العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن وإدارة التغيير

الكاتب : لقمان عبد الرحيم الفيلي

قد يسأل سائل: هل ان طريقة إدارة الدولة الحالية (كهيكلية وثقافة حكم ومنهجية إدارة ونظام حكم) قادرة على مواجهة التحديات التي نمر بها؟ ام ان المشكلة الحقيقية تكمن فقط في عدم تشريع او تطبيق بعض التشريعات المنصوص عليها في دستور 2005 بشكل صحيح او حتى مسببات ضعف المتابعة لها؟

ام ان الخلل في هيكلية الدولة وطريقة اتخاذها للقرارات وتنفيذها ومتابعتها؟

قبل الإجابة على هذه الأسئلة المحورية، من الضروري توضيح حقيقة مهمة وهي ازدياد البعد بين الواقع العراقي بعد 2003 من جهة ورؤى وتطلعات الشعب العراقي المتوقعة نتيجة إزاحة النظام الشمولي البعثي وتبديله بنظام برلماني مدني ديمقراطي فيدرالي من جهة اخرى، وكيف ان المسار الحالي للجمهورية ما بعد 2003 عاجز عن تلبية تلك الرؤى والتطلعات، او ان النظام الجديد فشل في اقناع الشارع بانه يسير على المسار الصحيح وان الزمن بحد ذاته لم يكن كفيلا بحل مشكلاته من دون الحاجة لإعادة هيكلية وعملية النظام السياسية. وعليه فان وجود خطأ في بنيان الدولة بعد 2003 يعني ان الامن الوطني/القومي العراقي ووحدته سيبقيان في خطر وخصوصاً مع استمرار منهجية الحكومات الائتلافية التي لم تستطع ان تقود عمليات إدارة التغيير الضرورية والملحة.

قد يرى المراقب الاجنبي ان الخلل يكمن في أصل الدولة العراقية وطريقة انشائها وإنها دولة فاشلة، هذا الواقع الجيوسياسي والمرهون بالمنظومة العالمية صعب تغييرها. نعم هناك من يقول بعدم الحاجة الى تغييرها والحاجة الى ادارتها بطريقة صحيحة فقط تلبي احتياجات مواطنيها، وقد لا يكون الخلل في فشل الدولة والنظام السياسي الحالي ككيان وجودي. ومع هذا نستطيع ان نقر باطمئنان بفشل الحكومات او الجمهوريات المختلفة وأحزاب السلطة في تلبية احتياجات ومتطلعات المواطن.

سوف لا اتطرق كثيراً الى الأسباب الجوهرية التي صعبّت وعقّدت واقع المشهد العراقي، فالتداعيات الناجمة عن الارهاب والعنف وكل انواع الفساد في الامور التي تخص سلامة المواطن، وضعف النسيج المجتمعي، وأواصر الوئام الاجتماعي بين مكونات المجتمع، وضعف ادارة مؤسسات الدولة ليست بخافية على أحد، يضاف الى ذلك التحديات الجديدة التي تلوح في الأفق، مثل ازدياد التوتر والتطرف الديني والعرقي وزيادة البطالة والبطالة المقنعة، التسيب في تلبية خدمات المواطن في دوائر الدولة، والزيادة السكانية غير المنتظمة ومحدودية المياه وغيرها من (التسوناميات) التي قد تكتسح المنطقة باسرها وتكون سبباً في زيادة تعقيد أكثر للواقع العراقي وتجعلها حالة فريدة تحتاج معالجات خاصة وفريدة.

أسباب الازمات العراقية داخلية وخارجية ولا يمكن ان نغطيها في هذه المقالات ولكن ما نستطيع ان نقوله ان الفساد بأنواعه كافة يعتبر من الأسباب المهمة لتوقف عجلة التطور التنموي، بالإضافة الى الفساد المالي والإداري هناك الأسباب الأخرى بعضها داخلية وبعضها خارجية حالت دون مقدرة الدولة في هيكليتها الحالية ونظامها السياسي على حسن إدارة تحدياتها المهمة. سوء الإدارة هنا قد تكون لها أسباب متعلقة بطبيعة فشل المنظومة وليس فقط قدرة وحسن ملاكات الأشخاص المسؤولين. اين نحن من تطبيق النظام الفدرالي كما ينص عليه الدستور؟ الشيء نفسه بخصوص مدى قدرة الدولة على تطبيق سلطة القانون والحكم الرشيد والعمل المؤسساتي وقدرة الدولة في السيطرة والاستحواذ على السلاح ومعاقبة العصابات والمليشيات التي تعمل خارج سلطتها.

