“أواعدك بالوعد واسگيك يا دارسين”

علي علي

لعلي لست المتعجب والمستغرب والمستهجن والمتسائل الوحيد والفريد، عن تصرفات ساستنا وصناع قرارات عراقنا الجديد، وسلوكياتهم ونفسياتهم، إذ كيف يغمض لهم جفن ويهدأ لهم بال وهم على علم بملايين الأفواه الفاغرة التي قلما تكتمل لديها وسائل العيش بالحد الأدنى، ومن المؤكد ان أصحاب الأمر والنهي في مراكز قيادة إدارات البلد، على دراية بأعداد الأطفال الذين لم يتذوقوا فرحة أعياد رأس السنة، وقبلا لم يكونوا قد شموا رائحة باقي الأعياد، إذ أن كثيرا منهم لم تصلهم (هدوم العيد) ولم يمر عليهم بابا نؤيل حتى في أحلامهم، بعد أن حولها ساسة بلدهم الى كوابيس تقض مضاجعهم، فيما هم محسوبون على بلد يفيض نهراه حبًا وخيرًا وعطاءً، وتتنوع فيه مصادر الخيرات والثروات بما لاتقف عند حد، في باطن أرضه وفوقها، وفي مياههه وجباله وأهواره، ومع كل هذا لم نلمس أي تغيير من الذين يتشدقون بأن الخير آتٍ منذ عام 2003 حتى ساعة إعداد هذا المقال.
وأظنهم قد استهلكوا (السين المستقبلية) والأداة (سوف) من شدة ولعهم بهما وتكرارهم إياهما في كل مقام ومقال وتصريح وحديث ولقاء. وأراهم قد سبقوا بإخلاف المواعيد “عرقوب”، وجاوزت شهرتهم شهرته في المماطلة والتسويف. وعرقوب هذا هو رجل كان يعد الناس ويخلف الوعد ولا يفي به. ومما يرويه التاريخ عنه أن له أخا ذهب إليه يطلب منه شيئاً. فقال عرقوب: إذا أطلعت هذه النخلة فلك حملها. فلما أخرجت طلعها أتاه، فقال له: دعها حتى تصير بلحا. فلما أبلحت أتاه فقال له: دعها حتى تصير زهدا. فلما أزهدت قال له: دعها حتى تصير رُطبا. فلما أرطبت قال له: دعها حتى تصير تمرا. فلما أتمرت قام عرقوب بجذّها بالليل قبل أن يأتي أخوه في الصباح. فلما جاء أخوه في الصباح ليأخذ التمر لم يجد شيئا، ولهذا قالوا فيه: مواعيد عرقوب. وأرى أن الحكومات المتعاقبة على العراق دأبت على رفع سقف الوعود، وإبعاد تنفيذها قدر مااستطاعت، وأراها تجسد قول كعب بن زهير:
صارت مواعيد عرقوب لها مثلا
ومـا مواعيدها إلا الأباطيل
فليس تمسك ميعادا إذا وعدت
إلا كما تمسك الماء الغرابيل
كذلك هناك من الشبه الكثير بين أولي أمرنا من الساسة الحاكمين في مفاصل البلد، وبين قصة “كمون”..! وكمون هذا نبات لايحتاج من السقي إلا قليلا, فكان الفلاحون يتجاوزونه عند سقيهم مزروعاتهم. وتزعم الحكاية ان كمون احتج مرارا وتكرارا، وطالب بالعدالة ومساواته بباقي المزروعات في السقي، وكان الفلاحون يعدونه خيرا. إلا أنهم ينكثون الوعد دائما، وقد قال شاعر في هذا:
لاتدعني ككمون بمزرعة
إن فاته الماء أغنته المواعيد
وهذا عين مايفعله القائمون على حكمنا، حتى كأنهم يخاطبون المواطن بمثلنا الشعبي؛ “أواعدك بالوعد واسكيك ياكمون”. ومن الغريب والعجيب أيضا، أن المماطلين بالمواعيد لايهمهم ما يعانيه المواطن من شظف في عيشه، وتدن في أبسط مستحقات المواطن وحقوق المواطنة، وهو الذي انتخبهم في عرس انتخابي ثلاث مرات، وقد دفعوه قسرا الى الندم على ماوضعه في صناديق الاقتراع، وصار يطلق الزفرات والحسرات على شخصية او قائمة او كتلة، كان قد وضع أمامها علامة (صح)، فهو يردد اليوم:
بيه حسرة بگد مواعيد الغرام
من اهدهه بوجه واحد يشتعل
وعندي دمعة بعيني اذا ادنگ تطيح
وعندي قصة ضيم ابد ماتنحمل
ولعل المواطن بح صوته، كما بح صوت “أولي أمره” من قبل، في الاستغاثة وطلب النجدة، وأظن مثله الشعبي عن الكمون سيأخذ مسلكا آخر ووجهة أخرى لندائه، فبعد أن أطبق اليأس من ساسته على فسحة آماله وضيق عليه عيشه، ومادام التغيير لا يغير شيئا إلا صوب الأسوأ، ومادام الكمون يبقى بعيدا عن السقي والري، فإن المثل هذا العام سيكون: أواعدك بالوعد واسگيك يا دارسين.
aliali6212g@gmail.com

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close