تأييد حزب النور السلفي للسيسي .. خوفاً أم طمعاً؟

صلاح الدين حسن

لم يختَر حزب النور، الجناح السياسي لجماعة الدعوة السلفية في مصر، موقفاً محايداً في الانتخابات الرئاسية المقبلة؛ بل ذهب لإعلان تأييده للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، لفترة رئاسية ثانية، في مؤتمر صحافي حضره عدد من قادة الحزب، وحظي بتغطية إعلامية واسعة، أثارت جدلاً في الأوساط السياسية المصرية.

 

تحدث الحزب في مقدمة بيانه، على لسان رئيسه الدكتور يونس مخيون، عن المرحلة “الخطرة” التي تمر بها البلاد، والتحديات التي “تهدد وحدتها وكيانها”، والمشكلات العديدة التي تعترض مسيرتها داخليّاً وخارجيّاً؛ ما يُوجب وحدة الصف وتجنُّب كل ما يؤدي إلى الانقسام والاحتراب الداخلي، إلا أنّ الحزب في سياق حديثه عن الأسباب التي أدت به إلى اتخاذ قرار دعم الرئيس المصري، وحرصه على منع الصدام بيْن فئات المجتمع بعضها ببعض وبيْن الهيئات المختلفة علّل ذلك بقوله: “لتحقيق أكبر قدرٍ مِن المصالح، ودفع أكبر قدرٍ مِن المفاسد التي تتعرض لها البلاد”، في إشارة إلى أنّه يعتمد على القاعدة الشرعية “درء المفاسد مقدم على جلب المصالح”، وهو ما رآه البعض إصراراً  من حزب سياسي على عدم الفصل بينه وبين جماعته الدينية، فضلاً عن أنّ البيان استخدم مصطلحات شرعية مثل “مبدأ الشورى”، هرباً -كما يبدو- من استخدام مصطلحات مدنية مثل “الديمقراطية” قد تضعه في حرج مع قواعده السلفية.

السيسي الأقدر

مع أنّ هذه ليست المرة الأولى التي يعلن فيها الحزب تأييده للسيسي؛ إذ أعلن عن دعمه له في انتخابات العام 2014م، إلا أنّ الحزب قدم هذه المرة ورقة من عدة محاور أوصى أن تتصدر  برنامج الرئيس، بـ “اعتباره أقدر من يقوم بهذه المهام الجسيمة وتحقيق التعاون بين مؤسسات الدولة، بما يحقق الاستقرار، ويجنِّبُ البلادَ الكثيرَ مِن الأخطار “.

يقول رئيس كتلة حزب النور في البرلمان المصري، أحمد خليل خيرالله لــ “حفريات”، لم يكن قرارنا بالتأييد فقط؛ بل قدمنا  رؤية “إصلاحية” من 9 نقاط، نتمنى أن توضع في حيز التنفيذ، لافتاً إلى أنّهم ينتقدون النظام السياسي من خلال البرلمان الممثلين فيه.

 

أما محمد صلاح خليفة، عضو مجلس النواب عن الحزب، فينفي بشدة أن تكون هناك “صفقة” بينهم وبين النظام السياسي بمقتضاها يتم ترك الحزب في ساحة العمل العام مقابل دعمه سياسياً. وقال لــ “حفريات” “مواقفنا واضحة منذ يناير 2012م، فانتهجنا الخط “الإصلاحي” منذ البداية، وانحزنا للوطن في ثورة الــ30 من يونيو (حزيران)، وما يزال انحيازنا قائماً، ونحن نكمل في نفس الطريق، في مواجهة التحديات العالمية والإقليمية، والحديث عن الصفقات لا محل له من الإعراب، ولا يخرج سوى من المناوئين لحزب النور، أو من خرج من المشهد السياسي مثل جماعة الإخوان المسلمين والمتعاطفين معهم”.

أما الدكتور ياسر برهامي، أحد أهم أبرز قيادات الجماعة، فصرّح بأنّ موقف الحزب من تأييد الرئيس “حرصاً منهم على عدم دخول البلاد فيما أسماه “الفوضى الخلاقة””، متحدثاً في فيديو له، نشره موقع الجماعة الرسمي، عن “مخططات عالمية تهدف إلى إغراق مصر والمنطقة في الفوضى، وتنفيذ خطة “الشرق الأوسط الكبير” وتفتيت البلاد إلى دويلات متناحرة”.

ضد الإرهاب!

كان الأكثر لفتاً للانتباه في رؤية الحزب المقدمة هو تعرضها لمحور الإرهاب باعتباره ظاهرة خطيرة تهدد استقرار  المجتمع، وتبدد ثرواته البشرية والمادية؛ داعياً لمواجهة شاملة؛ أمنية وفكرية وتربوية، وإعلامية، مع سدِّ الثغرات التي تسمح بتمكن الجماعات الإرهابية مِن تنفيذ عملياتها رغم حالة الطوارئ!

تطرق “الحزب” لمحور الإرهاب يأتي دفعاً للتهم الموجهة له من الكتل المدنية والليبرالية المصرية، والتي دأبت في الفترات الأخيرة توجيه أصابع الاتهام لمناهج جماعة الدعوة السلفية، والتي ما زالت تحفل بأفكار متشددة لم تعلن الجماعة عن مراجعات علنية لها، وفق رأي الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية، هشام النجار.

