سياسيا، وكان جمعة الحلفي من اوائل المثقفين الذين زج بهم البعث بسجونه . خرج من سجنه بعد قيام الجبهة الوطنية، لم تردعه عصا ناظم كزار وتهديدات البعث. كان عموده الصحفي سوطا يجلد به ممارسات البعث ضد العراقيين. تميز بنقده اللاذع وسخريته المرة وتحديه للبعث.كان يكتب ويداوم بجريدة طريق الشعب المجاورة للامن العامة ، الدائرة التي كان اسمها يرعب معظم العراقيين .
لم يدفع ثمن معارضته للبعث بمفرده بل دفعت عائلته أثمانا باهظة .

جمعة الحلفي بالنسبة للبعث وصدام اكثر من شاعر واكبر من إعلامي :انه مناضل صلب صاحب قضية ومبدأ .لقد لاحقته الأجهزة الأمنية حتى بعد هروبة من العراق بجواز مزور . تابعوه وهو يتنقل بأسرته من اليمن الجنوبية الى سوريا وبلاد الله الواسعة .

لم يترك ساحة للنضال لم يسهم الحلفي بترك بصماته فيها. كتب في الصحافة العربية الفلسطينية والسورية منها بشكل خاص مناصرا القضية الفلسطينية، وناصر حتى القضايا العادلة في العالم .اجرى حوارا موسعا مع الرئيس الافغاني السابق نجيب الله في كابول وكان الرئيس دكتور النسائية الماهر نجيب الله محاصرا ومحاربا من قبل الأمريكان قبل ان يعدم بمقصلة طالبان .على الرغم من تنوع ساحات نضاله،لكن همه الاول كان قضية العراق والعراقيين.

لم يكن جمعة الحلفي وحيد بمجاهرته ومعارضته لنظام صدام، لكنه كان المعارض الوحيد المستقل الذي لم يبق بابا لجماعة معارضة لم تطرقه أعمدته الصحفية..شارك بمعظم الانشطة السياسية المعارضة التي عقدت في سوريا وعمان. كتب في صحف الاحزاب الاسلامية وفي جريدة بغداد المعارضة التي كانت تصدرها حركة الوفاق بقيادة السيد أياد علاوي، وكتب في جريدة المؤتمر تحت قيادة الراحل احمد الجلبي، وفي الصحافة اليسارية، وفي جريدة الزمان لصاحبها سعد البزاز عندما كانت معارضة لصدم .

عاد للعراق بعد سقوط النظام . ماضيه المشرق والمشرف ساعد في تعينه في شبكة الاعلام العراقي منذ الأشهر الاولى لتكوينها . تدرج في الوظائف والمهام الى ان اصبح رئيسا لتحرير جريدة الصباح، قبل ان يخرجه محمد الشبوط مستعينا بحراب الشرطه . مثلما كان في ايام المعارضة عفيفا ومناضلا نقيا، خرج من رئاسته لتحرير جريدة الصباح مثلما دخلها. اقيل وهو لا يملك سداد ايجار منزله الصغير في زيونه ببغداد . لقد حورب من الاعلاميين الذين حولتهم الوظيفة الى لصوص سرقوا المال العام. هؤلاء الذين تولوا المهام الإعلامية وخرجوا من الوظيفة بملايين مسروقة وعلاقات نسائية مفضوحة وسمعة سيئة .على العكس من هؤلاء عاد جمعة الحلفي رئيسا لتحرير مجلة شبكة الاعلام العراقي وهو لا يملك غير راتب بسيط لا يكفي لسداد ايجار داره وتكاليف معيشته.

كرامته وعفة نفسه ابت عليه ان يطرق باب احد وهو يصارع المرض وهو في أشد محنة ظل محاطا بعائلته وخلص أصدقائه ومحبيه .

العراق الوطن الوحيد في العالم الذي لم يعط الشرفاء والنجباء من ابنائه شيئا سوى المقابر والسجون والعلل .لقد خرجنا من العراق بحالة حب من طرف واحد .لم يأخذ المناضل الحلفي من العراق ثمن نضاله كخدمة جهاديه!.

ادخل من باب التخويل الذي أخذته من العراق عنوة لاقول : على الدولة ان ترتقي بمستوى رعايتها لمبدعيها بمستوى العطاء والتضحيات التي قدموها . لا اكتب اكثر ولست مخولا من اخي ابو زينه الاستاذ جمعة الحلفي بطرق باب احد ، لكن وصلني على هاتفي الشخصي منشور من صفحة الدكتورة زينة ابنة الشاعر الحلفي هذا نصه:(والدي يشكر الرئيس معصوم ويعتذر عن تسلم المساعدة… يتقدم والدي الشاعر والاعلامي جمعة الحلفي بجزيل الشكر والامتنان لفخامة رئيس الجمهورية فؤاد معصوم على اهتمامه ومتابعته لوضعه الصحي وفي الوقت ذاته يتلمس من السيد الرئيس قبول اعتذاره عن تسلم المبلغ المادي المخصص لمساعدته على تحمل تكاليف العلاج، وهو ستة ملايين دينار اي خمسة الاف دولار،مؤكدا انه لم يتقدم بطلب مساعدة مادية لا من رئيس الجمهورية ولا من سواه. خاصة وان عائلته ومحبيه قد بادروا الى ذلك لمعرفتهم بالتكاليف الكبيرة للعلاج ) . من المعيب ان يتبرع رئيس الجمهورية بهذا المبلغ التافه، فلا المبلغ ينسجم مع مكانة الرئيس ولا يتناسب مع مكانة وتاريخ ونضال الحلفي ولا يتناسب مع تكاليف العلاج الباهظة . .على الدول بكل مفاصلها ان تتبنى مشروعا جادا لرعاية الذين ضحوا وناضلوا وظلوا أنقياء وتسنموا الوظائف وغادروها وهم بذات النقاء ونظافة اليد.

جمعة الحلفي الشاعر والاعلامي والمناضل المتعفف لا تقلوا من قدره ولا تجعلوا منه مشروعا للاستجداء. الحلفي النزيه النقي في زمن ندر فيه الأنقياء اصحاب الايادي البيضاء. (ياسامعين الصوت) انه جمعة الحلفي .

كأن الشاعر المتنبي يصيح بمن جلسوا على هرم السلطة منبها لمحنة شاعر مثله، قائلا ادركوا جمعة الحلفي :

(على قدر أهل العزم تأتي العزائم وتأتي على قدر الكرام المكارم)

(الرّأيُ قَبلَ شَجاعةِ الشّجْعانِ هُوَ أوّلٌ وَهيَ المَحَلُّ الثّاني

فإذا همَا اجْتَمَعَا لنَفْسٍ حُرّةٍ بَلَغَتْ مِنَ العَلْياءِ كلّ مكانِ) المتنبي
حسن الخفاجي

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close