تأملات صحفي سهران بما يحدث في ايران!!

احمد الحاج

لعل واحدا من اﻷمثال الايرانية التي تصدق على عالمنا النامي أو- النائم – بعبارة أدق برمته وبضمنه ايران التي لم تغادر هذا العالم الثالث بعد برغم جعجعة الملف النووي وصخب القوة الصاروخية وضجيج بعض الصناعات العسكرية الخفيفة التي ﻻتعدو أن تكون لعب أطفال قياسا بأسلحة العالم الصناعي، الامبريالي – اللاهث – والذي صنع بالكامل – وليس تجميعا – ما يفوقها بأسا وعددا ومتانة ليس اﻵن بل منذ الحرب العالمية الثانية ( غواصات ، حاملات طائرات ، قنابل ذرية ، مدمرات ، طائرات حربية ، دبابات ، مدافع ..الخ ) ، قولهم ( في بيت النملة تصبح قطرة الماء طوفانا) وهذا ماحدث بالضبط في كل من تونس ، ومصر ، وسورية ، واليمن ، وليبيا من قبل بما أطلق عليه إصطلاحا بـ ” الربيع العربي ” الذي سرعان ما تحول الى خريف أتى على اﻷخضر واليابس لإعتبارات عدة لا مجال لسردها هاهنا ، فكل اﻷنظمة الحاكمة في دول الربيع الخمس كانت بمثابة بيت نمل وعنكبوت واهن لم يصمد طويلا أمام تظاهرات شعبية بدأت بمجاميع ومطالب مشروعة صغيرة جدا كقطرة ماء من صنبور في بحر لجي إلا أنها كانت بالنسبة لهم بمثابة طوفان لتأليههم ذواتهم وأحزابهم واستعبادهم معارضيهم ومؤيديهم على حد سواء ، خلاصتها ” خبز ، حرية ، عدالة إجتماعية ” لتتطور سريعا مدفوعة بردود أفعال داخلية عفوية تارة فرضتها التطورات اﻵنية ، ومن جهات خارجية تارة أخرى لحسابات جيو سياسية وإقتصادية وأمنية شتى قد تتقاطع فيها مصالحها أحيانا وقد تتفق أحايين ،تطورت الى “الشعب يريد إسقاط النظام ” ﻷن اﻷنظمة الخمسة لم تكن مستوعبة لنظرية ” التحدي والاستجابة ” للمؤرخ البريطاني ارنولد توينبي، وخلاصتها، ان الحضارة عندما تفقد القدرة على مواجهة التحديات فإنها تسقط وتنهار ﻻمحالة ، هذا بالنسبة الى حضارات عريقة تمتد لقرون طويلة في عمق التأريخ سادت ثم بادت ،فما بالنا بأنظمة مصابة بالكوما وتعيش على أجهزة الانعاش لم يتعد أطولها عمرا الـ 42 عاما متمثلة بحكم القذافي 1969-2011 حتى أصبح حليمهم بفتنتها حيران أسفا ، والى حين سقوطهم واحدا تلو اﻵخر كانت عينا كل منهم مفتوحة على مناصب متخطية للحدود الجغرافية – السايكس بيكوية – أكبر من أحلامهم وقدراتهم وأحجامهم ومما كانوا عليه واقعا حينئذ ، مبارك كان يحلم بـأن يكون ” ناصرها ” ، بشار الاسد ” ستالينها ” والقذافي” ملك ملوك آسيتها وأفريقيتها وشاهنشاهها ” ، زين العابدين ” أتاتوركها ” ، علي عبد الله صالح “ماوتسي تونغها ” فيما كانت شعوبهم في الداخل تعاني عموما من انعدام الحريات بأبشع صورها وبأستثناء ليبيا تعاني من البؤس والفاقة يصدق فيهم ” ابن الإسکافي حفيان وإبن الحائك عريان وابن النجار بردان ..ووابن السلطان كنوز وخدم وحشم ونسوان ” وقد يقول قائل ” لعد هسه افضل ؟ ” واقول وبحسب مجريات التأريخ وكفى به واعظا إن ” الفرعون بالعادة لايغرق مع جنده وحده ، .رعاياه من المستحمرين يغرقون معه ايضا لسكوتهم الطويل عليه وللرقص لعقود بين يديه وبئس الورد المورود ” .