لكي نبني العراق الجديد لا بد لنا من الاعتراف بان المسافة بيننا وبين الأهداف التي كانت نصب اعيننا العام 2003 قد أصبحت بعيدة جدا وتزداد كل يوم. ولابد لنا ان ندرك ايضاً بان الطريق الذي نسلكه الان من خلال هيكلية وثقافة الجمهورية الحالية لن يصل بنا الى اهدافنا المرجوّة، وان عامل الزمن بحد ذاته لا يكفي لتحقيق تلك الأهداف التي تتجسد في روح الدستور ولا يختلف العراقيون جوهرياً في ماهيتها. دستور 2005 وان كان فيه خلل واضح والغام لم تعالج وممكن ان تنفجر في أي لحظة الا ان المواطن لم يختلف مع اهدافها او روحها. فالديمقراطية والتداول السلمي للحكم وازدراء الدكتاتورية والحكم الشمولي وتمثيل التنوع العرقي في المشهد السياسي والاقتصاد الحر والحريّة الفكرية وتوزيع السلطات والدولة المدنية والعدالة الاجتماعية وغيرها من خصال الدستور العراقي هي دون شك غاية اهداف ومطالب الاعم الاغلب من الجماهير،حتى وإن وجدت بعض الاختلافات حول كيفية تحقيق هذه الأهداف والمطالب. كل هذه الخصال الدستورية مطلوبة ومهمة ومن المؤكد ان المجتمع يريد فقط تحسين نظامه السياسي وليس الغاءه بالكامل. ولكن السؤال المهم لهذه المقالات معنية بضعف قدرة المنظومة الحالية (جمهورية ما بعد 2003) على تلبية هذه الاحتياجات والتطلعات، وما هي البدائل الممكنة؟

ادارة التغيير:

بخصوص الحاجة الى التغيير، فتغيير الواقع العراقي ضرورة ملحة يشعر بها جميع العراقيين بشكل يتجاوز الى حد بعيد نزعة التغيير والطموح الطبيعية لدى الشعوب حين تصل الى قناعة بان مستوى المعيشة قد أصبح جيداً وتتولد حينئذ رغبة في الوصول الى مستوى أفضل، او حين يكون تحقيق الأهداف المرجوة وشيكاً وتنشأ حينها الحاجة لتطوير مستوى الأداء لاختصار الزمن، او في حال يتم انجاز المشاريع الأساسية للمجتمع وهناك حاجة لمشاريع تكميلية لتطوير ازدهارها. فالواقع في العراق مرير جداً ويتطلب منا جميعاً الشعور بالتعجيل والسعي لتوفير متطلبات الامن والعيش الكريم.

وفيما يخص المسؤول عن إدارة عملية التغيير، السؤال المهم هنا هو: من يملك الاستعداد الكافي والقدرة الكافية والرؤى السديدة لقيادة عملية التغيير؟ ومن يتحلّى بالإصرار والمثابرة والإرادة على السير في هذه الطريق الوعر والموحش؟ هل الدولة، الحكومة خصوصاً، هي المسؤولة عن ادارة التغيير؟ وهل ان النظام الحالي يسمح لرئيس الجهاز التنفيذي في شخص رئيس مجلس الوزراء على قيادة التغيير ام انه مكُلف فقط في إدارة الحكومة كمدير وليس كقائد للتغيير؟ وإذا كانت الدولة هي المسؤولة، فهل توجد مؤسسات معنية بقيادة عملية التغيير؟ وهل الأحزاب المشاركة في الحكم هي المسؤولة ام الإباء المؤسسون لجمهورية 2003 ؟ هل المسؤولية تقع على عاتق الجماهير او مؤسسات المجتمع المدني؟ وان كان أحد، او البعض، من هذه الاطراف ترغب في قيادة عملية التغيير، فهل هناك تطابق بين رؤاهم للطريق الأفضل للوصول الى الاهداف؟ ام ان هناك اختلافا في الأهداف وتقاطعاً في ستراتيجيات التغيير؟ وماذا عن المعارضة ودورها ان وجدت؟ وماذا عن الأدوار التي ستلعبها كل جهة وطريقة التعامل فيما بينها، هل هي تكاملية ام ندّية؟

هنا نقول ان التحدي الأساسي ليس متعلقاً فقط في تحديد المسؤولية وسهولة او صعوبة تطبيق برامج مشروع التغيير، بل في مدى قدرة هذه البرامج على إدارة التغيير بعيداً عن العنف او عسكرة الحكومة، والا فالشعوب عموماً لا تتحمل الكثير من الضغوطات إذا شعرت ان جهاز الدولة لا يخدمها ونراها تتجه باتجاه تغيير نظام الحكم وقد تكون بالسلم أولاً او بالعنف بعدها إذا لم تصل لمبتغاها وهذه هي أخطر طرق التغيير واقلها ضماناً وخصوصاً اننا بينا سابقاَ في مقالتنا الاولى كثرة التغيرات الحكومية منذ بدأ الجمهورية الاولى.

