الصراع على الموارد الاقتصادية في العراق ونقد المعادلة الصفرية (2)

د. بارق شُبَّر*: 1. المقدمة
العقل اساس وجود الانسان والذي يميزه عن بقية الكائنات الحية. بهذه الاضاءات المعرفية اسس الفليسوف الفرنسي ديكارت (1596-1650) للمدرسة العقلانية في العلوم الاجتماعية ثم اتبعه الفيلسوف الالماني عمانوئيل كانط (1724-1804) ليؤسس للنقد الفكري والاجتماعي كأداة لتطوير المعرفة الانسانية وشرطاً أولياً ومبدئياَ لتطور الفكر وتقدم المجتمع وازدهار الحضارة الانسانية i. وبذلك بدأت حقبة جديدة في تاريخ الانسان، الا وهي مرحلة الحداثة.
هذه الورقة يراد منها مساهمة متواضعة في مواصلة مسيرة الفكر الحداثوي في العراق التي بدأها عالم الاجتماع العراقي الراحل على الوردي (1913-1995) ومن خلال التركيز على النقد الفكري والاجتماعي بدلاً من التركيز الممل على نقد الحكومات المتتابعة لتبيان عيوبها وفشلها كما تفعل شريحة معينة من المثقفين العراقييين تسمي نفسها “بالمثقف المستقل” لتمييز نفسها عن مايسمى بــ” المثقف التابع” للسلطة. الا ان التجارب اثبت ان كلاهما يتبع ايديولوجيات متصارعة. تسعى الاولى الى الاستيلاء على السلطة بينما تمارس الثانية تبريرها والحفاظ عليها. تتبنى هذه الورقة الفرضية القائلة بأن الحكومة تعكس تركيبة المجتمع التي تتكون من قوى هدامة(Destructive) وقوى بناءة (Constructive) والتي وللأسف تمثل الاقلية في المجتمع العراقي وحكومته حاليا، وكما توجد في المجتمع قوى خيرة، نجد ايضا في مفاصل الدولة الثلاثة قوى نيرة تسعى الى الدفاع عن الصالح العام ينبغي دعمها من قبل المثقفين العراقيين.
قبل اكثر من 7 سنوات كتبت خاطرة اقتصادية حول نفس الموضوع نشرت في جريدة العالم البغداديةii اشرت فيها الى ان الصراع على الموارد في العراق الحديث منذ تأسيس الدولة العراقية دار وما ايزال يدور على ثلاثة محاور رئيسية ترتبط فيما بينها بعلاقات جدلية معقدة. وهي:
1. الصراعات على المستوى الدولي ذو البعد الجيو استراتيجي بين الاستعمار البريطاني السابق والعراق وخصوصا خلال الفترة 1917-1958 ومن بعد ذلك بين الدولة العراقية الحديثة ومعظم الدول الكبرى الرأسمالية تحت قيادة الولايات المتحدة الامريكية، وتتركز على موارد العراق النفطية وموقعه الاستراتيجي.
2. الصراعات على المستوى الاقليمي وعلى مدى التاريخ ومنذ الحضارات القديمة (السومرية والاشورية والبابلية والفارسية) ومن ثم دولة الخلافة الاسلامية والدولة الاموية والعباسية والعثمانية والصفوية والتي تستمر حتى يومنا هذا وبعد اعلان الدولة الحديثة في تركيا وايران بأشكال جديدة ومنها على الارض والحدود والموارد المائية. وكذلك مع بعض الدول العربية حتى الماضي القريب على الارض والحدود (مع الكويت والسعودية والاردن)، وعلى طبيعة المشروع الوطني العراقي المنافس للمشروع القومي العربي وفق الشعار الايديولوجي “امة عربية واحدة ذات رسالة خالدة” وخصوصا خلال الفترة 1958-1963 (مع سوريا ومصر). ثم عاد هذا الصراع بعد التغيير في عام 2003 بثوب ايديولوجي جديد وبُعد طائفي مقيت تحت مسمى “الهلال الشيعي”.
3. الصراعات على المستوى الوطني وتتخذ بعدين. الأول، عمودي بين السلطة وبقية الشعب قبل 2003 من ناحية، وبين المركز واقليم كردستان والمحافظات بعد 2005 من ناحية اخرى. والمستوى الثاني افقيً بين الافراد والمكونات وشرائح المجتمع العراقي، وهو موضوع هذا البحث المتواضع الذي سيكون محددا بتحليل العوامل السوسيو-اقتصادية للصراع واعرضه كأفكار أولية للنقاش مع الباحثين الاكادميين والجمهور المتخصص. لا ادعى الكمال، وانما آمل ان يكون حافزاً للباحثين العراقيين في الجامعات ومراكز البحوث على التوسع والتعمق في دراسته.
