نحو توفير عمل مناسب لذوي الشهادات العليا في العراق

محمد رضا عاس
كثرة حاملي الشهادات العالية علامة من علامات التقدم والرقي في البلد. الشهادات العليا تحقق طموحات الشباب والشابات والذين يجدون في انفسهم القابلية والكفاءة على خوض بحار العلم والمعرفة , انهم يمثلون الطبقة الوسطى التي تحرك الاقتصاد الوطني ,و انهم ثروة وطنية لا تنضب . حاملي الشهادات العليا عنوان فخر لهم , لعوائلهم , واحبائهم من القريب والبعيد . ذوي الشهادات هي الطبقة الاجتماعية التي تحرك الاقتصاد الوطني , حيث هي الطبقة التي تعطي الاحياء السكنية سمعتها الطيبة , وهم الطبقة التي تستخدم التكنلوجيا الحديثة بكثافة , وهي الطبقة التي تتردد على المتاحف و دور السينما و المسارح , و هي التي تنعش سوق السلع والخدمات في المدن والقصبات. وطبقة حملة الشهادات العليا هي التي تقود البلد نحو التقدم والازدهار. فبهم تنكشف اسرار الأرض والسماء . فعندما تنحدر عدد البحوث والتطور يتخلف البلد , وعندما تكثر البحوث والتطور تنتعش البلاد وتتقدم وتصبح اكثر تنافسا من قريناتها . من معاطف حملة الشهادات والمختبرات التي يعملون فيها خرجت اكثر الاختراعات والآلات والأدوات والأجهزة التي نستخدمها هذا اليوم والتي سهلت حياتنا اليومية , جنبتنا من الامراض , واطالت في اعمارنا. عن طريق بحوث أصحاب الشهادات العليا , جعلت من كوكبنا قرية صغيرة , نعرف الواحد الاخر. ففي نقرة واحدة على تليفونك تعرف درجة الحرارة في اليابان وألمانيا ونيفادا الامريكية . وعن طريق تلفونك , تستطيع معرفة اخر اخبار البورصة العالمية , وعن طريق تلفونك تستطيع التحدث مع أي شخص في العالم .
وعليه , فان كثرة حاملي الشهادات العليا , هي رحمة للعالمين , ولكن على شرط واحد وهو ان لا يكون ذوي الشهادات العليا ضمن قائمة العاطلين عن العمل يقضون وقتهم بين المقهى و الدار, وهذا ما يحدث في العراق. هناك مشكلة في العراق اسمها ” مشكلة حملة الشهادات العليا”, وان هذه المشكلة أصبحت كبيرة جدا , الى درجة ان مجلس الوزراء العراقي يطالب بتشريع قانون يضمن تعيين أصحاب الشهادات العليا. بكلام اخر , إعطاء وظيفة لحامل الشهادة , حتى وان كانت لا توجد حاجة لاختصاصه . انها طريقة استهزاء بالشهادة وحاملها . من يقضي خمسة او ستة سنوات من عمره يبحث في الكتب ويسهر الليالي في المختبرات من اجل الوصول الى دراسة مفيدة للمجتمع يجب ان يوضع في المكان المناسب, مكان يستطيع هذا المواطن استخدام ما توصل له من علوم ليفيد منه المواطنين والوطن وربما البشرية بكاملها. وهذا بالضبط ما تعمل به الدول المتقدمة , وضع حملة الشهادات العليا في الأماكن التي تجعلهم منتجين و ليسوا عالة على المجتمع وعلى ميزانية الدولة وبالنتيجة ينحسر دورهم في قيادة المجتمع .
الدولة العراقية أرسلت المئات وربما الالاف من الطلبة الى الخارج من اجل الحصول على الشهادات العليا , الماجستير والدكتوراه , ولكن بكل اسف كانت النتيجة قريبة الى الفشل. اليك بعض الأمثلة التي لاحظتها شخصيا:
أولا, هناك عدد كبير من طلاب الشهادات العليا مازالوا يبحثون عن عمل , ولكن لم يجدوه على الرغم من ان الحكومة العراقية صرفت مئات الاف من الدولارات عليهم.
ثانيا, نسبة كبيرة من حملة الشهادات العليا انتهوا في اعمال غير اختصاصاتهم , في بعض الأحيان بعيدة كل البعد عن اختصاصهم الاكاديمي.
ثالثا, نسبة كبيرة من حملة الشهادات العليا رجعوا الى وظائفهم القديمة , ولم يستفيدوا من شهاداتهم الا في زيادة أجور وظائفهم .
رابعا , ان بعض المبتعثين انهوا دراستهم ولم يرجعوا الى العراق ولم تطالبهم مديرية البعثات بالرجوع او دفع المصاريف التي صرفتها الدولة عليهم.
خامسا, هناك طلاب بعثات تزيد أعمارهم على الأربعين عام , ولا اعلم ما هو السبب في ارسالهم بالوقت الذي هناك طلاب اقل عمرا و يشكلون اقل تكلفة للدولة . هناك طلاب مبتعثين لديهم أربعة أطفال . لست ضد فكرة تكريم كبار السن , ولكن هناك طرقا كثيرة تستطيع الدولة مكافاة كبار السن , على راس هذه القائمة تكريمهم بقطعة ارض او دار سكن . تأكدوا تكريم هذا المواطن بقطعة ارض او دار سكن اقل كلفة من ارسال مبتعث مع اربع أطفال معه , وبالتالي ان هذا المواطن سوف لن يقضي وقتا طويلا في وظيفته. الدكتوراه لا تجعل من حاملها مؤهلا وكفوء في عمله الا بعد فهم اسراره , في بعض الأوقات يتطلب وقتا طويلا.
مناسبة كتابة هذه الاسطر , هو قراءتي خبر ان دولة هنغارية , جزاهم الله الف خير , قد منحت العراق 70 زمالة دراسية لشهادة الماجستير والدكتوراه , وهذا عظيم جدا , اذا وجد هؤلاء الخرجين من هذه الزمالات عمل يناسب شهاداتهم واختصاصاتهم الجديدة . لان عدم العثور على عمل يناسب اختصاصاتهم ستكون صدمة لهم , لعوائلهم , وتبديد للثروة الوطنية , وطريقا مشروعا لترك الوطن . كفى هدر الكفاءات العراقية , حيث ان الوطن يتكفل بتربيتهم , تعليمهم , وبالتالي دولا أخرى تستفيد من مؤهلاتهم . العراقيون في الخارج اثبتوا تفوقهم و قابليتهم في المنافسة , فمن غير المعقول ان يفشلوا في وطنهم .

,
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close