اطلاق العيارات النارية في الافراح والاتراح سلوكا مرفوض

محمد رضا عباس
لم استطع العثور على احصائيات عن عدد القتلى والجرحى بسبب اطلاق العيارات النارية في المناسبات السعيدة والحزينة في العراق , ولكن كثرة حديث وسائل الاعلام على هذه الظاهرة تؤكد على تزايدها وأصبحت تقلق المواطن , خاصة وان السلاح اصبح يحمله الصغير والكبير , العاقل والمجنون , و المتعلم وغير المتعلم . واصبح ضحاياهم الكبير والصغير , لا بذنب فعلوه وانما جاء بهم حظهم العاثر الى المكان الغير المناسب وفي الوقت الغير مناسب. والا ما ذنب اكثر من 20 جريح , يرقد اغلبهم المستشفيات بعد فوز العراق على قطر في كرة القدم , بسبب ” افراح” بعض المنفلتين ؟ هل يعلم هؤلاء المنفلتين ما حجم الصدمة التي تصيب ذوي الضحايا ؟ هل يعرفون حجم اتعاب و معاناة ذوي الضحايا وهم ينتقلون بابنهم المصاب من مستشفى الى أخرى , ومن طبيب الى اخر؟ هل يعلمون حجم التكاليف المادية و المعنوية التي تقع على كاهل ذوي الضحايا , خاصة على الفقراء منهم ؟ هل يعلمون ان الضحية سواء, كان شاب او شابة يعني توقفهم عن أعمالهم او دراستهم ؟ لماذا اتحسس من موضوع اطلاق العيارات النارية في مناسبة الفرح والترح ؟ , لان الفاجعة حدثت لاحد لطفل لاحد اقربائي والذي كان لا يتجاوز عمره العشرة سنوات , واعرفت عن قرب ما جرى لعائلته من احزان وما مروا به من متاعب حتى نجى من جرح في راسه كاد ان يقتله .

كان من المفروض ان يكون اعلان اعداد الشهداء والجرحى الشهرية من العراقيين والتي تصدرها بعثة الأمم المتحدة في العراق درسا مخيفا للذين يحملون السلاح , وان لا يكونوا سبب اخر في زيادة اعداد ضحايا العيارات النارية الطائشة في العراق , ولكن بكل اسف أصبحت ظاهرة الطلاق النار في المناسبات ظاهرة في ازدياد وكان اطلاق النار في تشيع المتوفي اصبح جواز سفر له الى الجنة , وان اطلاق النار في مناسبة الزواج علامة من علامات رجولة العريس و تخويف العروس في يومها الأول . المتوفي والعريس لا يحتاجان الى اطلاق عيارات نارية , وانما يحتاجون الى دعاء مستجاب يوصل المتوفي الى الجنة والعريس الى حياة هانئة مع زوجته.

لم تكن ظاهرة اطلاق النار في الاعراس او تشييع الجنائز ظاهرة معروفة في بغداد , ولاسيما في مدينة الكاظمية حتى نهاية السبعينات من القرن الماضي . كنا نشيع المتوفي ومهما كانت منزلته الاجتماعية و الثقافية والعلمية بكل احترام وسط ترديد سورة الفاتحة . وكنا نزف العريس الى البيت الزوجية بفرح وسرور وبأغاني (بستات) وتنتهي المراسم بالدعوة لغير المتزوجين للزواج , كان ” يوم الك يا فلان”. لم يستخدم احد المسدس , والكلاشنكوف و حتى الهاونات . ولهذا , ليس من العجب , ان يحول احد المحتفلين بعرس صاحبه الى عزاء ومأتم في الناصرية , بعد ان سقطت من يده الكلاشنكوف و قتل وجرح بحدود 10 اشخاص. العجب كل العجب , ان كل من تتحدث معه حول خدمات المستشفيات واجور كلفة الطب في العراق , يتحدث عنها وهو ناقم منزعج من سوء الخدمة و ارتفاع كلفتها , ولكن كل هذا لا يمنع البعض عن اطلاق العيارات النارية و يقتل ويجرح.