2. الإطار النظري للمعادلة الصفرية
لاينفرد المجتمع العراقي في ظاهرة الصراع على الموارد الاقتصادية الشحيحة، التي تلازم تاريخ الانسان والامم منذ القدم، حيث قادت وما اتزال تقود الى حروب وصراعات دموية داخلية وخارجية على مدى التاريخ بسب فشل الانسان وعجز الحكام والنخب السياسة في ادارة هذه الصراعات سلميا. ويوحي المشهد العراقي الحالي بالتشابه الشديد مع الاوضاع التي كانت سائدة في انكلترا في القرن السادس عشر والتي وصفها الفليسوف الانكليزي توماس هوبس (1588-1679) Thomas Hobbes بحرب الكل ضد الكل، وذلك من منطلق نظرته الى طبيعة الانسان بكونه اناني، يفكر بنفسه فقط ويتصرف امام اخيه في الخلق كالذئب المفترس. وعلى هذا الاساس استنبط هوبس عمله الفلسفي حول ضرورة تأسيس الدولة، في كتابه الموسوم “الليفياثان” Leviathan الذي يقترح به انهاء الحروب بين افراد المجتمع من خلال التأسيس لدولة قوية تشابه شكل حيوان خرافي كبير ومخيف، بحيث يهزم الذئاب ويحيّدها. كان هوبس مطلعا على اطروحات نقولا ميكافيللي (1469-1527) فيما يخص الدولة والحاكم الذي يستولي على السلطة بالقوة والوسائل التي تبرر الاحتفاظ بها في كتابه المشهور “الامير”. لكنه وعلى عكس ميكافيللي أشترط هوبس ان يكون الحاكم مختارا من الشعب وان يلتزم الشعب بأحكامه.iii
في القرن العشرين توجهت العلوم الطبيعية والانسانية (الرياضيات والاقتصاد والعلوم السياسية) في الدول المتقدمة الى الاهتمام بظاهرة الصراعات بين افراد المجتمع من جديد وفق مفهوم المعادلة الصفرية أو اللعبة الصفرية كما يترجمها بعض الباحثين العرب وعالجتها في إطار نظريات اللعبة (Game Theories) ونظريات الصراعات(Conflict Theories) وكذلك في إطار بناء نماذج اقتصادية قياسية (Econometrics)
تعد نظريات اللعبة بالأساس جزأً من علم الرياضيات وتبحث في خيارات قرار اللاعبين المتصارعين (افراد، مجموعات، قبائل، ودول) على الموارد الاقتصادية والتي بموجب تعريفها (ex definition) شحيحة ومحدودة الحجم أو القيمة حسب الزمان والمكان وغير قابلة للزيادة. أما في حالة وفرتها فلا تعتبر موارد اقتصادية ولا يوجد صراع حولها لأنها متوفرة للجميع ومن دون مقابل مثل الهواء ومياه البحار والمحيطات. واما الانهار فيختلف مدى توفرها حسب المكان والزمان، كما هو الحال مع مياه دجلة والفرات والتي لم يدور عليها صراع في الماضي ولكن متصارع عليها حاليا بين العراق وتركيا وسوريا؛ وكما هو الحال مع نهر النيل المتصارع عليه بين مصر والسودان من جانب واثيوبيا من جانب اخر.
يمكن توضيح معنى المعادلة أو اللعبة الصفرية وبشكل مبسط بأنها صراع استراتيجيات متضادة لطرفين في اللعبة تكون النتيجة الحتمية فوز أحد الطرفين بكامل المورد (+1) وتعني خسارة الطرف الثاني بالكامل (-1) فسوف تكون النتيجة صفر (+1+-1 = 0). وتجد هذه اللعبة تطبيقاتها في مجالات عديدة من الحياة، كالمنافسات في الالعاب الرياضية والصراعات التجارية والسياسية والدينية والطائفية وفي العلوم المختلفة مثل علم الرياضيات، الذي يعتبر المرجع الرئيسي، وعلم الاقتصاد والاجتماع والعلوم السياسية.iv وتنطوي اللعبة ايضا على احتمال تعادل أو خسارة الطرفين كما هو الحال في اللعبة الرياضية مثل كرة القدم حيث ستكون النتيجة ايضا صفر. اما في السياسة فيمكن ان يخسر الطرفين المتصارعين، كما يعتقد الاستاذ المساعد للعلوم السياسية في جامعة الكوفة د. اياد العنبر في تحذيره من استمرار الصراعات الاثنية والطائفية ما بعد الانتصار داعش، حيث سيكون الجميع خاسراً فيها ولا يوجد رابح، ثم يستدرك بأن الفائز الوحيد في هذه الحالة سيكون من يسكن قصور المنطقة الخضراءv بمعنى ان أطراف اللعبة هم الشعب بجميع مكوناته (الخاسر) من جانب والطبقة السياسية الحاكمة في المنطقة الخضراء (الرابح) من جهة اخرى.
البدايات النظرية تعود الى العمل الريادي لعالم الرياضيات الهنغاري الامريكي جون فون نويمان (1903-1957) (John von Neumann) في عام 1928 واثباته لصحة نظرية الحد الأدنى والأقصى (Min-Max-Theorem)في وجود استراتيجية مثلى للربح والخسارة في إطار اللعبة الصفرية. وفي عام 1944 وبالمشاركة مع عالم الاقتصاد اوسكار مورغنشتيرن (Oskar Morgenstern) أصدر كتابه الموسوم نظرية اللعبة والسلوك الاقتصادي (The Theory of Games and Economic Behavior) والذي يعتبر المرجع الاساسي لهذه النظرية.vi
ثم أكمل المسيرة العلمية في هذا الميدان عالم الرياضيات الامريكي جون فوربيس ناش (1928-2015) John Forbes Nash Jr.) ( في إطار رسالته لنيل درجة الدكتوراه في عام 1950 من جامعة برنستون الامريكية تحت عنوان “اللعبة المتضادة”(Non-cooperative Games)vii بمعنى غياب التعاون بين اللاعبين، وهو النوع المهيمن من اللعبة الصفرية في الاعمال الاكاديمية النظرية وخصوصا في تطبيقات علم الاقتصاد الجزئي(Microeconomics) viii على سبيل المثال بين شركتين تحتكران السوق كل واحدة منهما تحاول توسيع حصتهما على حساب الاخر. او في تطبيقات العلوم السياسية بين الاحزاب وتجمعات اللوبي في الدول المتقدمة وبين الافراد والمكونات الاجتماعية كالطوائف والقبائل وحتى افراد العائلة الواحدة في الدول النامية كالعراق.
