من يصلح ( لقيادة العراق ) في المرحلة المقبلة ( الشيعة ) أم ( السنة ) أو ( الكرد )

بقلم : د . خالد القره غولي
( تنبيه ) المقال طويل جدا وهو وثائقي تأريخي موجه للنخب المثقفة ولمن لديه رغبة في الإطلاع
والتثقيف .. الشارع العراقي ( اليوم ) يريد أن يتحدث عن نفسه ، سنترك لكم النظر والتبصر وأنتم تتابعون هذا ( الموضوع ) مقدمين اعتذارنا لهفواتٍ تاريخية قد ترد هنا أو هناك ، سنتجاوزها مستقبلاً بمقترحاتكم بإذن الله .. ومن المحير أنَّ مجلس الحكم الذي اختارته سلطة الاحتلال الأمريكي في عام ( 2003 )
لم يكن صحيحاً أو عادلاً بعد اختيار خمسة من العرب السنّة في المجلس أحدهم من أصل كردي وآخر جنسيته سعودية والثلاثة الآخرون من جنسيات أجنبية أخرى !ولكي لا نذهب بعيداً عن موضوعنا علينا أن نذكّر بأمورٍ عدة .. منها أنَّ العراقيين لم يحكموا بلادهم منذ تحريرها من الفرس في عهد الخليفة عمر بن الخطاب وحتى عام ( 1958 ) فجميع الّذين حكموا العراق كانوا من شبه الجزيرة واليمن والفرس والأتراك والمغول .. بعد تحرير العراق في زمن عمر وما تلاه من صراعٍ مرير بين الحكام والولاة في عصر عثمان وعلي والأمويين والعباسيين والعثمانيين حتى عام ( 1921 ) وإعلان فيصل الأول ملكاً على العراق وهو ليس من العراق أصلاً ، حتى عام ( 1958 ) ونجاح الانقلاب العسكري لعدد من ضباط الجيش العراقي المتأثرين بالمد القومي القادم من مصر بعد نجاح ثورة يوليو ( 1952 ) وتولي عبد الناصر السلطة في عام (1954) إثر إزاحة محمد نجيب ووضعه تحت الإقامة الجبرية وبدء مرحلة جديدة من العلاقات بين الدول العربية لإشاعة العقيدة القومية .. تم استلام السلطة لأول مرة منذ ثلاثة عشر قرناً واستمرار العراقيين بتوليهم السلطة حتى يومنا هذا !
عبد الكريم قاسم وهو أول عراقي يحكم العراق منذ تحريره من الفرس تعمَّدَ إخفاء هويته المذهبية أما الانقلابات والثورات التي حدثت بعده فكانت جميعها سنيّة سواء استمرت لمدة قصيرة كانقلاب 8 شباط أو طويلة كثورة ( 1968) وهي ثورة عقائدية بين قائدين سنييّن فقط
( البكر وعارف ) فأحمد حسن البكر ضابط سنّي من تكريت يسكن في بغداد بحكم عمله انقلب مع مجموعة من القوميين والبعثيين على عبد الرحمن محمد عارف وهو ضابط سنّي من الرُمادي وُلد في الكرخ في بغداد وسكنَ فيها بحكم عمله .. عارف فشلَ في الاستمرار في توليه السلطة بعد مقتل أخيه عبد السلام واحتراق الطائرة التي كان تُقلّهُ في عام 1966 والبكر فشل أيضاً في التمسك بالسلطة رُغم ما قدمه من إنجازات مهمة كالحكم الذاتي للأكراد عام 1970 وتأميم النفط عام 1972 واستحداث خطط التنمية الخمسية لإعمار العراق وغيرها من الإنجازات غير الكافية لصموده أمام انقلاب عام 1979 والإطاحة به بهدوء واستلام السلطة من الفصيل المعارض له ولمؤيديه والالتفات إلى الفصيل اليساري المعارض الآخر داخل صفوف السلطة وما جرى بعده من إعدامات واعتقالات حاسمة وسريعة جداً أفرغت الساحة السياسية العراقية من أي عقل أو عقيدة أو فلسفة أو رأي معارض ، والتفت النظام الجديد إلى إزاحة ومقاتلة أي إتجاه منافس