(( السياسة )) امرأة عاهرة تبحث عن شرف

بقلم : د . خالد القره غولي ..
قد يستغرب البعض ويسأل لماذا لا تهتم بالعملية السياسية العراقية ولم نجد لك حضور ما بين الكتل والاحزاب والتحالفات الجديدة قبيل الانتخابات القابلة المقبلة .. وللإجابة على هذا السؤال غير الشرعي وكي لا نطيل في سرد تأريخ السياسة في العراق وما عاناه العراقيون من ظلم ٍ كبير منذ بدء الخليقة وحتى عصرنا هذا .. علينا أن نبين بإختصار تأريخ النزوح الحديث في العراق وفي بعض الدول العربية، تحديداً منذ بداية القرن العشرين ، العثمانيون بعد أن هُزموا جراء تأييدهم للألمان في الحرب العالمية الأولى (1914ـــ1918) ودخول القوات البريطانية إلى العراق وإحتلالها له بصورة تامة في عام 1917 ووصول قوات الإحتلال البريطاني إلى الموصل وما سبقه من إحتلال لأغلب مدن العراق بدءاً من البصرة ومروراً في بغداد أحالوا العراق إلى سهلٍ للخراب وفريسة هشة للطامعين .. ولم يكن للأنظمة العربية جميعاً الدور المشرف أو المناهض لموجات النزوح التي حدثت وكانت بدايتها منذ عام 1917 في فلسطين( وعد بلفور ) وإجبار العصابات الصهيونية للفلسطينيين ترك منازلهم وقراهم حتى عام 1948 وهزيمة الجيوش العربية بعد قرار التقسيم وشروع سكان الأراضي الواقعة تحت السيطرة الصهيونية المطلقة بالهجرة إلى البلدان العربية المجاورة ( الأردن ، لبنان ، سوريا ، مصر ، العراق ) أما في عام 1967 وبعد نكسة حزيران وإحتلال الجيوش الصهيونية لأرض فلسطين وسيناء والجولان فقد تحول الأمر إلى كارثة بعد هجرة أكثر من نصف الشعب الفلسطيني إلى خارج أرضه وسكن 75% منهم في الأراضي الأردنية وبدأت هذه النسبة بالإنخفاض حتى وصلت إلى 30% بعد أحداث أيلول 1970 والمعارك المؤسفة بين الجيش العربي الأردني ومنظمة التحرير الفلسطينية ، في لبنان تكرر نفس السيناريو في سنوات الحرب الأهلية ( 1975-1990 ) لكن الإخراج كان بشكل مختلف ٍ تماماً فلبنان أحد الدول الفرانكوفونية لذلك هاجرت آلاف العوائل اللبنانية إلى فرنسا وحصل من كان يرغب منهم على الجنسية الفرنسية ، والأشقاء اللبنانيون مازالت أعداد كبيرة جداً من أبناء وأحفاد معاصري هذه الحرب يعيشون في كل دول العالم وبعضهم يحمل الجنسية فقط لكنه لم يرَ بلده أبداً ، في عام 1990 نزح أغلب الأشقاء الكويتيين إلى خارج وطنهم بعد الغزو العراقي للكويت لكنهم عادوا جميعاً إلى الكويت بعد تحريرها في عام 1991 ، في الصومال وتحديداً في بداية التسعينيات أيضاً وبسبب نشوب حرب الفقراء إضطر الصوماليون للنزوح والهجرة للنجاة بأنفسهم حتى يومنا هذا ، أما في العراق فمسلسل النزوح والهجرة بدأ في منتصف سبعينيات القرن الماضي حين هاجر أهالي قرى وقصبات ونواحي وأقضية ومدن بأكملها إلى محافظات أخرى هرباً من الحرب الشرسة بين القوى الكردية المسلحة بقيادة ملا مصطفى البارزاني وبين الجيش العراقي وإتجهت قوافل النازحين بمعظمها إلى الرُمادي وإستقرت في مدنها حتى نشوب الحرب الأخيرة .. في عام 1987 بدأت قذائف وقنابر وقنابل وقصف وصواريخ الإيرانيين تصل إلى مركز مدينة البصرة ، ما أضطر أهلها للنزوح إلى أغلب مدن العراق وكان للرُمادي حصة كبيرة في إستقبال أبناء عمومتهم ، في عامي 1991 و2003 وجراء تعرض بغداد للعدوان الأمريكي ومن ثم إحتلال