ومع بداية سبعينيات القرن الماضي تزايد الاهتمام الأكاديمي بنظريات اللعبة وكثرت تنوعاتها وتطبيقاتها في مختلف مجالات البحث العلمي، ونجح 8 علماء في حصاد جائزة نوبل في علم الاقتصاد والرياضيات، ومن بينهم جون فوربيس ناش في عام 1995 وبعد 40 عاما من صدور منتجه العلمي المشار اليه اعلاه.
يعتقد الزميل د. فاضل رضا في رسالة شخصية بتاريخ 16/12/2017 علق فيها على مقالي المنشور في جريدة العالم والمذكور سابقا، بأن نظرية جون فوربيس ناش تنطبق على طبيعة الصراعات الدائرة على الموارد في العراق بسبب غياب التعاون بين اللاعبين، حيث يستبعد وجود العقلانية في سلوكهم وفي قراراته، وبسبب ذلك يصعب الوصول الى حلول تعاقدية ضمنية بين الاطراف والتي تحقق حالة التوازن وفق نظرية ناشNash equilibrium ix
اكتفي بهذا القدر من النقاش النظري حول جانب واحد من نظريات اللعبة وهو اللعبة بين الاطراف غير المتعاونة(Non-cooperative Games) في إطار هذا البحث، والذي لا يسمح بعرض ومناقشة التطورات الكثيرة اللاحقة في هذا الحقل. وللأسف لا تتوفر لدي معلومات عن مدى النشاطات البحثية في الجامعات العراقية ومراكز الابحاث الاستراتيجية التي بدأت بالتكاثر السريع كالفطر حول هذه النظريات وتطبيقاتها في الاختصاصات العلمية المختلفة في العراق. ولايسعني الا مناشدة زملائي الباحثين في الجامعات الى الاهتمام بهذا الموضوع الحساس كوسيلة منهجية علمية لتفكيك وتحليل الصراعات الاجتماعية الدائرة حاليا في العراق، وصياغة الاستراتيجيات لفضها سلميا، بعد ان فشلت النخبة السياسية في ايجاد حلول ناجعة ومستدامة لحلها بدلاً من المحاصصة الطائفية والعرقية والحزبية المتخلفة وعلى اساس الولائات وليس الكفاءآت.
3. الطبيعة الريعية للمجتمع العراقي
يركز بعض الباحثين الاقتصاديين العراقيين نقدهم على ظهور الدولة الريعية ودورها في تشويه بنية الاقتصاد العراقي، وهذا ليس محل خلافي معهم. ولكن في المقابل يهملون الجانب الاجتماعي، او ما يمكن وصفه بـمفهوم “المجتمع الريعي” والذي اعتبره متلازماً مع مفهوم “الاقتصاد الريعي”. وارى ان مفهوم “المجتمع الريعي” يمثل الاداة النظرية العلمية لتحليل الصراعات الدائرة في العراق منذ تأسيس الدولة العراقية وحتى الوقت الحاضر.
في قناعتي وضع عالم الاجتماع العراقي الراحل د. علي الوردي اللبنات الاولى لدراسة ظاهرة المجتمع الريعي من خلال تشخيصه وتحليله للصراع بين قيم البداوة والحضارة في المجتمع العراقي. وتكتسب مفاهيمه النظرية التي استعملها كأدوات للتحليل السوسيولوجي مثل “التغالب” و”الغزو” و “الغنيمة” وفرضيته حول “التناشز الاجتماعي” أهمية خاصة في هذا الإطار النظري العلمي.x.
لقد قدم الوردي لنا وصفاً موجزاً وشبه دقيق للحياة الاقتصادية في المجتمع البدوي والتي تقتصر على الرعي (اقتصاد الكفاف) كوسيلة بدائية تلبي بالكاد متطلبات العيش والبقاء على الحياة، ولكنها تعجز في الكثير من الاحيان عن ذلك مما يؤدي الى ظهور المجاعات ويقود الى ظاهرة الغزو كأداة للاستحواذ على ممتلكات القبائل الاخرى أو فائض الانتاج في المجتمعات الزراعية والمدن المجاورة للصحراء. ومن خلال دراسته النقدية لمنظومة القيم في المجتمع البدوي من قبيل التغالب والعصبية والمروءة واحتقار الحرف المهنية والافتخار برفض دفع الضرائب للدولة، وتعارضها مع القيم الحضارية من قبيل التزام الفرد والمجتمع بمعايير الاداء الانتاجي والتنظيم والابتكار واخلاقيات العمل.
