“أزمة قطر” في شهرها التاسع.. ماذا حققت الدوحة؟

مسلم عبدالودود

   

لم تَعُدْ “أزمة قطر” قضية محورية في إعلام الدول الأربع المقاطعة. ربما يدلّ على ذلك المقارنة في التغطية في إعلام الدول المقاطعة بين الأسابيع الأولى من الأزمة، التي اندلعت في بدايات حزيران (يونيو) 2017، وما يتمّ حالياً؛ بينما تأخذ القضية، حتى الآن، قسطاً وافراً من اهتمام الإعلام القطري ومنصاته العديدة. الإعلام في الدول المقاطعة استطاع، على ما يبدو، أن يقدّم عديد القرائن التي تحوم حول تورط قطر في دعم الإرهاب والتطرف في المنطقة، وهذا دفع الجانب القطري لتقديم الكثير من التنازلات للجانب الأمريكي؛ لكي تخفف واشنطن من ضغطها على الدوحة في ملف دعم قطر للإرهاب.

وقد جاء إعلان الدوحة، مؤخراً، عن مساعيها في أن تصبح مركزاً للبوارج الحربية الأمريكية في المنطقة، وتوسيع قاعدة “العديد” الجوية في ضواحي الدوحة لتحتضن عدداً أكبر من الأمريكيين…بوصفه جزءاً من “الإغراءات” القطرية للأمريكيين، ولولا ذاك “الثمن”، ما كان للحوار الإستراتيجي القطري-الأمريكي الأخير أنْ يتمّ. هذا شأن سيادي قطري بالتأكيد، لكنه يعكس أنّ الدوحة في حالة تشتت، وأنّ سلة خياراتها الإستراتيجية تنكمش.

الإعلام القطري يتعامل مع أزمة قطر كقضية مصيرية

الإعلام القطري يتعامل مع أزمة قطر كقضية مصيرية

إنكار قطري مع دول الخليج.. واعتراف للأمريكيين!

الراصد للإعلام القطري يستنتج، من دون كثيرِ عناء، أنّ هذا الإعلام يتعامل مع أزمة قطر كقضية مصيرية، فيما إعلام الدول المقاطعة لا يعطي للقضية الحجم الذي تمنحه قطر لها. لعلّ هذا يعكس موازين القوى في إدارة الأزمة؛ وهي تلعب، حتى الآن، لصالح الدول المقاطعة لقطر. في ذلك يقول الكاتب السعودي عبد الرحمن الراشد: “لم نعد نسمع كثيراً عن الخلاف مع قطر إلا من طرف واحد: ما يصدر عن مسؤولي الدوحة من مقابلات وتصريحات وإعلانات. أما خصومها فقد التفتوا إلى قضاياهم الأخرى، مثل إيران واليمن وعلاقاتهم الإقليمية والدولية، وهو ما أغضب الدوحة التي تريد أن تجعل خلافها مع مصر والسعودية والإمارات والبحرين قضية حية تشغل الرأي العام الدولي”. أما بخصوص مذكرات التفاهم وعموم التفاهمات التي تمّ توقيعها بين قطر والجانب الأمريكي حول الإرهاب، فهي دليل على أنّ مخاوف الدول المقاطعة بشأن دعم الدوحة للتطرف والإرهاب مؤسسة على أدلة، وأنه “آن الأوان لتخرج الدوحة من مرحلة الإنكار”، كما قال الوزير الإماراتي، أنور قرقاش. ولعلّ المرء يتساءل: لمَ ثمة اعتراف للأمريكيين يقابله إنكار قطري حين يتعلق الأمر بمطالب أهل الخليج؟!

ماذا حققتْ قطر؟

وفي معرض التساؤل عمّا حققته الحكومة القطرية حتى الآن، يجيب عبد الرحمن الراشد: “القليل جداً، ولم يكن كافياً ما استثمرته الدوحة في واشنطن، واضطرت إلى توقيع مذكرة التفاهم الأمنية مع الولايات المتحدة، وبموجبها تنازلت عن كثير مما كانت تماطل بشأنه في الماضي، بما في ذلك منح الأمريكيين مقعداً في الدوحة يُطلّ على كل نشاطاتها المالية، التي كانت محلَّ شبهات وشكاوى في السابق. واضطرت قطر لتسليم معلومات للأمريكيين عن أشخاص ومؤسسات من دول مختلفة لها ارتباط بقطر، وقامت بسجن عدد من المطلوبين، وطرد آخرين إلى خارج البلاد، بناء على المذكرة الموقعة مع الولايات المتحدة. هذا كله كانت تتهرب منه الدوحة في الماضي حتى انفجرت أزمتها مع الدول الأربع وسارع القطريون إلى الأمريكيين يعرضون التعاون خشية أن تكبر الأزمة. وقد لاحظنا في أول أيام الأزمة كيف أحرجت الدول الأربع حكومة الدوحة، عندما أضافت القوائم الأمريكية للمطلوبين في قطر إلى مطالبها”.

 

ثمّ إنّ الدول الكبرى تعترف بأنّ أهم حجة لدى الدول المقاطعة، ربما، هي الاتهامات لقطر بدعم التطرف والإرهاب، ولهذا ما تزال الأزمة موجودة؛ لأنّ قطر تتمنّع في الاعتراف بذلك والتجاوب مع استحقاقاته، وما حدث مع الأمريكيين جزء صغير من الاعتراف القطري، وبقي الكثير. والسيناريو الأرجح أنّ الصورة الذهنية لقطر ستبقى لدى الرأي العام بوصفها دولة تدعم التشدد والتطرف، ولا يبدو أنّ الإعلام القطري تمكّن من نفي هذه التهمة، بعد تسعة أشهر على الأزمة.