بغداد نزحت العوائل البغدادية متجهةً إلى مناطق عدة كان للرُمادي بطبيعة الحال حصة الأسد منها في إستقبال أخوانهم من بغداد .. في بداية عام 2014 بدأت حربٌ من نوع ٍ آخر لم يشهده أبناء الرُمادي ، فهي حرب بلا سبب وقعت فوق رؤوسهم ومزقت حواضرهم وحولتهم إلى لاجئين ونازحين ، في بداية الحرب إتجه أهلنا في الفلوجة وبعض المناطق في الرُمادي ، نازحين من مدنهم إلى مدن العراق في بغداد و كردستان و ومدن أخرى ، وبعدها بأشهر ومع شدة المعارك زاد عدد العوائل النازحة من الرُمادي ومدنها ولم تقف موجة النزوح يوماً واحداً ! ما الفرقُ إذن بين ما حدث من نزوح وما يحدث الآن في موجة النزوح الشاقة والمأساوية .. قبل أشهر كانت أكثر الطرق والمنافذ متيسرة للدخول إلى بغداد أو الجنوب أو الذهاب إلى شمال العراق أو السفر إلى الأردن أو تركيا عن طريق البر.. ولا توجد مخاطر تُذكَر بعد الخروج من جحيم المعارك الدائرة داخل البيوت والمدارس والشوارع والكليات والدوائر والحدائق والجوامع .. في الأيام الأخيرة تطوق أهل الرُمادي بحزام الموت داخل مدينتهم لأنَّ مساحة المعركة أصبحت بالأمتار وعندما نقول بالأمتار نعني إستخدام جميع أنواع الأسلحة ، السيارات المفخخة ، قصف الطائرات ، قصف الراجمات ، قصف الدبابات والمدرعات وقذائف الهاون ومقاومة الدبابات والصواريخ والأسلحة المتوسطة والخفيفة والحرب النفسية وإنعدام الخدمات ، كل هذا تحمّله أهل الرُمادي وحين ضاقت عليهم الأرض وبدأت نار الحرب تقع في بيوتهم وعلى رؤوسهم مرعبةً الأطفال والنساء والشيوخ ، بدأوا النزوح خارج الرُمادي في طريق ٍواحد ومنفذ ٍ خشبي واحد .. مسافة تتجاوز أكثر من 300 كم بعد أن كانت 50 كم قبل الحرب للوصول إلى هذا المعبر أما وقت الوصول فرَهينٌ بالظروف فالّذين يملكون سيارات شخصية والشوارع سالكة نوعاً ما فثلاث ساعات كفيلة بالوصول وأكثر من نصف الطريق ترابي ، أما من لا يملك سيارة أو وسيلة وصول ( الإنتقال من واحدة ٍ لأخرى ) أو سيراً على الأقدام لبعض المسافات أو إنتظار حظه ودوره في نقله مع عائلته فمن الممكن أن يبقى يوماً أو يومين كي يؤمن الوصول إلى معبر .. وجميع النازحين في الوقت الذي يصلون فيه إلى المعبر من جهته الغربية تبدأ معاناتهم مع ( فيلق!) حراسة الجسر وقيادة قوات بزيبز ! فمئات الجنود والمدرعات وناقلات الأشخاص ومختلف أنواع الأسلحة تُوجه وتُشهر عليهم لمنعهم من العبور أو عرقلة أو تأخير عبورهم ، أما المراحل الأخرى بعد العبور فلها حديثٌ آخر .. فمعاناة نازحي الرُمادي لا تُقارن بمعاناة موجات النزوح التي تم سردها بإختصار ، صحيح أنَّها تحمل نفس المعاناة ، لكنَّ المعاناة تزداد حين تجدُ أنَّ كلَّ الطرق والشوارع والمنافذ قد ألغيت وأبناء وطنك يتصدون لك بينما وقفَ العالمُ كله بدوله وحكوماته ومنظماته مع النازحين ومنهم النازحون في سوريا ، بإستثناء النازحين من الرُمادي ، نحنُ لانكتب عن هذا الموضوع لأنني من أبناء الرُمادي بل دفاع عن الحق ضد الباطل فمهما يكن فالّذين يتعرضون لهذا الظلم والهوان وتعمد الإذلال هم بشر فكيف إذا كانوا من أبناء وطني وأهل مدينتي الخالدة الرُمادي وأكثرهم من النساء والمرضى والشيوخ والعجائز والأطفال ولله الأمر

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here