الصراع بين قيم البداوة والحضارة يعكس من منظوري الصراع بين منظومة قيم الاقتصاد الريعي مع منظومة قيم الاقتصاد الانتاجي الحديث (اقتصاد السوق) وهذا بالضبط ما يتسم به الواقع الاقتصادي العراقي الحاضر من تخلف واختلالات هيكلية، حيث نشهد يومياً الممارسات الريعية التي تتخذ شكل ” ألغنيمة الحديثة” كالإتاوات والرشوة والمحسوبية واهدار المال العام. وتجد هذه الممارسات تبريراتها الثقافية باللجوء الى القيم البدوية التي لاتزال متجذرة في مختلف شرائح المجتمع العراقي ولكنها تظهر بأثواب جديدة مثل المقولة “رجّال الذي يعبي بالسْكَلة رﮔي” والتي يمكن تفكيكها بمساعدة مفاهيم الوردي، مثل الرجولة=المروءة، والغزو=سرقة املاك الاخرين والغنيمة=الاستحواذ على منتوج الاخرين “الركي”. ويمكن القول ان انتشار الفساد المالي والاداري في مفاصل الدولة لم يأتي من فراغ وانما كنتيجة للمنظومة القيمية في المدن العراقية والتي لاتزال واقعة تحت التأثير المتزايد بالقيم البدوية والريفية، وغياب الدولة القوية بمفهوم الفيلسوف الانكليزي توماس هوبس وايضا بمفهوم عالم الاجتماع العراقي علي الوردي والذي استند في اطروحاته على نظرية ابن خلدون.
وما يزيد الطين بلة هو الترويج لأفكار الاقتصاد الشعبوي من قبل بعض سياسي الصدفة من قبيل المطالبة بتوزيع الريع النفطي على افراد الشعب العراقي بحجة ان الدستور افتى بملكية الشعب للنفط. وفي الوقت الحاضر تجابه محاولات الحكومة لجباية رسوم استهلاك الكهرباء معارضة شديدة من قبل شرائح مجتمعية ريعية وبدعم من بعض السياسيين في المحافظات تحت شعارات شعبوية تدعي نصرة الفقراء.
كما يمكن القول ان مشروع الحداثة الذي دخل الى العراق بقوة في خمسينيات القرن الماضي ومعه منظومة القيم المدنية والحضارية التي تبنتها الطبقة الوسطى المنتجة تعرضت للنكوص والتراجع امام منظومة القيم البدوية والعشائرية ومع توسع التغيرات الديموغرافية ترييف المدن في نهاية سبعينيات القرن الماضي وبالتحديد منذ عام 1979 ومع استيلاء الجناح الريفي العشائري لحزب البعث على السلطة. ومعها تغلغلت القيم الريعية في مفاصل المجتمع العراقي واصبحت المهيمنة على حساب قيم الاداء الانتاجي واخلاقيات العمل التي كانت تتسم بها الطبقة الوسطى المنتجة والتي اصابها التهميش والتهجير الى خارج العراق بعد تأميم الصناعة الوطنية في عام 1964 واستمرت عملية التهجير وعلى نطاق اوسع مع بداية ثمانينيات القرن الماضي، واجبرت على البحث عن اوطان بديلة تمارس فيها بحرية نشاطاتها الاقتصادية والاستثمارية.
بيد ان انتعاش الدولة الريعية من جديد بعد التغيير في عام 2003 ورفع الحصار الشامل عن العراق، أي عودة العراق الى سوق النفط الدولية وارتفاع اسعار النفط حتى منصف عام 2014، ولَّد طبقة وسطى جديدة طفيلية تعتاش على الريع النفطي وتتكون بالدرجة الاولى من الموظفين في اجهزة الدولة والتي وصلت اعدادهم الى حوالي 6 ملايين بما في ذلك 1,5 مليون متقاعد عدا المستلمين لرواتب الحماية الاجتماعية. كما ولدت الدولة الريعية الجديدة بعد 2003 شريحة واسعة من الاغنياء الجدد من مقاولين لتنفيذ المشاريع الحكومية بالإضافة الى طبقة تجار الاستيراد والذين يتمتعون بنفوذ واسع في مفاصل الدولة.
كما تكتسب فرضية الوردي حول “التناشز الاجتماعي” في العراق أهمية كبيرة في تفكيك ظاهرة المجتمع الريعي. لقد اضاف الوردي هذه الفرضية خلال مرحلة بحثه المتقدمة الى الفرضيتين الاساسيتين في مرحلته المبكرة وهما “ازدواج الشخصية” و “صراع البداوة والحضارة” ومن منظوري تمثل أداة نظرية حادة لتفسير ظهور المجتمع الريعي في العراق الحديث والذي يمثل وجه العملة الآخر لمفهوم الدولة الريعية. يقول الوردي “إن المجتمع العراقي في مرحلته الراهنة يعاني من تناشزات عديدة، وقد أحصيتها ذات مرّة فوجدتها تزيد على الاربعة عشر تناشزاً، وربما كانت هي أكثر من ذلك” ثم يختار “تناشز الحقوق والواجبات” كمثال على ذلكxi.