ما يحدث في ايران اليوم ومن وجهة نظري الشخصية وقد أكون مخطئا كليا أو مصيبا بعض الشيء بشأن تظاهرات شعبية بدأت في مشهد ثاني اكبر المدن الايرانية الفارسية تتسع رقعتها ساعة بعد أخرى وبإطراد ملحوظ يرافقها تأييد اوربي واميركي خجول حتى الان برغم تغريدات ترامب البركانية ، تتزايد حدتها وربما يتسع سقف مطالبها ايضا في القريب العاجل وهذا متوقف على الطريقة التي سيواجه بها النظام المحتجين وهو عين الذي حدث في دول الربيع العربي في بداياته ، فإن كانت الحلول ترقيعية ، ترياقية ، والاجراءات تعسفية وقمعية فإن الاحتجاجات ستتطور بسرعة ان نجحت بعبور حواجز الصد اﻷولى واستوعبت صدمة الخوف والرهبة في خط شروعها ، والعكس صحيح ان كانت الحلول ناجعة ومنطقية والاجراءات عقلانية فبإمكانها ان تخفف من حدة التوتر وتمتص زخم الشارع – الفارسي – الذي يشكل 51% من إجمالي عدد السكان والمنتفض بمفرده حتى الان و بحدة قبل انتقال العدوى الى البقية الباقية ، بسبب تردي واقعهم المعيشي وغلاء الاسعار قياسا بمتوسط الدخل وتفشي البطالة وإفلاس و اغلاق مؤسسات الاقراض المالية المملوكة الى المحافظين وعددها يربو على ستة الاف فضلا عن عدم قناعتهم بالتدخلات الاقليمية والحروب التي تخوضها بلادهم ما أثقل كاهلهم اضافة الى تأثيرات العقوبات الاميركية على خلفية الملف النووي في وقت مضى والتي جسدتها شعارات نحو (لا غزة ولا لبنان، حياتي لايران) و ( اتركوا سوريا وشأنها واهتموا بأحوالنا ) و ( الشعب بات كالمتسول ) وبدرجة اقل بكثير لبقية القوميات التركية ، العربية ، الكردية، البلوشية ، الاذرية ، الجيلاك المازندارن، اللور ، فهؤلاء وفي حال طال أمد التظاهرات ولم ينجح النظام بقمعها في مهدها كما توعد ، وان استمرت عملية اهانة ” التابو ” او المحرم ، الممنوع ، المقدس محليا طيلة 39 عاما أمام مرآى ومسمع العالم والاقليات الايرانية الاخرى التي تؤلف 49 % من اجمالي السكان فإن تظاهرات مماثلة ستندلع وبقوة إلا أنها لن تطالب بتحسين الظروف المعيشية وﻻ بعدم التدخل في الشؤون الداخلية لدول المحيط الاقليمي وانما بالحصول على استحقاقاتها القومية وربما تتطور الى دعوات علنية للإنفصال بحسب طول أمد الاحتجاجات أولا ، إتساع رقعتها ثانيا ، إرتفاع سقف مطالبها ثالثا ، زيادة اعداد المشاركين فيها رابعا ، تفاقم حدتها خامسا ، ارتفاع عدد قتلاها وجرحاها سادسا ، تطور مجرياتها وجنوحها نحو العنف أكثر من السلم سابعا ، فهذه العوامل كلها ستتناسب طرديا مع ثورة الاقليات ،صعودا وهبوطا ، قياسا على تطورات احداث الربيع العربي التي عايشناها حذو النعل بالنعل مع بعض الفوارق بطبيعة الحال .

