أردوغان بين الانتهازية وأحلام التاريخ

عاصف الخالدي

يحاول أصحاب النزعة التوسعية العودة دوماً إلى الماضي، فيأخذون منه ما يناسبهم، بعد تزييف أو محو ما لا يروقهم منه، أما الازدواجية التي يقعون فيها، فتتم تغطيتها بالشعارات البراقة والعاطفية. ويشكل نموذج تركيا اليوم، بقيادة حزب العدالة والتنمية وزعيمه رجب طيب أردوغان، واحداً من الأمثلة الحية، على وهم الإمبراطورية والخلافة الذي يتم توظيفه لمصالح السلطة والدولة، والتدخل في شؤون الآخرين.

تاريخ يأكل أصحابه

إمارة صغيرة تعتمد على فكرة الغزو“، هذه الجملة، من الفقرة الأولى في كتاب “الدولة العثمانية من النشوء إلى الانحدار” لمؤلفه خليل إينالجيك، تشير ببساطة إلى نشأة الحكم العثماني، معتمداً على التوسع؛ حيث تمكن من ضم الأراضي العربية إليه بعد غزوها بدءاً من العام 1516.

وبعد سيطرة العثمانيين على القاهرة، ودمشق، وتحطيم سلطة الجيش المصري وأمراء الشام وحلب، يقول قسطنطين بازيلي في كتابه “سورية وفلسطين تحت الحكم العثماني” إن “البشوات باتوا يحكمون سورية، وكانت جُلّ مهامهم، تنصبّ على تحصيل الإتاوات، وإرسالها كاملة إلى الباب العالي في تركيا”.

هذه الغاية هي التي انصبّت عليها جهود الحكم العثماني الأساسية لما يقرب من 400 عام، حيث نقل مركزية الحكم من البلاد العربية، وجعلها بعيدة في الأستانة، عرف فيها العرب ضرائبَ لا تنتهي على الأرض والحيوانات والمصنوعات..، وخضعوا للسخرة، والخدمة العسكرية الإجبارية في حروب يذهب فيها الرجال وقلّما يعودون منها.

 

كما تأثرت كل من سورية وفلسطين تحديداً بالطابع الإمبراطوري للدولة العثمانية، الذي “بدأ يتفكك بمجرد صعود القوميات في أوروبا والبلقان وأجزاء من العالم العربي بسبب تطلع الإنسان إلى الحرية”، وهو ما يورده الدكتور سعد الحميدي في كتابه “الصراع بين القوميتين العربية والتركية وأثره في انهيار الدولة العثمانية”، حيث يشير أيضاً إلى أنّ الإمبراطورية، اصطدمت بتطور القوميات وأشكال الحكم السياسي الحديث في العالم من حولها، ولم تنجح محاولتها بتسييس نظامها في الحكم، ما أدى في النهاية إلى انهيارها.

ويرد في الكثير من المصادر التاريخية، الإشارة إلى ضعف الحكم العثماني بعد العام 1800، وخضوع سلاطينه في آخر عهده، إلى الإملاءات الأجنبية ومحاولاته اليائسة للحاق بالعصر والقيام بإصلاحات سياسية وإدارية واقتصادية متأخرة، إضافة إلى انتهاج العنف في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين ضد الحركاتِ التي طالبت بالحكم الذاتي والانفصال، كما حصل في مذبحة الأرمن العام 1915.

هذه الإمبراطورية، أهملت أيضاً التعليم وحركة الطباعة، وتوثيق الأراضي بأسماء أصحابها بعد أن جعلت ضريبة تسجيل الأراضي “الطابو” ذات قيمة مالية كبيرة على الفلاحين، مثلما حصل في فلسطين؛ إذ أسهمت هذه الضريبة في التهام أراضيها بعد الاحتلال البريطاني لها، كما جعلت أراضي بلاد الشام نهباً للخلافات بين الملاّك الإقطاعيين إبان زوال حكمها.

أسطورة عبد الحميد المزعومة

غير أنّ هذا، لا يمنع الإخوانيين و”العثمانيون الجدد”، اليوم من استحضار “أمجاد” الإمبراطورية الزائلة، باستذكار الرسالة الشهيرة في حزيران (يونيو) 1896 من السلطان عبد الحميد لهرتزل، التي يرفض فيها اعتبار فلسطين وطناً قومياً لليهود، وتجاهل حقيقة منحه هرتزل بعدها بأربعة أيام الوسام المجيدي العثماني من الدرجة الثالثة، ولم يكن هذا الوسام الوحيد الذي حصل عليه هرتزل من السلطان عبدالحميد، ففي العام 1901، أنعم عليه أيضاً بالوسام المجيدي من الدرجة الأولى، وهو أرفع وسام عسكري في حينه، بعد يوم واحد على اللقاء الذي جمع الرجلين في اسطنبول.