“عندما جاءت الحضارة الحديثة الينا جلبت معها مفهوماً للعلاقات الاجتماعية يختلف عن المفهوم الذي اعتدنا عليه سابقاً، وهو مفهوم “الوطن” بدلاً من مفهوم “العشيرة” أو “المحلة”، وصارت الحكومة {الدولة} بمؤسساتها وقوانينها هي التي يجب ان يخضع اليها الفرد بدلاً من الخضوع للعرف العشائري القديم. وهنا نشأ التناشز الاجتماعي فينا. فنحن حفظنا الحقوق التي لنا على الحكومة {الدولة}، واخذنا نتحمس لها ونهتف بها ونخطب فيها، ولكننا نسينا أن الحكومة {الدولة} لها في نفس الوقت واجبات على الفرد يجب ان نقوم بها”xii
وفي واقع الحال، وبعد مرور حوالي 45 عاماً على هذا التشخيص الرائع والدقيق لعلاقة المواطن بالدولة، نشهد يومياً على شاشات التلفزيون المتحدثين باسم المحافظات والمدن والقرى والعشائر والمواطنين، كمجموعات وكأفراد، يعلنون عن انواع المطالب والاستحقاقات امام الدولة والحكومة، ويطلبون بتنفيذها لأنها مشروعة من وجهة نظرهم ويبررونها تارة بالمظلومية التي وقعت عليهم في السابق والحاضر وتارة اخرى بالحرمان من حقوقهم في الريع النفطي، ولا يتجرأ احدٌ على سؤالهم ماذا تقدمون أنتم لبناء الدولة والاقتصاد. إن التحليل هنا لا يناقش أحقية هذه المطالب من عدمها، ولكن يجب الاشارة الى ان المواطنين الذين يلتزمون بتنفيذ واجباتهم امام الدولة والمجتمع يمثلون أقلية أمام الغالبية ذات الميول الريعية. ونرى اعداداً كبيرة من العاملين في اجهزة الدولة الحكومية والتشريعية، يتهربون من أداء واجباتهم ويتقاعسون عن تنفيذها، ولكنهم يستلمون رواتب وامتيازات مجزية من الدولة، أي دخل من دون عمل انتاجي يذكر وهو ما يمثل الريع بالمفهوم الاقتصادي.
ويتضح من ذلك إن النظرة السائدة الى الدولة من قبل شرائح واسعة من المجتمع العراقي ومن العديد من أفراد الطبقة السياسية الشعبوية، هي ان تقوم الدولة بوظيفة شيخ القبيلة الابوية، الذي يوزع الغنيمة على افراد عشيرته. والغنيمة في الدولة العراقية الحديثة هي الريع النفطي على مستوى الاقتصاد الكلي، والذي يطالبون بحصتهم فيه من خلال الحصول على جميع الخدمات العامة. وعلى سبيل المثال الصراع الدائر حاليا على الحصول على الطاقة الكهربائية مجاناً او شبه مجانا برغم الدعم الذي تقدمه الدولة والذي يصل الى أكثر من 90% من كلفة الانتاج. ومن الواضح ان بعض السياسيين أدركوا الميل نحو الريعية لدى شريحة اجتماعية واسعة من المهاجرين من الريف الى المدينة والمهمشين اقتصادياً، وأعلنوا المطالبة بتوزيع عائدات النفط نقدياً في محاولة لاستمالة المساكين إليهم.
4. طبيعة الصراعات وادارتها في العراق
في اعقاب انهيار اسعار تصدير النفط الخام في منتصف عام 2014 واستمرار انخفاض موارد العراق من الريوع النفطية وفشل السياسة المالية في تعظيم الايرادات غير النفطية البديلة (ضرائب ورسوم) اشتد الصراع على توزيع هذه الموارد بين اطراف المنظومة الادارية والسياسية للدولة (المركز،الاقليم، المحافظات، المدن، الحكومة، الوزارات ومجلس النواب) من جانب وبين مكونات المجتمع العراقي من جانب أخر.
تنعكس هذه الصراعات على المشهد السياسي الحالي في العراق بشكل واضح الى العيان وتظهر في الكثير من القضايا الراهنة، ابرزها قضية التأخر الكبير في تمرير مشروع قانون الموازنة العامة لسنة 2018 والذي لايزال في الشهر الاول من العام الجديد عالقا في مجلس النواب بسبب الصراعات بين مكونات المجتمع على توزيع الكعكة المتناقصة الحجم. والقضية الثانية التي تتصدر المشهد السياسي منذ سنوات هي الصراع بين الحكومة الاتحادية وحكومة اقليم كردستان على تقسيم الريع النفطي وموارد المنافذ الحدودية وعلى الارض في المناطق المتنازع عليها. واخيرا وليس اخراً الصراع بين الحكومة الممثلة بوزارة الكهرباء وعدد من مجالس المحافظات وشريحة معينة من المستهلكين على استيفاء مليارات الدولارات من رسوم استهلاك الطاقة الكهربائية.
قبل التغيير في سنة 2003 كانت السلطة السياسية تدير الصراعات المجتمعية على الموارد الاقتصادية من خلال استعمال القوة القاهرة، حيث يتم حسمها أما لصالح طبقة معينة (الاقطاعيين والاوليغارشية التجارية) كما كان في العهد الملكي أو لصالح انصار الحزب الحاكم الذي استولى على السلطة بالقوة وفق ايديولوجية الشرعية الثورية أو لصالح شريحة اجتماعية (قبيلة وعشيرة) أو فئة صغيرة (عائلة المستبد بامره) مهيمنة على السلطة بقوة السلاح.
