استشراف لمستقبل الوظائف وأتمتتها.

بقلم: د. مناهل ثابت

ثمة تطور هائل يتزايد كل يوم مع تطور التكنولوجيا واتساع رقعة الأتمتة، وثمة قلق وجدل واسع حول المستقبل الذي ينتظر وظائف البشر الاعتيادية مقابل ظهور ما ليس اعتيادياً، وهذا خلال العشر سنوات المقبلة وحتى 2030.

ولعل القول إن الكثير من الوظائف التي يمتهنها البشر الآن ستتلاشى وتختفي هو قول صائب ومثير للتشاؤم عند الكثيرين، ولكنه بالمقابل بلوغ حضاري مشرق لدى آخرين.

ويعبر عن ذلك فريمان دايسون بالقول: «التكنولوجيا هبة الله؛ هي ربما من أعظم هبات الله بعد هبة الحياة؛ هي أمّ الحضارات والفنون والعلوم.» وثمة ما يجعل الأمر وضده جيدين اقتصادياً؛ إذ إن التقدم التكنولوجي هو الذي يسمح لنا بمواصلة هذا التطور المذهل الذي نحن فيه، حيث العوائد سترتفع دائماً، وفي الوقت نفسه، الأسعار تنخفض، ويتواصل تحسن الحجم والنوعية؛ صحيح أن بعض الناس ينظرون إلى هذا ويتحدثون عن المادية السطحيّة.

ولكن هذه طريقة خاطئة للنظر في الموضوع؛ لأن ما يحدث بالضبط هو الوفرة، التي تخدم بالضرورة النظام الاقتصادي، أما السبب الثاني فهو أنّ عصر الآلة الجديد وما إن يبدأ الرجال الآليون القيام بالوظائف، حتى تنتهي مشقة الأعمال التي تعودنا أن نقوم بها نحن البشر، وبالتالي نتحرّر من الكدح والكد ونتفرغ لما هو أهم، أي أننا نتجه إجبارياً، بالأتمتة، نحو اقتصاد يقوم على المعرفة.

والأتمتة التي هي مصطلح مستحدث، يطلق على كل شيء يعمل ذاتياً من دون تدخل بشري، تفرض وضع تصورات وتقديم استشراف عن الوظائف المستقبلية، التي ستظهر بما يفرضه تطورها، وكذلك الوظائف التي ستتلاشى بتطورها، واتساع نطاقها.

لكن تلك الكيفية التي سيتم بها ذلك، وكذلك الكيفية التي ستظهر بها الوظائف المستقبلية هي كيفية غامضة، ما تزال محل التصورات والتخيل والاستشراف والتنبؤات التي تعد هي الأصعب دوماً، والأسوأ في حالة الخطأ، ومع ذلك يمكننا تجاهل التحذيرات بهذا الخصوص، وتقديم عرض خاص مبسط، ونسب متوقعة عن العالم الذي يبنى اليوم، والعمل فيه على قدمٍ وساق.

من ذلك يمكن وضع تصور لمقياس الطلب على المهارات للفرص الوظيفية، في ظل الأتمتة، واستشراف مستقبلي لما يمكن الوصول إليه حتى 2030 في كافة القطاعات، لنجد أن الطلب على القدرات المعرفية والإدراكية ستكون نسبته 75% ومهارات الأنظمة 51% وحل المشكلات المعقدة 90% ومهارات المحتوى (المهارات النظرية) 30% والمهارات العملية 53% والمهارات الاجتماعية 57% ومهارات إدارة الموارد 39% والمهارات التقنية 36% والمهارات البدنية 12%.

ويمكن الاستشراف لاستقرار تلك المهارات بوضع نسب توضحها في جميع القطاعات حتى 2025 فنجد بشكل عام عدم الاستقرار 70% والاستقرار 30% ونجد في قطاع الإعلام والترفيه والمعلومات عدم الاستقرار 54% والاستقرار 46%.

وفي القطاعات الاستهلاكية عدم الاستقرار 60% والاستقرار 40% وفي قطاع الرعاية الصحية عدم الاستقرار 58% والاستقرار 52% وفي قطاع الطاقة عدم الاستقرار 60% والاستقرار 40% وفي قطاع الخدمات المهنية عدم الاستقرار 66% والاستقرار 34% .

وفي قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات عدم الاستقرار 70% والاستقرار 30% وفي قطاعات النقل عدم الاستقرار 78% والاستقرار 22% وفي قطاع خدمات البنية التحتية عدم الاستقرار 84% والاستقرار 16% وفي قطاع الخدمات المالية والاستثمار عدم الاستقرار 86% والاستقرار 14%.

وبالتالي فإن النتائج المتوقعة بناء على هذه النسب ستؤدي إلى نمو سوق البحوث، ووظائف أخصائيي التسويق بنحو العشر، بدءاً من الوقت الحالي وحتى 2025، وستكون المهارات التقنية ومهارات التفكير الحسابي هي الأكثر حيوية، وسيزيد الطلب على الفنيين الطبيين والعلاج الطبيعي، وخبراء الهندسة الإنسانية في بيئة العمل.

وذلك لتزايد أهمية توفير العناية لمجتمع يكثر فيه المسنون، وسيصبح ممثلو خدمة العملاء، والمتخصصون في التسويق والمبيعات أحد أهم المجالات الوظيفية.

وستتطلب مهارات الذكاء العاطفي والاجتماعي، وفهم التواصل الفعال، من خلال منصات وسائل الإعلام الجديدة، ويتوقع ارتفاع فرص العمل في مجالات التعليم والتدريب، حيث يشهد القطاع نمواً وإقبالاً كبيرين، وسيتضاعف نمو الوظائف التالية: المحللون، الإداريون، والمحاسبون، ومدققو الحسابات التي تحتاج لمهارات الذكاء التجاري والقابلية للتكييف كمهارات أساسية.

ووصولاً إلى عام 2020، ستصبح ثلث المهارات الأساسية للوظائف، هي المهارات غير الضرورية لوظائف اليوم، مثلاً، فإن 43% من المهارات اللازمة في قطاع المالية والخدمات الاستثمارية ستصبح قريباً زائدة على الحاجة، وبالمثل سيصبح ثلثا تلك المهارات الأساسية غير ضرورية بحلول 2025 ولعلها ستتلاشى تماماً بعد طغيان الأتمتة بحلول 2030.

ولو عدنا قليلاً لتتضح الرؤية بشكل أدق سنجد أنه في 1980، كانت الأجزاء الإلكترونية تمثل أقل من 10% من التكلفة الإنتاجية للسيارة، اليوم، تخطى هذا الرقم 30% وسيرتفع لأكثر من 50% بحلول 2030، وستتطلب هذه الأجزاء الإلكترونية والتطبيقات مهارات جديدة، وستخلق عدة وظائف جديدة، كمهندس النظم المعرفية الذي يقوم بأُمْثَلَة التفاعل بين السائق والنظام الإلكتروني.

في 1980، لم يتصور أحد أنه ستكون هناك وظيفة كهذه؛ والواقع، أن مجموع العاملين في إنتاج سيارة واحدة قد تغير بشكل طفيف فقط في العقود الأخيرة، رغم تواجد الآليين والأتمتة. فماذا يعني ذلك؟ والإجابة أن التقنية ستعوض الإنسان في عدة وظائف، لكن سنشهد بُزُوغ عدة وظائف ومهارات جديدة، مما يعني أن التقنية ستزيد من عجز الكفاءات.

الخلاصة هي أن الأشخاص ذوي المهارات العالية، سيشكلون عملة نادرة في العقد القادم. وللحديث بقية.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close