اﻷمر اﻷخر يكمن في ان التجرؤ على انتهاك التابو وﻷول مرة طيلة اربعة عقود خلت منذ سقوط الشاه عام 1979والمتمثلة بتمزيق وحرق صور المرشد الاعلى وبعض المراجع الدينية والسياسية والهتاف ضدهم اضافة الى رئيس الجمهورية – حسن روحاني – كما تتناقله وسائل الاعلام ومنها حرق أول حوزة علمية بمدينة تركستان في محافظة قزوين، في تطور هو الأول من نوعه في تأريخ ايران المعاصر مع ما له من مؤشرات تدلل على سعة التظاهرات وطبيعة بوصلتها ، فإنها عوامل من شأنها أن ترفع الحصانة عن كل التابوهات المماثلة ليس في ايران لوحدها فحسب وانما في عموم المحيط الاقليمي برمته ايضا .

الامر اﻷخر وفي سيناريو متوقع فإن السلطة في ايران ستستنفد كل مافي جعبتها من اوراق ان طالت مدة التظاهرات وستبدأ بإخراج المناصرين لها بعيد صلاة الجمعة المقبلة على ما اظن صعودا بتظاهرات حاشدة – دعائية – يرفعون خلالها صورا لمن مزقت جموع المتظاهرين صورهم ، وﻻفتات تمجد من اهانهم المحتجون ليثبتوا لمن يناصبونهم العداء بأن انصارهم أكثر من مناوئيهم وانهم قادرون على المناورة وللحيلولة من دون انتقال العدوى ، واما السيناريو اﻵخر فيتمثل بتصدير التظاهرات اذا جاز التعبير الى دول مجاورة اولها البحرين وربما الكويت بدرجة اقل وثالثها ورابعها – الامارات و السعودية – وبالاخص انهما فرضتا زيادة في الاسعار بدءا من اول يوم في العام الجاري تقدر بـ 5% ما دفع المحلل السياسي الأميركي مارك بيري ، للقول في تصريح لقناة الحرة ، أن ” الوضع في السعودية قابل للتدهور بشكل سريع ولو سئلت قبل أسبوع عن أي من الدولتين – ايران ام السعودية – سوف تشهد تظاهرات أولا، لأجبت انها السعودية والاحتجاجات فيها أمر حتمي” على حد وصفه .

وﻻ استبعد تصديرها الى العراق ايضا لتشابه الظروف الاقتصادية السيئة ولخلط اﻷوراق وتشتيت وسائل الاعلام بين تغطية تظاهرات فلسطين الى ايران الى البقية الباقية ان اندلعت ، في رسالة واضحة الى الادارة الاميركية التي تتهمها ايران بأنها وراء ما يجري فيها حاليا ، مفادها وكما يقول المثل العامي ” علي وعلى اعدائي” .

عن اللعب ببقية الاوراق العسكرية ” الحوثيون في اليمن ، حزب الله في لبنان ، بقية الاذرع المسلحة الاخرى في عموم المنطقة ” ممكن في الوقت القريب وممكن لا وذلك بحسب تفاقم الاوضاع داخليا من عدمها !!

ومهما يكن من أمر فإن مايجري في ايران وعموم الشرق الاوسط الملتهب يوضح بما لا لبس فيه البتة بأن تحقيق العدالة الاجتماعية وتقليص الفوارق الطبقية ومنح الحرية الفردية بحدود الشرع والقانون وتوفير اﻷمن و الخدمات والتعليم والصحة والسكن وفرص العمل ومحاربة الفساد المالي والادراي والسياسي وعدم التدخل في شؤون الدول الاخرى هو المنجاة بعد طاعة رب العباد، وان خلافها يعني السير الى الهاوية ان عاجلا ام آجلا ﻻمحالة ، وحقا ماقاله علي شريعتي ” إذا كنت لا تستطيع رفع الظلم, فأخبر عنه الجميع على الأقل”. اودعناكم اغاتي

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here