لغتنا العربية والتفسير الاقتصادي للأدب

د. رضا العطار

اللغة والادب كلاهما ظاهرة اجتماعية لا تختلف عن الاخلاق والعقائد, يعيش الشعب وفقا لنظامها الاقتصادي ومبادئه, والمجتمع يتغير بتغيره او يركد بركوده.
ففي الامة الصناعية مثل بريطانيا والولايات المتحدة الامريكية نجد اللغة عصرية، والتفكير علميا والأدب مستقبليا، بينما الامة الزراعية كبعض البلاد العربية نجد اللغة الوطنية فيها ادبا تقليديا والتفكير على نمط المرحومين من الاجداد.

ولننظر النظرة التحليلية في ضوء التفسير الاقتصادي للتاريخ للغة العربية :
1 – المجتمع العربي الذي ورثنا منه لغتنا الكتابية, كان مجتمعا اقطاعيا زراعيا، اي انه كان يعيش افراده بأمتلاك الارض. وكان في اقل القليل منه تجاريا صناعيا. اي ان 90% من الاقطار العربية كانوا يعيشون بالزراعة، ومن شأن الزراعة الجمود.
فنحن عموما ما زلنا نزرع القمح الان كما كان يزرع قبل الفي سنة.

سبب ذلك انه لم يكن هناك حافز يدعو الى تغيير العقائد او الاخلاق او الكلمات الزراعية ومن ثم لم يكن هناك ما يدعو الى تغيير لغة الادب في مثل هذا الوسط، بل ان كل محاولة للتغيير كانت تجحد. لانها كانت تناقض الاستقرار الزراعي, اي تناقض الحياة المعيشية السائدة.

ان الاستقرار في النظام الاقتصادي قد ادى الى استقرار – جمود – في النظام اللغوي والادبي. فقواعد الزراعة التي جرى عليها المجتمع منذ الف سنة, يقابلها قواعد اللغة واسلوب الادب منذ الف سنة. والكلاسيكية اي التقليدية التي تعانيها بلداننا العربية الان ليست لهذا السبب مفتعلة بل هي طبيعية، لاننا ما زلنا نعيش في العقلية الزراعية الى حد كبير.

2 – ان هذا المجتمع العربي ايضا كان مجتمعا دينيا, فكان الخليفة في بغداد بمثابة البابا في روما. ومن غير المعقول ان نطالب اي دين الهي في العالم بالتغيير، فأستقرار الدين ادى الى استقرار اللغة، اي ركودها، واصبح رئيس الدولة، اي الخليفة يحمي الدين
ويحمي التقاليد الموروثة في اللغة، والعرش ينزع عادة الى الماضي. لان حقوقه تعود اليه، فهو محافظ عليه، اي ان للعرش اصولا اقتصادية سلفية تؤدي الى مبادئ لغوية وادبية تقليدية.

واذكر الاديب الفرنسي الشهير فولتير انه كان مستاء وساخطا، لان مجتمعه كان يعيش في ظل نظام العرش الفرنسي بلا دستور وبلا ديمقراطية. و كذلك في ظل الكهنة في المعابد الذين كانوا يعتبرون تغيير كلمة واحدة في اللغة الفرنسية كفرا, يعاقبون عليه،
لكنه رغم كل ذلك كان يخاطب جماهير باريس بضرورة التغيير بلغته البليغة الثورية متصديا ومتحديا السلطة الغاشمة, فكانت لهذه اللغة ومضامينها الثورية اثر واضح في تنوير الشعب الفرنسي وتحريكه بأتجاه الثورة الكبرى التي اشتعلت نيرانها بعد موته بعشرة سنوات.