 

وهو ما يكشف غرق الحكم العثماني في تناقضاته المعبرة عن قرب نهايته، وعدم قدرته على تغطية ضعفه، بينما يبدأ حكم عبد الحميد بالانحسار، وهو الملقب بلقبين متناقضين أيضاً؛ “السلطان الأحمر”؛ بسبب المجازر ضد الأرمن واليونانيين في عهده، و “السلطان المظلوم”، بعد عزله عن الحكم.

وبعد صعود الدولة التركية الحديثة منذ العام 1923، التي أنهت الخلافة، وأعلنت علمانيتها، وانتهت كإمبراطورية لتصير جمهورية، بقيت تتطور وتتغير على مدى سنوات طويلة، ثم بدأت منذ عام 1987 محاولاتها الانضمام للاتحاد الأوروبي، مدعومة من أمريكا تحديداً في هذا الخيار، إلا أنّها وحتى اليوم، لم تحظَ بقبول طلبها، لعدم تطوّر الديمقراطية التعدّدية لديها بشكل كامل وحقيقي خلال السنوات الأخيرة، فضلاً عن أسباب أخرى.

حزب عملياتٍ أمريكي

في كتابه: “العدالة والتنمية كمشروع حزب عملياتٍ أمريكي”، وترجمه أحمد الإبراهيم العام 2016، يرى الباحث التركي مردان ينارداغ أنّ حزب العدالة والتنمية الذي صعد إلى السلطة في تركيا منذ العام 2002 بقيادة رجب طيب أردوغان، يمثل “رغبة الإسلاميين في الحكم من خلال المصالحة مع أمريكا وأوروبا، وليس من خلال الصراع معهما، وذلك بوجوده ممثلاً للإسلام المعتدل الذي يشكل جزءاً من مشروع الشرق الأوسط الجديد”.

 

ويفسر ينارداغ رأيه هذا بأنّ “الحزب تأسس بالاعتماد على علاقات خارجية، مثالها الأبرز موقفه المتصالح من حرب العراق وحلف الناتو، وعمله في الداخل التركي نموذجاً إسلامياً يعبر عن الدولة، بدلاً من الجمهورية التي فقدت بعلمانيتها أي تأثير على المنطقة العربية كنموذج، ولذا، كان من الأفضل أن تتحول إلى نموذج إسلام معتدل لا يعارض مصالح أمريكا والغرب في جوهره، ليشكل مثالاً يحتذى به للدول في المنطقة العربية”.

استعارة التاريخ والقوة الناعمة

ويكشف الكتاب بشكل عام، البراعة التي عبر عنها حزب العدالة والتنمية باستحضاره نموذج الخلافة الميت عن طريق أردوغان، واستخدامه في الجدال الدائر بين العلمانية والإسلامية في الداخل التركي، ورفعه شعاراً في الانتخابات التركية أكثر من مرة. أما خارجياً، فالهدف منه “إظهار تركيا كدولةٍ مركزية وفاعلة في القضايا الدولية، خصوصاً في المنطقة العربية، وذلك خدمةً لمصالحها بالدرجة الأولى، وليكون حزب العدالة التنمية صاحب فاعلية خارجية، مما يمكنه فرض أجندته على الداخل”.

 

لا يمكن إنكار ما تعيشه تركيا اليوم من أوضاع اقتصادية جيدة، وما تملكه من قدرات على التطور، وذلك راجع في جزء كبير منه لما تتمتع به من علاقاتٍ تجارية وعسكرية متميزة مع أمريكا وأوروبا وإسرائيل، من خلال معاهداتٍ تجارية وعسكرية.

مع ذلك يظل شعار “الخلافة” يُستخدم من الدولة التركية كواجهة حماية وقوةٍ ناعمة باستعارته من التاريخ، ويعد التعامل مع القضية الفلسطينية حالياً، مثالاً بارزاً على هذا الاستحضار، إذ يتجه أردوغان وحزبه لدعم المقاومة الإسلامية، وحركة الإخوان المسلمين، لأنهما تخدمان هذا المشروع.