داخلي أو خارجي مهما كان حجمه ، أما ما جرى منذ عام 1980 وحتى عام 2003 فقد عرضه وقدمه آلاف المحللين والسياسيين والمتابعين للشأن العراقي لكنَّ ما فاتهم أو ما أغفله بعضهم بتعمد هو النظر إلى هذا النظام كرمز للسنّة وهو خطأ غير مبرر .. فعقيدة البعث أدخلها إلى العراق شيعي من كربلاء بعد إنهاء دراسته في بيروت ( سعدون حمادي ) والكوادر الحزبية والملاكات العاملة كان معظمها وأشدها تمسكاً هم من الجنوب الّذين أصروا على ضرورة التصدي للمد الشيعي ومؤيديه القادم كالبرق من طهران ! وهكذا كان اندلاع الحرب العراقية الإيرانية في جيشٍ كان تعداد الشيعة فيه أكثر من 80% تصدوا وقدموا تضحياتٍ كبيرة للحد من تقدم الإيرانيين ونشرهم لولاية الفقيه في العراق .. أما السنّة ومع أنَّ عدداً كبيراً منهم كان مشاركاً مع القوات العراقية لكنهم وبعد استمرار الحرب وطول مدتها توزعوا كقيادات وجنود في مواقع الاستخبارات والحمايات وبدأت أعدادهم تقلُّ في الجبهات الأمامية .. التفسير الظاهر أنَّ الحرب لم تكن بين السنّة والشيعة بل بين العراقيين والإيرانيين وهو ما حدا بالحكومة العراقية لإصدار قوانين صارمة أقلها السجن المؤبد والإعدام لمن يثبت تعاونه مع الإيرانيين ، وكان تأثير هذه القوانين كبيراً على الأحزاب المعارضة في العراق ورأس حربتها في قتال النظام آنذاك وهو حزب الدعوة .. وحزب الدعوة أعلنَ تأييده بوضوح للنظام الإيراني قبل بدء الحرب وفي أثنائها ما منح الحكومة العراقية مبرراً كبيراً لمطاردة واعتقال وقتل آلاف المنتمين إلى حزب الدعوة واعتبرت العمل معه أو التعاون مع أيٍ من منتسبيه أو إخفاء أي معلومة عنه خيانةً للوطن يُعاقب عليها بالإعدام ..أما بقية الأحزاب المعارضة منذ عام 1979 أي بعد إسقاط البكر وتولي صدام حسين للسلطة فلم يكن ذو تأثيرٍ يُذكر أو أهمية على مجريات الساحة السياسية العراقية باستثناء المعارضة الكردية وهي متوارثة منذ عقود وتعاونها مع السلطات الإيرانية وهو ما سيتم ذكره في مقالات مفصلة لاحقاً .. بعد عام 1988 وغلق ملف الحرب العراقية الإيرانية خرجَ العراق منهكاً في حقيقته قوياً في ظاهره فقط ، مثقلاً بديون ومحملاً بأعباء حربٍ ذهب ضحيتها بين شهيدٍ وجريحٍ وأسيرٍ ومفقود أكثر من ثلاثة ملايين عراقي ومدن مهدمة بالكامل وعلاقات غير مستقرة مع دول العالم وبالتحديد دول الجوار واقتصاد فقير .. أما نتيجة هذه الحرب فهي توظيف جميع الأحزاب والكتل والعقائد والسياسات المعارضة للنظام وبدء مرحلة جديدة وشاملة وهي التصدي للاعتقاد الخاطئ المتوارث لضرورة إزاحة الحكم السني وبناء معارضة كان ظاهرها يُشير إلى تآلف وجهات النظر لكن الحقيقة كانت غير ذلك تماماً ( باستثناء الأكراد) إذ بدأت المعارضة السياسية لإسقاط الدولة العراقية وحكم البعث مذهبياً بامتياز ويمثل الشيعة المعارضين مع الأخذ بنظر الاعتبار بعض المعارضين السنّة كاستثناء مضحك وغير مهم .. يقول الأستاذ الدكتور علي الوردي عن تأثر العراق بإيران