والان لماذا لا نرضى بلغتنا العربية. ولماذا ان كتاب مصر امثال قاسم امين واحمد امين ولطفي السيد وعبد العزيز فهمي وبهاء الدين بركات يدعون الى تغييرات في اللغة العربية. والسبب ان هؤلاء الرجال على وجدان بعصرهم, عصر الحرية والديمقراطية، والاعتماد على المعرفة دون العقيدة، وضرورة التوسل بالعلوم الحديثة (لا بالغيبيات!)
في سبيل الرقي الاقتصادي والاخلاقي والثقافي. وفي محاولة الوصول الى تحقيق الهدف يرون هؤلاء الكتاب ضرورة احداث تغيير كثير في مفردات لغتنا العربية.

ان اول مفكر عالج هذا الموضوع – التفسير الاقتصادي للتاريخ – بشكل موضعي هو
كارل ماركس الذي مات عام 1883. وهو في الاصل يهودي الماني ولكنه في النزعة والتفكير هو ذو مذهب عالمي. وهو صاحب نظرية التفسير الاقتصادي للتاريخ. وهي النظرية التي يسلم بها الآن علماء التاريخ, يرون فيها التعليل المعقول لظهورالاستعمار وحدوث الثورات لدى الشعوب , وحتمية تطبيق فكرة العدالة الاجتماعية التي نادى بها الاسلام منذ يومه الاول !

فلو نظرنا الى الحضارات الانسانية في التاريخ لوجدنا مصداقا لرأي ابن خلدون في تأثير المناخ, ونظرية ماركس في تأثير الاقتصاد. فحياة الزراعة هي اصل الحضارة وهي التي اخرجت الانسان من طور البداوة الاولى. فقد كان ايام بداوته يعيش فيما نسميه الآن بالعصر الحجري، يجني الثمار من الغابات ويقتل الوحش بما لديه من ادوات حجرية.

وكان في تجواله في الغابات ونومه في الكهوف لايعرف معنى للعادات الاجتماعية ناهيك عن اللغة, فكان اشبه بالخرس لا يتكلم لانه لا يعرف لغة يتفاهم بها. وبمرور الزمن عرف الزراعة واستقر وصار يبني بيته بجانب ارضه كما صار يستأنس البهائم, وشرع يتأمل الفلك لكي يضع لنفسه تقويما يضبط به اوان الزرع والحصاد . ثم عرف مبادي الري والبناء ثم عرف الانية وصارت له ثقافة لغوية وزادت مفرداتها حتى بلغت المئة كلمة وجاوزتها.

ولو امعنا التأمل في احوال الامم، الفينا علاقة متينة بين البيئة الاقتصادية وبين اللغة والثقافة المنتشرة بين ابناء الامة الواحدة. وذلك لان الانسان في ممارسته لعمله يألف لنفسه نظرة خاصة للحياة يشاكل هذا العمل الذي يمارسه . فالبيئة الزراعية مثلا بما فيها من تقلبات جوية غير منتظرة لا تخضع للسيطرة. توهم الفرد بضرورة الايمان بالقضاء والقدر والرغبة الملحة في الاعتماد على الله, اذ هو بمثابة السائر في التيه، تحتاج نفسه الى الاطمئنان بان هذا القضاء ليس للمناوأة والمعاكسة, وان الله سيحميه منه. لذلك نجد ان ثقافة اللغة المنتشرة في الاوساط الفلاحية هي ثقافة الدين والادب والفلسفة.

لكن اذا كانت البيئة صناعية, شعر الانسان من سلطانه على الآلات بسعة قدراته وجبروته، فهو يتجرأ على التفكير الحر والمجازفات الذهنية. وهذه هي حال اوربا والولايات المتحدة الامريكية. فهما كانتا اسبق الامم في الصناعة، ولذلك فاننا نرى ثقافتها مصبوغة بهذه الحضارة التي ما ازدهرت الا بفضل كثرة الصحف اليومية والمجلات العلمية التي تكون مادتها الاساسية بطبيعة الحال هي اللغة الانكليزية.

* مقتبس من كتاب البلاغة العصرية واللغة العربية لسلامه موسى.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close