وبالرغم من انتقال السلطة من الاحتلال الامريكي – البريطاني الى الحكومة المنتخبة وفق الدستور الدائم في عام 2005 أي الى الشرعية الدستورية والنظام السياسي التعددي المبني على فصل السلطات واجراء انتخابات برلمانية اتحادية وعلى مستوى المحافظات بهدف التداول السلمي للسلطة فلا يزال المجتمع العراقي والنظام السياسي يعاني من ترسبات الماضي وتأثيراته الريعية على الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. وبحكم الدستور الجديد لم تلجأ الحكومات المتعاقبة منذ 2005 الى استعمال القوة القاهرة لحسم الصراعات على الموارد، ولكن الصراعات المجتمعية، والتي ترجع جذورها الى بدايات الدولة العراقية، وكما وصفها الباحث والكاتب الاقتصادي الزميل د. على مرزا، بالشرخ الاجتماعي xiii لاتزال تتحكم في المشهد السياسي العراقي، وفي تقديري بقوة اكبر من السابق ويمكن تصنيفها كلآتي:
صراعات على المستوى العمودي قبل التغيير في 2003 بين الماسكين للسلطة وبقية الشعب وبعد تشريع الدستور وانتخاب الحكومة الشرعية في 2005 بين الحكومة الاتحادية التي يفترض ان تكون الممثلة للمصالح الاقتصادية العامة وحكومة اقليم كردستان التي تمثل مصالح الاقليم الخاصة حول توزيع الريع النفطي (النسبة في الموازنة 17% أو 13 % ورواتب الموظفين والبيشمركة، أو تعاقد حكومة الاقليم مع شركات نفطية دولية لاستخراج النفط وتصديره او تهريبه من قبل حكومة الاقليم بدلاً من وزارة النفط الاتحادية) وكذلك على موارد المنافذ الحدودية وعلى الارض وحقول النفط في كركوك وبقية المناطق المتنازع عليها. كما تجدر الاشارة الى الصراعات بين الحكومة الاتحادية ومجالس بعض المحافظات الجنوبية والمحافظات الغربية على توزيع الريع النفطي وبحجة المحرومية والمظلومية وضرورة اعادة اعمار المناطق المتضررة من الارهاب الداعشي.
صراعات على المستوى الافقي بين مكونات المجتمع العراقي من عرب، أكراد، سنة، شيعة، تركمان، مسيحيين قبائل، عشائر متقاتلة في البصرة والعمارة، سجناء ومعارضين سياسين في النظام السابق، سجناء مخيم رفحا في السعودية، ضحايا الحروب والارهاب، قبل وبعد 2003، المتقاعدين، حاملي البطاقة التموينية، اصحاب بسطيات واكشاك متجاوزين، واخيرا وليس اخراً أساتذة الجامعات بسبب مشروع قانون الضمان الاجتماعي الذي يقلص امتيازاتهم ولكن يمنح العاملين في القطاع الخاص راتب تقاعد إسوةً بالموظفين الحكوميين.
من الواضح ان كل هذه الصراعات تظهر كفوضى اقتصادية و اجتماعية وسياسية عارمة وكأن الكل يتحارب مع الكل وفق قانون الغاب، وان الطبقة السياسية المهيمنة على مفاصل الدولة ومعظمهم من “الحرس القديم” والذين يصفهم بعض المحللين السياسين بـ “ديناصورات السياسة” تفتقد الى الوعي والى القدرة على الادارة الرشيدة للصراعات المجتمعية وتتصرف بدورها على نحو يؤشر بفقدانها الكلي للشعور بالمسؤولية، كما نرى في تعطيل قانون الموازنة العامة لسنة 2018، وفق منطق المعادلة الصفرية لتحقيق مصالحها الشخصية والفئوية والمناطقية على حساب المصالح الاقتصادية العليا للمجتمع والدولة، مما يعني ان كل من الاطراف المتصارعة يسعى الى الفوز بحصة اكبر (+1) من الموازنة على حساب اطراف اخرى (-1). وفي حالة الاتفاق بين هذه الاطراف المتصارعة على تقسيم الغنيمة (الريع النفطي) في اطار الحلول الوسطية التقليدية، والتي سوف اتعرج عليها لاحقاً، فإنه يتم لصالح مجموعات طبقية ومناطقية لتلبية مصالحها الريعية الاستهلاكية وفق نظام المحاصصة على حساب تخصيصات الاستثمار في مشاريع التنمية المستدامة ونمو الناتج المحلي الاجمالي والدخل القومي. لذا نرى أن الأزمات السياسية مستمرة منذ انتهاء الاحتلال الامريكي-البريطاني ونرى تكالب عناصرها على السلطة، لان من يملك السلطة يملك حق التصرف بالموارد الاقتصادية بسبب غياب الرقابة الفاعلة. ومن هنالك يمكن القول بأن الصراعات تتم على مستويات مختلفة وفق المعادلة الصفرية بين اصحاب السلطة وبقية الشعب من ناحية وبين الكل مع الكل من ناحية اخرى وكما بينته اعلاه.