المجتمع العراقي تعلم كثيراً من دروس من المنظومات الدكتاتورية والان تراه يتعلم من المنظومات الديموقراطية، في حالة اقتناعه ان كلا المنظومتين لا تلبيان طموحه او على الأقل تسد شواغل احتياجاته فهنا تأتي خطورة التفكير في حلول خارج الصندوق مثل سيناريو المجالس العسكرية او الثورة الشعبية (كما لمحنا بعض ملامحها في دخول المتظاهرين للمنطقة الخضراء قبل عامين). ومع ندارت هذا التفكير الا ان شعور المجتمع بالانسداد السياسي سيؤدي الى جعل هذا السيناريو مطروحا للنقاش وليس بالضرورة للتطبيق وخصوصا اذ وجدت آذن صاغية او مشجعة من الأطراف الإقليمية والدولية.

هناك أسئلة حول مفردات التغيير التي ينبغي ان نتمسك بها، ذلك انها تعكس جوهر وصعوبة التحدي الذي يواجهنا، فعلى سبيل المثال، إذا كانت اغلب نقاط خلافنا متمحورة حول الشخص الحاكم او الحزب الحاكم، فهنا يكون الحل ابسط والصراع أخف، وبالتالي هناك حاجة لبذل جهد اقل لإحداث التغيير. امّا إذا كان الاختلاف حول طبيعة الحكم فهناك اذن تفاوت كبير في درجة التغيير ففي هذه الحالة نحن امام ازمة ليست سهلة، حتى وإن كانت نسبة الراغبين في إحداث التغيير عالية ولها شعبية واسعة، فمن الضروري جداً ان لا نهمل نسبة المعارضين لإحداث التغيير في حال كانت مرتفعة او ان تكون بنسبة قليلة ولكنها مؤثرة لأنها قد تضم من يمسكون ببعض زمام الأمور او تكون مقاليد الحكم بأيديهم. في هذه الحالة سيكون التحدي من نوع مختلف وستكون عملية التغيير لإقامة جمهورية جديدة بالغة الصعوبة ولكنها تبقى ممكنة وضرورية.

هل تغيير النظام السياسي او الدعوة الى جمهورية جديدة مفيدة او حتى ممكنة؟ هذان السؤالان مهمان ويحتاجان منا الى وقفة صريحة وحقيقية. هناك عوامل متعددة تؤثر على المشهد العراقي، بعضها داخلي محلي أو خارجي جيوسياسية، بعضها متعلق بتعددية أصحاب القرار وطبيعة رؤاهم حول قوة الدولة العراقية من ضعفها، وبعضهم يؤمن ان مصلحة الحزب او المكون او القومية او العشيرة أولى من مصلحة كيان الدولة مدركين ان المنظومة الحالية لا تساعد على خلق منهجية لوحدة القرار والرؤى. السعي لتغيير النظام وفق هذه المعطيات الواقعية ومنطق القوى المتعددة ليس بعملية سهلة، اذ انها تحتاج الى فضاءات سياسية واجتماعية مستعدة وقابلة للتغيير وترى أهمية الموضوع وانيته. هناك من يرى ان من دون ان تخلق ديناميكية جديدة للتأثير فستبقى هذه الأفكار أسيرة الورق والبحث الأكاديمي وذلك لان البحث قد يعتمد (حسب تفسيرهم) على فرضية الثورة والانقلاب السياسي في مجتمعنا متجاهلاً أهمية ضرورة الحركة التراكمية وصيرورة التاريخ للتغيير. وهنا يأتي السؤال المهم حول استعداد المكونات السياسية العراقية المختلفة لتقبل نظام رئاسي جديد؟ الجواب سيعتمد على مدى التوافق في الرؤى بين المكونات ومدى ثقتهم ان مسيرة المجتمع ككل ستسير نحو الاحسن في حالة ازدياد الثقة بين المكونات والتفكير خارج الصندوق للخروج من الازمات المتراكمة العصيبة.

نعم هناك الان انسداد سياسي، وهناك زيادة في القناعة ان واقع الحال العراقي يسير البلاد نحو اللادولة او السيناريو اللبناني وان التخندقات المذهبية والدينية والقومية سوف لا تساعد على استقرار البلاد وان الحاجة الى نوع جديد من القيادات السياسية العابرة للكيانات مهمة وضرورية للمرحلة القادمة.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close