( بعد أن تحولت إيران إلى التشيع ، أخذت تؤثر في المجتمع العراقي تأثيراً غير قليل ، فقد بدأ التقارب بين الإيرانيين وشيعة العراق ينمو بمرور الأيام، وصارت قوافل الإيرانيين تتوارد تباعاً إلى العراق من أجل زيارة العتبات المقدسة عند الشيعة) أو طلب العلم أو دفن الموتى وغير ذلك ، وقد نشأ في العراق جراء ذلك وضع اجتماعي فريد في بابه هو إن الشيعة الذي يمثلون أكثرية السكان في العراق هم من العرب بينما أكثر علماءهم من الإيرانيين) (1) هذا التحليل المنطقي القديم ينطبق تماماً على ما جرى للشيعة العراقيين بعد الحرب فقد بدأت إيران تُخطط لإسقاط النظام العراقي بكل الوسائل وأهمها عشرات الآلاف من المعارضين في ألوية وفرق عسكرية كان لهم قصب السبق في إسقاط الدولة السنيّة على حسب ما اعتقدوا وليست دولة علمانية لأنَّ قائدها كان سنيّاً .. إيران والعلماء الإيرانيون هم من أسقط الحكم السنّي وليست أمريكا أو بضع معارضين يتجولون بين لندن ومصيف صلاح الدين ممن أوهم الحكومة الأمريكية بضرورة تحرير العراق من التسلط الديكتاتوري منذ أكثر من ثلاثة عقود وبدء صفحة ديمقراطية جديدة تعتمد على دولة المؤسسات والدستور العادل الذي يضمن للجميع حقوقهم بلا فوارق طبقية أو دينية أو أثنية أو مذهبية ، وتنفسَ أغلب العراقيين الشيعة الصعداء حين انتهى حكم السنّة وتسلط صدام حسين ومطاردته وقتله لهم وللمعارضين الشيعة بينما انتشر الرعب والتوقع غير المضمون من مستقبل مستقر بين أغلب صفوف العراقيين السنّة .. ومنذ عام 2003 وحتى عام 2011 وانسحاب القوات الأمريكية من العراق نجح السياسيون الشيعة نجاحاً كبيراً في استبدال وإلغاء جميع القرارات والقوانين والتعليمات والتعديلات التي ضمنت وستضمن لهم حكماً للأغلبية لهم بعد اندحار الحكم السني بلا رجعة .. يقول أحد السياسيين الشيعة من قياديي حزب الدعوة في لقاء مع قناة فضائية أنه وبعض المعارضين في حزبه ممن إختار سوريا ولبنان منفى له .. قاتلوا نظام صدام حسين بكل الوسائل ، الإعلامية والعسكرية والسياسية حتى تمكنوا من إسقاطه ! إنتبهتُ إلى جملة
( بعض المعارضين ) لهذا السياسي ولنقل انهم عشرات او مئات تمكنوا من إسقاط نظام صدام حسين فكيفَ يمكن للنظام الشيعي العراقي الآن أن يتعامل مع أكثر من أربعة ملايين معارض سني يعيشون منفيين ومهجرين في كل بلاد الأرض .. كيفَ يُمكن لهذا النظام العادل أن يُعيد وشائج الانتماء للمواطن السني العراقي ومعاناة ملايين المهجرين والنازحين السنّة المطاردين من القوات الحكومية أينما حلّوا .. أليس لهؤلاء إرادات وألسن حقٍ وصدق ومطاليب عادلة باعتبارهم أبناء العراق .. هذه هي السلطة الشيعية بعد انتصارها على الحكم السني .. ماذا قدمت وهل سنبقى نحنُ أبناء العراق شيعتنا وسنتنا وعربنا وأكرادنا وتركماننا وأدياننا ومذاهبنا ومعتقداتنا ننتظر الفائز في ساحة المبارزة بين السنة والشيعة في الوقت الذي يفترسنا فيه الفقر والنزوح والذل والفساد والخراب والفتنة والدمار .. عراقيون شيعة وعراقيون سنة لكننا ظُلمنا بحكمٍ حولنا إلى دولةٍ تعتاش على النفاق وسلطةٍ حولتنا إلى دويلات غير معلنة ..وللحديث صلة

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close