وفي هذا السياق لابد من الاشارة الى أن الفساد الاداري والنهب العلني للمال العام، واللذين اصبحا الثقافة السائدة في المجتمع العراقي، يمثلان التجسيد الواقعي للصراع بين الكل مع الكل وفق منطق المعادلة الصفرية وان الخطورة الكبيرة في اطلاق العنان للصراعات الداخلية على الموارد تكمن في اثارها السلبية على تماسك مكونات وعناصر المجتمع وعلى عملية بناء دولة حديثة متماسكة داخليا ومتمكنة من التصدي السلمي والتفاوضي للصراعات الاقليمية والدولية من اجل حماية الموارد الاقتصادية الوطنية الشحيحة نسبيا وحسن ادارتها وتوزيعها الامثل على الاستخدامات المختلفة وفق الاولويات المجتمعية العقلانية.
يعترض الزميل د. محمد على زيني على مقاربتي في تطبيق المعادلة الصفرية على الصراعات بمستوياتها الثلاثة وبالاخص على المستوى الداخلي بقوله “أنا لا أعتقد أن ما جاء في المحور الثالث يندرج في دائرة منطق المعادلة الصفرية إلا اللهم اذا اعتبر الكاتب موارد العراق جميعها غنيمة أو كعكة كبيرة وأن جميع سكان العراق لصوص أو متنافسون بحالة مستمرة فيما بينهم، وكل واحد منهم يحاول الحصول على أكبر حصة من تلك الكعكة” xiv ان الرأي المقابل لهذا التحليل هو ان كل موارد العراق الاقتصادية الشحيحية، واهمها الريع النفطي، كعكة محدودة الحجم بغض النظر عن كونها كبيرة او صغيرة يتنافس العراقيون بمكوناتهم وطبقاتهم واحزابهم وعشائرهم وافرادهم الخ على الحصول على اكبر قطعة منها
ثم يضيف بان “هذه حالة وهمية لا يمكن أن تحدث بأي بلد إذ لا يُعقل أن يتحول شعب بكامله الى لصوص أو متنافسين ليقتسموا غنيمة تتمثل بموارد بلدهم.”xv ليس بالضرورة ان يكون الشعب العراقي او اي شعب اخر بكامله لصوصاً عندما يتنافس الافراد والجماعات على تحقيق مصالحهم المادية الانانية وهذه حالة طبيعية موجودة في كل المجتمعات الانسانية ورصدها العلماء والفلاسفة ومنهم مؤسس علم الاقتصاد آدم سميث والذي رأى في انانية الفرد وسعيه على تعظيم منفعته الشخصية حالة صحية واعتبرها المحرك الرئيسي للنشاط الاقتصادي وافترض وجود “يد خفية” تتمثل في آليات السوق (العرض والطلب والمنافسة التامة) والتي تنسق بين انانيات الافراد المتنافسين وتحقق المصلحة الاقتصادية العامة.
ومن جانب اخر يناقض الزميل د. زيني نفسه عندما يقول ان هناك شعب مسكين ومغلوب على أمره في هذه المرحلة من تأريخه. ثم هناك طبقة موظفين فسدت فساداً كبيراً في ظل صدام حسين وازداد فسادها خلال فترة الحصار الاقتصادي، وكأن هذه الطبقة من الموظفين لا تشكل شريحة كبيرة من هذا الشعب. وبالرغم من قناعته بأن هذه الطبقة من الموظفين أجيرة للشعب فهي تأخذ أجرتها من ميزانيته (اي من كعكة الريع النفطي)، ولكنها فاسدة، فهي تأخذ الرشى من رب العمل (الشعب) حتى تنجز أعمالها المختلفة المكلفة بها، وهو يرفض وجود منطق المعادلة الصفرية في هذه الحالة ويطالب بالحل التالي “وهو بتر هذه الطبقة أو استئصالها إن لم تَتُب”. وهذا الحل يمثل وفق مقاربتي صلب منطق المعادلة الصفرية.
وخلاصة القول، تمثل المعادلة الصفرية مقاربة منهجية واداة تحليلية لتفسير سلوك افراد أو مجموعات متصارعة على موارد اقتصادية شحيحة ومحدودة الكمية او القيمة ويسعى كل طرف الى تحقيق أكبر مكسب ممكن على حساب الطرف الاخر وبذلك تكون النتيجة صفراً.
5. استراتيجية كسر المعادلة الصفرية
في الوقت الذي لا يمكن باي حال من الاحول كسر المعادلة الصفرية في الالعاب الرياضية مثل كرة القدم والسلة والطائرة والتنس وفي لعبة الشطرنج …الخ من الممكن كسرها في ميدان الصراعات بين الافراد والجماعات من خلال مقاربة عقلانية وهي التفاوض بين الاطراف بهدف تحقيق الربح للطرفين (Win- Win Strategy)
في عام 1981 ظهرت نتائج مشروع بحثي أجرته كلية القانون في جامعة هارفارد الامريكية حول فن المفاوضات على شكل كتاب من تأليف اثنين من اعضاء الفريق البحثي وهما أستاذ القانون روجر فيشر(Roger Fisher) و وليام أوري William Ury) xvi. خرج المشروع بمقاربة لفض النزاعات بين الاطراف المتصارعة من خلال التفاوض البناء للوصول الى حلول سلمية تضمن تحقيق أكبر مكسب لكلا الطرفين.