القاعدة الجماهيرية

ومع أنّ تعقّد أزمة قطر قد لا يفسح المجال، في الظروف القائمة، لإجراء مسوحات دقيقة للرأي العام في الخليج، أو في مصر بشأن الأزمة، فإنّ ثمة مؤشرات تشي بأنّ الخطاب والإعلام القطري يتوجّه لإقناع قاعدته الجماهيرية فقط، ولم يتمكن من الوصول إلى القاعدة الجماهيرية للدول المقاطعة، بل إنّ الإعلام القطري يدفع المزيد من الأموال للإبقاء على جمهوره مقتنعين بموقف قطر وسياساتها.

كما أنّ دخول وسائل التواصل الاجتماعي ضمن الحملات الإعلامية المتبادلة، جعل المراقبين أمام معطىً إعلامي مختلف، فهده الوسائل، وبخاصة “تويتر” في الخليج، ذات تأثير واسع، والحضور القطري في “تويتر” لا يقارن بالحضور السعودي والإماراتي. إضافة إلى ذلك، لم يستطع الإعلام القطري التأثير في الأوساط السعودية؛ حيث المملكة تضم أكبر عدد من سكان الخليج؛ بل تعدُّ اليوم المملكة أكبر منصة إعلامية لمواجهة “خطاب المظلومية القطري”. وفي مقال لها في “الشرق الأوسط” (6/2/2018) ذكرت الكاتبة السعودية أمل الهزاني أنّ “مجلس التعاون الخليجي يمر بأزمة، كلنا ندرك ذلك، لكن الأمل الوحيد الذي قد ينبئ بمستقبل أفضل هي تلك الوشيجة التي تربط الرياض بأبوظبي، ولهذا يمارس عليها التهجم ومحاولة التفرقة ممن يستشعرون تهديداً لمصالحهم بسبب هذا التقارب”.

 

ولعلّ ما أنفقته قطر على دعم وجهة نظرها أضعاف مضاعفة ما أنفقته الدول المقاطعة، ومع ذلك فإنّ تماسك مواقف الدول المقاطعة يقوى يوماً بعد آخر، وقد ارتدَّتْ الدعاية القطرية المضادة للجهود السعودية-الإماراتية في اليمن على الدوحة؛ إذْ وضع إعلام الأخيرة ثقله لإيجاد شق في التحالف السعودي-الإماراتي، لكنّ صحف المملكة والإمارات ومواقع التواصل الاجتماعي في الخليج تَصدَّرها قبل أيام وسم #السعودية_الامارات_بلد_واحد ؛ حيث اعتلى الوسم الترند العالمي متصدراً عبر تغريدات السعوديين والإماراتيين والعرب، محققاً عدد مشاهدات تخطت 553 مليون مشاهدة.

ومن جهة ثانية، لم يستطع الإعلام القطري تحسين صورته لدى الشعب المصري (أكثر من 100 مليون نسمة)، وهذا يؤكد عدم تمكّن الرسالة الإعلامية القطرية من تحقيق اختراقات إعلامية في أوساط الرباعي المقاطع لقطر، وفي كتلته الجماهيرية الأوسع. من جانب ثالث، فإنّ وجهة النظر الإعلامية القطرية غائبة في أروقة مجلس التعاون، وغائبة في أروقة الجامعة العربية، ما يعكس عُزلة إعلامية ودبلوماسية في عموم المحيط العربي تقريباً، وهذا يجعل المراقب يميل إلى أنّ فكرة “قطر تخاطب نفسها”، قد لا تنطوي على مبالغة؛ فقد اشترتْ قطر الكثير من المواقع والمنصات الإعلامية في المنطقة العربية لدعم موقفها، لكن في غالب عموم المنطقة وضمن الإعلام العربي المحترف والمعروف الهُوية، لا نكاد نعثر أصوات إعلامية وازنة تهاجم السعودية أو الإمارات أو مصر أو البحرين.

وضعٌ لم تشهده دول الخليج

في التغطية الإعلامية الإماراتية الخاصة بالطائرات الحربية القطرية التي تعرضت لطائرات مدنية إماراتية متوجهة للبحرين في كانون الأول (ديسمبر) الماضي، وجدنا إدارة إعلامية إماراتية هادئة لهذه الحادثة، مسنودة بالحجج والخرائط والإحداثيات التي تمكنت من إقناع سفراء الدول العظمى (أعضاء مجلس الأمن) في أبوظبي بصدقية الرواية الإماراتية، وخطر السلوك القطري على أمن الطيران المدني والملاحة الجوية. وقد نقلت “رويترز” في الخامس من الشهر الجاري عن دبلوماسي غربي قوله: “عندما يُدفع بطائرات قطرية (عسكرية) قرب طائرة مدنية فإنّ هذا يُهدد، ولو بشكل غير مقصود، بحدوث واقعة يمكن أن تؤدي إلى سقوط قتلى وتصعيد الأمر إلى وضع لم تشهده دول الخليج فيما بينها من قبل”.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close