ظاهرة اطلاق النار غير حضارية , وانما ظاهرة استنسخت من الريف العراقي . كان أبناء الريف العراقي يملكون السلاح ويستخدمونه في مناسبات الفرح والترح , لأنه صوت الاطلاقات النارية كان هو الوسيلة المتوفرة لأخبار القرى المجاورة لهم عن وجود مناسبة معينة عندهم , ولو كان التليفون الذكي متوفرا لما استخدموا السلاح , لانهم يعرفون مخاطر استخدام العيارات النارية . ان انتقال هذه الظاهرة من الريف الى المدينة يؤشر الى انتشار ظاهرة التباهي وانفصام الشخصية , حيث جاء في تفسير هذه الظاهرة على انها ” ممارسة دور البطولة والرجولة الذي يعجز الشخص عن ممارسته في الواقع , فيبدو كميكانيكية بتعويض نقصه لغياب الفعل الرجولي الحقيقي”. وتأكيدا على صحة صاحب هذا القول , فان مصادر اطلاق النار في العادة تأتي من فوق السطوح ومن الازقة الضيقة بعيدة عن انظار القوى الامنية.

لا يمكن ان تكون بغداد والمدن العراقية الأخرى على قائمة المدن المتحضرة مع وجود هذه الظاهرة الخطيرة . هذه الظاهرة سوف تطرد المتلهفين لزيارة العراق والتعرف على تاريخه وطبيعته , وسوف تطرد المستثمر الأجنبي, وسوف تعطي تصورا غير حقيقي عن انهيار الامن في العراق . حسب علمي , هناك قوانين تحارب هذه الظاهرة , ولكن هذه القوانين لم تفعل بسبب المحسوبية والمنسوبية . وحسب علمي هناك ” ميثاق شرف” بين أبناء العشائر في بغداد والمناطق الأخرى , الا ان هذا “الميثاق” لم يفعل أيضا. اعتقد ان محاربة هذه الظاهرة تحتاج تثقيف وإعادة كتابة القوانين المعمول بها . يجب اطلاق حملة توعية تبدا من المدرسة الابتدائية حتى المجالس الحسينية عن مخاطر هذه الظاهرة الخطرة. اعتقد ان الخسائر المنظورة والغير المنظورة التي يخلفها مطلقي العيارات النارية كبيرة جدا , وان عقوبة سجن لمدة عام واحد لا تكفي لردع الاخرين . المشرع العراقي يجب ان يأخذ بالحسبان ان العراق يمر بظروف طارئة ويجب ان تكون القوانين متماشية مع الظرف الراهن . اعتقد ان إدارة المنتخب الوطني العراقي لكرة القدم تتحمل جزء من مسؤولية انتشار ظاهرة اطلاق النار وعليه يجب ان تتحمل جزء من حملة محاربة هذه الظاهرة . ظهور احد اللاعبين الكبار في احد المدارس الابتدائية وهو يشرح لهم بالصورة والصوت مخاطر اطلاق العيارات النارية على أرواح المواطنين سيكون له اكبر الأثر في تقليل هذه الظاهرة , خاصة وان الأطفال لهم تأثيرا كبيرا على ذويهم . معظم حملات مكافحة التدخين في الولايات المتحدة الامريكية تنطلق من المدارس الابتدائية , حيث مع كل بداية سنة جديدة يزور المدرسة احد المختصين بأمراض التدخين ومعه فلم يحتوي على حالات مرضى التدخين . هؤلاء الأطفال يأتون الى البيت يبكون من هول ما يعاني مرضى التدخين , ويطالبون الام والأب بترك هذه العادة . شخصيا , اشكر ابني احمد عندما كان في مرحلة الابتدائية , لأنه كان هو السبب في اقلاعي عن التدخين بعد ان عجزت زوجتي من اقناعي لفترة عشر سنوات.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close