اشتهرت هذه المقاربة دولياً تحت مسمى “خطة هارفارد” (Harvard Concept) أو “قاعدة هارفارد” (Harvard Principal) لأنها تقدم طريقة تفاوضية عقلانية تهدف الى الوصول الى حلول مختلفة عن حلول الوسط التقليدية (Compromise)من حيث التركيز على الفصل بين الجانب الموضوعي للخلاف والعلاقات الشخصية بين الطرفين والاخذ في الاعتبار مصالح الطرفين واستنباط خيارات موضوعية على اساس معايير محايدة تضمن فوزر الطرفين بشكل متساوي.xvii ويتطلب نجاح هذا النوع من المفاوضات توفر الشروط التالية في المفاوض:
الفصل التام بين العامل الشخصي وموضوع الخلاف، اي بين الانسان والمصالح.
التركيز على مصالح الاطراف المتنازعة بدلاً من مطالباتهم المعلنة.
استنباط خيارات بديلة.
الاصرار على ضوابط ومعايير موضوعية ومحايدة من قبيل قوانين وقيم اخلاقية ينبغي الالتزام بها بهدف الوصول الى توافق.
تجنب التوترات والمشاحنات الشخصية والحفاظ على علاقات ودية بين الطرفين.
كل طرف يأخذ ما يحتاجه وفي حالة مطالبة الطرفين بنفس المادة (المورد الاقتصادي) تقسم بشكل عادل.
يتوجب استغلال الوقت بشكل جيد وتجنب التعنت والاصرار على الموقف المسبقة من اجل تحقيق كفاءة تفاوضية.
بعض الادبيات العالمية تقدم مثالاً مبسطاً جداً من الحياة اليومية حول كيفية ادارة مثل هذه الصراعات، الا وهو قصة البرتقالة الوحيدة المتبقية في سلة الفواكه المنزلية والتي يتصارع على الحصول عليها صبيتان. الام التي تملك قرار التوزيع تحتار، تفكر في طريقة لفض النزاع، وتفكر بخيارات مختلفة من قبيل ترك الابنتين يحسمان الصراع بالقوة أو إجراء قرعة بينهما، أو تقسيم البرتقالة الى قسمين. لكنها تقرر سؤال كل واحدة منهما لماذا تحتاجين الى البرتقالة. الاولى تقول انها تحتاج القشرة لاستعمالها في تحضير عجينة الكعكة والثانية تقول انها عطشانة وتريد العصير فقط ومن دون القشرة. وبذلك يصبح الحل بسيط جدا ومن دون الحاجة الى تقطيع البرتقالة الى قسمين لايشبع رغبات الطرفين بشكل كامل وفق الطريقة التقليدية في حل الوسط.
المثال الاكثر تعقيدا هو الصراع بين الدولة المصدرة للنفط في منظمة اوبك من اجل تعظيم ايرادات كل واحدة منها عن طريق زيادة انتاجها للنفط والحصول على حصة أكبر في سوق النفط الدولية على حساب الدول الاخرى. اثبتت التجارب المتكررة بان هذه الاستراتيجية تفضي الى ظهور تخمة في السوق وانهيار الاسعار وتراجع الايرادات النفطية لجميع الدول. وفي هذه الحالة تتكبد الدولة المنتجة للنفط خسائر مالية في حين تحقق الدول المستهلكة مكاسب كبيرة تساعدها في تعظيم نمو اقتصاداتها الوطنية. وبعد معاناة طويلة لشعوب هذه الدول المنتجة تعود الحكومات الى صوابها وتتفق فيما بينها على تخفيض الانتاج والالتزام بالكوته وبذلك تحقق الربح لجميع أطراف الاتفاق في المنظمة.
لا استبعد اعتراضات الكثيرين من الزملاء والقراء على صعوبة تطبيق قاعدة هارفارد في العراق لاسباب موضوعية كثيرة تتعلق ايضا بطبيعة شخصية الفرد العراقي وفقدان الطبقة السياسية ومعها النخب الاجتماعية للمهارات التفاوضية والدبلوماسية. ولكني على قناعة تامة بان التطبيق في العراق ممكن من خلال الاستعانة بخبرات اجنبية في حالة توفر الارادة السياسة. انا شخصيا وشبكة الاقتصاديين العراقيين مستعدون للمساعدة في تشخيص واختيار خبراء دوليين متخصصين في مجال ادارة المفاوضات بين اطراف متخاصمة معروفون تحت مسمى (Moderator) يقومون ايضا بتدريب المدربين من الكوادر الوطنية.
(*) باحث اقتصادي وسوسيولوجي ، مؤسس شبكة الاقتصاديين العراقيين والمنسق العام لها
(**) أشكر الزملاء د. فاضل رضا والاستاذ مصباح كمال على مراجعتهم للنص وابداء ملاحظاتهم القيمة والمفيدة في تحرير النص النهائي.
حقوق النشر محفوظة لشبكة الاقتصاديين العراقيين. يسمح بأعادة النشر بشرط الاشارة الى المصدر. 17 كانون الاول 2018
http://iraqieconomists.net/ar/

الهوامش:

,
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close