بعِبرة لا بسكب العبَرات..بيت (المدى) يستعيد ذكرى شباط الدامي وشهداء الوطن

 زينب المشّاط  عدسة/ محمود رؤوف

لانقلاب السُلطات وتغيّرها الحاجة إلى سفك الدماء، يبدو أن هذه قاعدة، وإن كانت لبعض القيادات سابقاً نوايا بعيدة عن الدم والخراب إلا أن تغيير الانظمة بات يضطرنا لذلك، عن شباط الدامي وذكراه عام 1963. وهنا لا نشير الى سُلطة مُعيّنة أو حكومة ما بل نشير الى حركة دموية بشعة بكل تفاصيلها سواء على صعيد الأفراد من المواطنين أو المدينة بسكونها وجمالها أو الطريقة البشعة التي تغير بها نظام الحكم آنذاك…

ذكرى 8 شباط تقودنا لنفتح تلك الابواب، وقد نأخذ من خلالها العبر، أو نُسلط الضوء عليها، أو نتحدث عنها، أو نكشف الاشياء التي لاتزال مُخبأة، بيت المدى في شارع المتنبي واحد من المؤسسات التي أقامت جلسة خاصة بمناسبة هذه الذكرى…

الانقلاب الدامي
الكثيرون كتبوا عن ذكرى 8 شباط عام 1963 بعضهم ممن تعرضوا للظلم، والطغيان، وآخرون كتبوا مشاهد مروعة عمّا حدث في ذلك اليوم وحتى الانقلابيين كتبوا ذكرياتهم ولكنهم تحدثوا عن الماضي باستحياء .يذكر مقدم الجلسة الباحث رفعة عبد الرزاق ” كتب عن هذا الحادث قادة من الانقلابيين ذاكرين ما حدث بخجل واستنكار، لأنّ 8 شباط أكثر الاحداث العراقية في تاريخينا دمويّةً وكل من أدركوا هذا اليوم يعرفون الشيء الكثير مما جرى في بغداد وباب الشيخ وعكد الكراد والصالحية والكاظمية والكثير من مناطق بغداد التي استبيحت بلا خجل ولا وجل.”
انقلاب فقدنا فيه الكثير من الشخصيات العسكرية والمدنية التي نقول باطمئنان إنها من الشخصيات الوطنية، فيذكر عبد الرزاق أسماءهم أمثال ” سلام عادل ومحمد صالح العبلي وعدنان البراك ومتي الشيخ وسواهم من الكوكبة اللامعة التي قدمت التضحية الكبرى في هذا الانقلاب المروع، إضافة الى عبد الكريم قاسم وطه الشيخ أحمد، وجلال الأوقاتي وماجد محمد أمين وآخرين الذين ذهبوا ضحية الانقلاب وهم من ألمع الضباط في الجيش العراقي وما فعلوه في يوم الانقلاب هو من ضمن مهامهم العسكرية والوطنية لغرض الدفاع عن العهد الجمهوري الاول وهو من العهود الذهبية في تاريخنا.”

العِبرة لا العبرات
الحادثة معروفة لدى الجميع فلا يمكن تزييفها أو كتمانها، إلا أنها حتى اليوم تضم خلفها الكثير من الخبايا، يذكر الوطني والديمقراطي نجيب محيي الدين أن ” الكثير من الاحداث كانت معروفة لديكم والكثير كان طيّ الخفاء وليس في طيّ النسيان ،فهذه الحوادث التي وقعت عام 1963 مثلت نزفاً يثير فينا العزم والتصميم لاستذكارها ،لأنها تستحق منا كل استذكار من أجل الاجيال القادمة ونستذكرها أيضا من أجل موقعنا الحالي لنجد سبيلاً يؤدي الى ضوء أخضر يبشرنا في الانتقال الى الحالة التي حلمنا بها.”
عن تحليل الحدث يذكر محيي الدين”حين نُحلل أسباب ونتائج تلك الاحداث يجب أن نُدرك أنّ ما نقوم به ليس لمجرد التحدث كحديث تاريخي وإنما هذا الاستذكار يدعونا الى أن نحصل على عِبرة تاريخية من دون أن نسكب العبرات.”

