مواجهة مع الموت

العميد الركن حسيب الصائغ

هل فكرت يوما بالموت …؟

قد يقول قائل نعم يوميا ..فانا لا اضمن وفاتي ..في اي لحظه من الليل او النهار ..وهذا صحيح ولكن

ان تعيش مع الموت في كل ساعه ودقيقه حتى انك تنساه او تتناساه في الحرب وخاصه الطويله الامد فهذا امر مختلف وشعور لا يملكه سوى الرجل المحارب .. كما ان ليس كل جندي وضابط يعيش باشتباك دائم مع العدو …!

فهناك الصنوف المقاتله التي تقتحم المواقع والتحصينات وتكون وجها لوجه مع العدو الذي يحمل السلاح مستهدفا تلك القوات ..هنا تسطر الشجاعه كلماتها لرجال الصوله من المشاه والدروع والقوات الخاصه ..رجال حملوا ارواحهم على اكفهم ونسجوا اكفانهم ببدلاتهم العسكريه ..وخطوا اسمائهم بدمائهم على تراب الوطن ..اتعلمون لقد اصبح لهؤلاء الرجال طبيعه هي اشبه بنكران الذات بل بنسيان ماتعنيه الحياه مقابل شبر من ارض الوطن ..

مرت قبل قليل صور قافله الشهداء من الاخوان الضباط والمراتب والجنود الذين قاتلوا الى جنبي وفي سريتي او في دبابتي تحديدا ..تدافعت دمعتي حزن وقالت نفسي هل ذهبت تلك التضحيات سدى في تلك الايام ..

واستدركت وقلت لنفسي لا ..فلقد علمنا عدونا ولقناهم درسا سوف لن ينسوه على مدى الزمان وان كان اليوم لهم يعيثون في وطننا ويقتلون ويشردون ..فالايام دول ..وبقاء الحال من المحال ..

اردت ان اروي لكم قصه الشهيد البطل والذي اسمه على مسمى انه (شهيد عبد عمران )….اسمه شهيد وهو شهيد وكاُن امه او اباه عندما اسماه كان يعرفون بانه سيكون شهيدا للوطن ..

الجندي رامي الدبابه البديل لدبابتي ..قبل معارك الطاهري المحمره في الاول من مايس عام 1982 كنا قد عادت فرقتنا للتو من قاطع الشوش ديزفول في العماره وجميعنا لم نتمتع بالاجازات الدوريه منذ اشهر ..العدو يتحشد خلف الطاهري \جسر حالوب بقوات كبيره .

فتحت الاجازات بنسبه اقل من ربع الوجبه الاصليه كانت الاجازه من حظ رامي دبابتي الاصلي.وكان بديله الجندي المكلف شهيد عبد عمران . كان ضعيف البنيه اسمر البشره باسم الوجه كجميع اهالي البصره الطيبين .لقد كان خاطبا لحبيبته ومحمره هو ينتظر اجازته الدوريه ليضيف عليها اجازه الزواج …لكن الظروف والمعارك اوقفت تلك الاجازات ..

توسل بي فلقد عدنا الى الى المحمره قريبه من البصره ..ارسلته خلسه دون علم الامر بعد ان تعهد احد ضباط الصف باخذ مكانه في حاله تكليفنا بالواجب ..يومان فقط …

وفاجاني انه تزوج فيها من حبيبته ..عاد عصر يوم ربيعي وهو طلق الوجه تهب منه رائحه العطور النفيسه ..وقد حمل الي حلويات زواجه ..

في نفس الليله تعرض العدو وتمكن من اجتياز نهر الكارون وخرق مواضع الحجابات …

كانت الخطه ان تسمح تلك القطعات بمرور العدو واغلاق الثغره عليه لاسر اكبر مايمكن من قواته ووضغه بكماشه الا ان الخطه لم تكن محكمه بسبب سوء التنفيذ وتاخر حركه بعض القطعات .

تحركت سريتنا بدباباتها مع ضياء الفجر لنستر ثغره كبيره جدا ..

انطلقت صواريخ التاو المعاديه باتجاهنا بكثافه من الساتر الذي احتله العدو ليلا …

قاتلنا باستماته لاسترجاع خط الصد ..كنا نعلم ان الموت امامنا ..كنا 11 دبابه اي 44 مقاتل فقط امام مئات الالوف من جنود العدو المجهزين بالصواريخ المقاومه للدبابات ..

كانت دباباتنا تصاب الواحده تلو الاخرى الا اننا لانزال نتقدم ونحن نعلم ان الموت بانتضارنا ..

نرى طوائف دبابات سريتنا يحترقون بعد اصابتهم باصابات مباشره الا اننا لانتوقف ونهجم ونجعل جثث العدو تتطاير من خط الصد ..والله ان لي الشرف ان اكون قد قاتلت مع اولئك الرجال ..

انادي على جهاز الاتصالات الداخلي …شهيد احرف المدفع على اليمين هناك قاعده صواريخ تطلق باتجاهنا ..فيقول سيدي سارمي قاعده اخرى امامي واعود لها …وفعلا ما ان دمرنا التي امامنا وادرنا البرج باتجاهها حتى اطلقت عده قواعد صواريخ معاديه صواريخها على دبابتنا والدبابات الباقيه ..

اصيبت دبابتي اصابه مباشره في البرج من اتجاه الرامي اي من اتجاهي ايضا ..وقذفت الى خارج البرج الى الارض وانا انزف من وجهي بشده ..السائق يسحبني وانا اساله اخلي الرامي فيقول لي سيدي لقد استشهد شهيد عبد عمران ..

العريس الذي كان شهر عسله مع زوجته ليله واحده فقط …

اتعلمون اني اتخيل صورته الان امامي وهو مبتسم ويقول لي ..

سيدي اشكرك لانك تذكرتني وكتبت عني .

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here