وحث الحزب على التعاون بين المؤسسات الدينية الرسمية (الأزهر والإفتاء والأوقاف) وبين الجمعيات الدعوية المعتدلة التي ترفض العنف والتكفير، إلا أنه دعا أيضاً لفتح المجال أمام الدعاة المعتدلين الذين لم يتورطوا في التحريض على الصدام والتخريب لسدِّ الثغرات في هذا المجال!.

تجديد الخطاب الديني بمفهوم سلفي!

لم يفت الحزب في رؤيته التأكيد على ضرورة مُلحَّة لتحديد مفهومٍ واضحٍ لتجديد الخطاب الديني “كما بشَّر به النبي -صلى الله عليه وسلم- (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها) (رواه أبو داود والحاكم، وصححه الألباني)؛ حتى لا يستغل خصوم التراث “وتلامذة المستشرقين” هذا الشعار  للطعن في ثوابت الدين أو تحقير  تراث الأمة!”، وفق نص البيان.

يحاول الحزب، وفق قول الباحث في شؤون الإسلام السياسي  عمرو عبدالمنعم، لـ “حفريات“، أن “يتصدى لكل من يفتح أفقاً أوسع في مسألة تجديد الخطاب الديني، التي طالما يؤكد على أهميتها السيسي في خطاباته، فيلتف على ذلك بمحاولته توضيح أنّ التجديد يأتي من داخل الدائرة التراثية لا من خارجها”.

 

يشرح البيان هذه النقطة : “إن تجديد الخطاب الديني وفق المفهوم الشرعي الصحيح: يستلزم الحفاظ على العقائد الإسلامية، والثوابت العبادية والسلوكية والخُلُقية، ولا يصح بحالٍ مِن الأحوال أن يُستغل تجديد الخطاب الديني لمحاربة القِيَم والأخلاق، أو لتهديد هوية المجتمع الإسلامية والعربية!”.

أما في محور “مجال الحقوق الدستورية وحريات المواطنين” فيدعو البيان إلى “المعالجة الفورية والسريعة لقضايا التعذيب عن طريق تخصيص دوائر  خاصة في المحاكم للفصل في هذه القضايا، بحيث يكون العقاب سريعاً، وبالتالي يكون رادعا لكل مَن يستغل سلطته في العدوان على حرمات الآخرين، وكذلك الوقاية مِن هذه الجرائم عن طريق معالجة الأجواء التي أدتْ إلى عودة هذه الممارسات!”.

يقول الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية علاء النادي لــ “حفريات“: إنّ حزب النور يستغل بذكاء لحظة إعلانه تأييد السيسي ليحاول الحصول على مكتسبات جديدة، بعد إفلاته من التعرض لحل حزبه، أو حرمانه من المشاركة السياسية، ليخطو  بعد ذلك خطوة أكبر في مجال مطالبته بالعديد من الإصلاحات السياسية التي تتلامس مع مطالب التيار الإسلامي العام، فيعزز من فرصه في أن يكون بديلاً حقيقياً لهذا التيار بعد أن ذهبت الجماعات الأخرى في مسارات الصدام العنيف أو الأفق السياسي المسدود.

يأتي ما قاله النادي متماشياً من شكوى الحزب في ورقته من أنّ “أبناء الكثير مِن “الجمعيات الخيرية” العاملة في مجال نشر الثقافة الإسلامية يُعانون مِن صور التمييز؛ مما يمثِّل عقوبةً جماعية عليهم بسبب جرائم ترتكبها “داعش”، وغيرها مِن جماعات العنف والتكفير، والعجيب أنّ هذا التمييز  يوجَّه في كثيرٍ م ِن الأحيان لمَن يقومون بدورٍ كبيرٍ  في محاربة التكفير  والعنف!”

 

وذهب الحزب أبعد من ذلك؛ حيث دعا إلى “الدعوة لتهئية الأجواء لإلغاء حالة الطوارئ في أقرب فرصةٍ لذلك”، مشيراً إلى أنه “يجب مراجعة قوائم المسجونين، وسرعة الإفراج عن كل مسجونٍ يثبُت أنه حُبس ظلماً، وفتح باب الاندماج في المجتمع أمام مَن ينبذ التكفير والعنف، وتحسين أحوال السجون بما يتناسب مع آدمية المسجونين”.

وفي محور العلاقات الخارجية، أظهر الحزب تخوفاته من الحروب الداخلية التي تتعرض لها البلاد العربية والإسلامية، محذراً من “مغبة التقسيم الطائفي والحذر مِن دخول المذاهب الهدَّامة التي تبذر بذور الطائفية في بلادنا، وعدم السماح باستغلال وجود أقلياتٍ في إذكاء روح الصدام والاقتتال داخل المجتمع”، في إشارة لافتة إلى مغبة التدخلات الإيرانية في المنطقة، وإظهار العداء التقليدي بين السلفية والطائفة الشيعية.

كما لم يفت الحزب التأكيد على ضرورة الاهتمام بالأقليات الإسلامية في العالم، مذكراً بمأساة مسلمي “بورما”، والحث على الوقوف بجانبهم، ومناصرة قضيتهم.

وفي مسألة قضية بناء الإنسان دعا إلى التأسيس على ثوابته العقدية والأخلاقية، وأن تتصدى الأجهزة الأمنية والرقابية لـ “شلال الانحلال” الخُلُقي الذي يَغزو بُيوتنا مِن كثيرٍ مِن القنوات، ووسائل التواصل الاجتماعي!

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close