علاقات راسخة مع الكيان الصهيوني

وبالمقابل، تظلّ العلاقات راسخة مع الكيان الصهيوني؛ حيث لم تنقطع رغم الصوت العالي لأردوغان تجاه “إسرائيل” بعد حرب غزة في 2008، وحادثة السفينة التركية التي راح ضحيتها مواطنون أتراك خلال توجهها إلى القطاع العام 2010، مما جعل الباحثين يصفون سياسته وخطاباته بـ”الظاهرة الصوتية”. وهو ما انعكس أخيراً، بتدخله في الأزمة الخليجية، وتوقيعه معاهدة مع دولة قطر، وإرساله جنوداً إلى هناك في تطورٍ عدائي تجاه دول الخليج العربي المجاورة، في خطوة فعلية، لا يمكن له برغم خطاباته النارية، اتخاذ مثيل لها تجاه دولة الاحتلال التي يزعم عداوتها.

 

أما الأحداث الأخيرة التي حصلت باقتراب انتهاء العام 2017، فتميط اللثام عن مشروع “العثمانية الجديدة” وتجعله أكثر وضوحاً، ابتداء من انتهاج أردوغان “سياسة الضحية” منذ محاولة الانقلاب عليه العام 2016، واستغلالها لقمع أي معارضة داخلية ضده، كما يرى الباحث دييغو كوبولو في مقالته المنشورة بموقع مجلة “أتلنتيك” هذا العام.

وليس انتهاءً بدعوته العالم العربي والإسلامي الاعتراف بالقدس الشرقية عاصمة لفلسطين خلال القمة الإسلامية الطارئة التي عقدت باسطنبول هذا الشهر على خلفية “قرار ترامب” حول القدس، وبالنظر إلى هذه الدعوة، فإنّها تنتقص من حقوق الفلسطينيين، وحقوق اللاجئين وحق العودة، وترسخ الشطر الغربي من القدس عاصمة لـ”إسرائيل”، فضلاً عن أنّها لم تترافق مع أي تحرك ذي تأثير ضد “إسرائيل” ولو بالتهديد بقطع العلاقات.

أزمة فخر الدين وتجاهل حقائق التاريخ

وتعكس الأزمة الأخيرة التي تصدرها أردوغان حول فخر الدين باشا، وهو واحد من أواخر الأمراء العثمانيين الذين حكموا المدينة المنورة، النهج الذي يتبعه الرئيس التركي تجاه كل ما يمسّ “الصورة الوردية” للدولة العثمانية والدفاع المستميت عن كل تجاوزاتها.

أما ما أثار حفيظة أردوغان بشأنه، فهو تغريدة لوزير خارجية دولة الإمارات العربية المتحدة عبد الله بن زايد، أعاد نشرها على صفحته بموقع تويتر، وتتحدث عن “أمر أطلقه الأمير العثماني بتهجير سكان المدينة وتشتيتهم وتعذيبهم بعد حصار قوات الثورة العربية الكبرى للمدينة”.

وهو ما تجاهله أردوغان رغم الروايات التاريخية المتعددة حول الموضوع، وسارع لتضخيم القضية والرد عليها باستعلاء، كأنّهما يملكان حق سيادةٍ تاريخي على العالم العربي، وهما يستفيدان من مشروعٍ ماضوي، يدعم حركاتٍ متشددة في الخارج مثل جماعة الإخوان المسلمين وسواها، لدعم سياستهما في السلطة، ومصالحهما، والتدخل في الشؤون العربية.

ويتناسى أردوغان بحكم المصلحة، المذابح بحق مسيحيي ودروز لبنان عام 1860، والمذابح ضد اليونانيين والأرمن منذ نهايات القرن الثامن عشر وحتى عام 1915، كما يتناسى أنّ الدولة العثمانية التي استحضرها، أكلت أصحابها وماتت؛ لأنّها كانت إمبراطورية دكتاتورية حدودية تجاوزها الزمن، وسعت الأقليات والقوميات لمصلحة استمرارها فقط، دون أن تعتني بتطوير حياتهم، ونشر التسامح بينهم وتوحيد صفوفهم كبشر، فلم تعرف تركيا كيف تتحول إلى نموذج ديمقراطي حديث، إلا بعد أن أحدثت قطيعة مع كل هذه التركة الثقيلة التي يصرّ أردوغان على بعثها من جديد.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close