إعادة قراءة التجربة
الرعب الذي خلقته تلك الذاكرة كانت حديث الحاضرين .يذكر النقابي والوطني عبد جاسم الساعدي أن”استعادة تلك الذاكرة مشبعة بالاعتقال والخيانة والإعدام والرعب، وأعتقد أن فؤاد التكرلي استطاع تلخيصها في روايته الرجع ، من خلال إشارته لمدى العنف في الشارع.”
تحدث الساعدي عن ثلاثة مواقع من صرائف العاصمة وتل محمد والسدة وعن الاعتقال والامن ومعسكر الرشيد والخيالة ومركز شرطة الفضل، والمقاومة في الكريمات ،وقال “في صباح يوم الانقلاب أخبرنا فوزي عباس الذي كان مسؤولاً عن منظمتنا إن بعض الناس وزعوا أسلحة شخصية للمقاومين، كنت صغيراً وأعرف عدداً من قادة التظاهرة وقالوا لي إنهم ذاهبون للدفاع وهناك شاهدت بنفسي الدبابات التي تضع صور عبد الكريم قاسم وحين استقر بها الحال الى الإذاعة والمجموعات الشابة من البعثيين او المنتسبين لهم كانوا يتدربون على السلاح في الشارع بشكل علني.”
يذكر الساعدي حالات التعذيب وكيف انتقالهم الى معتقل الخيّال . وهذه المواقع كما يذكر والانتقالات بالنسبة لهم كانت نتيجة الى”الانقسامات التي حدثت داخل الحزب الشيوعي ذاته” كما أشار الساعدي إلى “أن هذه الانقسامات والخصومات والمواقف المختلفة داخل الحزب، لا في جهة الانقلاب ولا في جهة تسليح الناس أدت الى ذهاب كوكبة من الشيوعيين ضحية التعذيب والموت والدمار.” مؤكداً أن “هذه التجربة من الاهمية التي تؤدي الى الحاجة لإعادة قراءتها.”

ساعة الصفر
لتلك الذكرى أحداث كثيرة يمكن أن يرويها معاصروها كلٌّ وفق وجهة نظره، الكاتب بكر عبد الحق يذكر “أنها ذكرى أليمة ومحزنه وُئد فيها حلم 14 شباط، حديثي عن 8 شباط 1963 عن ساعة الصفر وهي ساعة قتل جلال جعفر الاوقاتي، الذي عدّ خطة محكمة وضعها البعثيون لشلّ حركة قاسم ،لأنه قائد القوة الجوية في العراق وحين قُتل انتهت قوة قاسم الجوية.”
ومما يذكره عبد الحق أن “فصائل ميليشيا الحرس القومي آنذاك أعلنوا بينفصائلهم عن امر وهذا مقتل الاوقاتي وهي خطة أعدتها المخابرات الامريكية والمصرية ونجحت في ذلك.”
ورغم أن الكثير من المناطق كانت تقاوم مع قاسم إلا أن وجود انقلابيين داخل وزارة الدفاع نفسها، وان مديرية الامن كانت مائلة للانقلابيين حيث انتقل الانقلاب من جهة اليسار الى اليمين، كل هذا جعل من ساعة الصفر محكمة التنفيذ ومع مقتل الاوقاتي كما ذكر عبد الحق “جعل انتهاء الحركة القاسمية، مؤكداً أن موقف قاسم العسكري ضعيف جداً، وأن المبكي أن قاسم لم يكن مصدقاً بمقتل الاوقاتي فعلم أن نهاية حكمه أصبحت على المحك.”

معركة عكد الأكراد
شاهد عيان آخر هو عبد الرزاق الشيخلي يتحدث عن معركة عكد الأكراد. يقول في مقدمة حديثه ” لست شيوعياً ولكني نصير وصديق للحزب الشيوعي الذي خدم جماهير الأمة.” مُشيراً إلى ذلك الوقت بقوله” لا أنسى ذلك التاريخ حيث شاهدت الزعيم متجهاً إلى وزارة الدفاع ولا أنسى صمود أكراد عكد الأكراد عندما هاجمهم النقيب سعدون غيدان قائد دبابات خالد،وبقي عكد الأكراد آخر معقل ينصر الزعيم حتى نهاية شهر رمضان بحوالي 20 يوماً نظراً لإقبال العيد في ذلك الوقت فقد شددوا الخناق على عكد الأكراد وبعد مرور ساعة ونصف قرأت منشور الحزب الشيوعي عن تلك المؤامرة التي أدت الى تغيير النظام القاسمي.”

شهود عيان
واحد من شهود العيان آنذاك كما قال وهو عبد الجليل البديري يذكر ” لقد سمعنا صراخاً وهتافات في مدخل الكاظمية وتساءلت عنها فقيل إنها انقلاب ضد قاسم، بدأنا وقتها أنا ورفاقي بقيادة تظاهرة للتنديد بالرجعيين والانقلابيين وكانت التظاهرات تهتف باسم قاسم.”
كما تحدث المؤرشف هادي الطائي عن عبد الكريم قاسم وكيف كان يُعنى بالمكفوفين والأيتام من خلال وثائق عرضها على الحاضرين.

,
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close