“اذهبوا فأنتم الطلقاء” (على هامش زيارة الزعماء الكرد الى النجف)

بقلم: نعمت شريف

بعد ايام سيقوم العديد من الزعماء والمسؤولين الكرد بزيارة الى النجف الاشرف للقاء السيد السيستاني وآخرين من الحوزة المباركة بالاضافة الى زعماء سياسيين شيعة ربما من الذين يديرون دفة الامور في بغداد. لم يكن واضحا من ان العبادي سيكون من بينهم في استقبال الوفد الكردي الارفع مستوى من الاقليم حيث انه سيكون شاملا لمعظم الاحزاب الكردية ذات الشأن ان لم نقل جميعها. واما من الجانب الكردي فليس واضحا ايضا ان كان السيد مسعود البارزاني بين الزائرين او بالاحرى رئيسهم حتى وان كان السيد رئيس حكومة الاقليم من بينهم. لماذا هذه الزيارة الان، وما الهدف منها؟ هناك الكثير من الاسئلة، والكثير من العيون التي تراقب هذه الزيارة سواء من قريب او بعيد او مشارك فيها. في الايام القادمة قبل وبعد الزيارة سيكثر الكلام كالعادة، ولكن يبقى المهم في زيارة تاريخية كهذه، ماذا ستكون النتائج على ارض الواقع، والعراق بجميع اجزائه وكردستان بجميع اجزائها تواقة للتغيير، ولا يعرفان ماذا يطبخان او يطبخ لهما، ودليلنا على هذا ان الزيارة يدعو لها وينظمها معهد للدراسات (!).

أذا كنا نستلهم العبر من تاريخنا الاسلامي، فهل ستدخل هذه الزيارة التاريخ كمؤتمر او زيارة صلح؟ ان ما يجري على الصعيد السياسي من تعقيدات في اعادة الامور الى مجاريها بين اربيل وبغداد الا جزءا من افرازات القطيعة بين السيدين البارزاني والعبادي. ولقد قال العبادي بنفسه ما معناه انه رغم استقالة البارزاني الا انه لا يزال يلعب دوره من وراء الستار، وايده في ذلك الحزب الديموقراطي الكردستاني عندما اعلن على لسان احد مسؤوليه البارزين ان البارزاني سيبقى مرجعا سياسيا للكرد. وهل من شك في ذلك؟ ليس البارزاني طارئا على السياسة ليترأس وزارة ثم ينتهي دوره. البارزاني زعيم امة، ولم ترفع رئاسة الاقليم مكانته او تحط منها في عيون الكرد. وعلى الاصدقاء والاعداء ان يفهموا ذلك كي لا يفقدوا ثقة الشعب الكردي. الصفات الرسمية رسمية في محافلها للطارئين ولاضير في ذلك. ولذلك نرى انه فرصة تاريخية ان يستغلها العراقيون جميعا وبرعاية الامام السيستاني لتقريب وجهات النظر وانهاء القطيعة بين الطرفين كي يستطيع العراق المضي قدما في حل مشاكله وقطع الطريق على دواعش السياسة قبل دواعش الحرب. وبديهي ان انهاء القطيعة داخل العراق خير من خارجه او تدويله او الانتظار الى ما بعد الانتخابات. وكما قيل قديما الوقت كالسيف ان لم تقطعه قطعك وهل ستكون الانتخابات حد ذلك السيف الذي نتكلم عنه هنا!

لاشك ان هذه الزيارة-المؤتمر تثير الكثير من التساؤلات والفضول، ليس في العراق فحسب بل يتعداه الى دول الجوار والعالم. ولا شك ان الكثير من المصالح تتقاطع في العراق وتقطع الكثير من الشرايين العراقية. اقطاب سنية تنظر بتخوف شديد الى المصالحة العراقية حيث انها تتقاطع مع مصالحهم في هذه الدولة الثرية بمواردها وشعبها. ألعراق جميل بطبيعته الخلابة من جبال وسهوب ومياه، وشعبه جميل بكرده وعربه، بشيعته وسنته، وبالعديد من مكوناته التي تمثل ورودا مبتسمة في حديقة العراق الغناء. فكيف لا يطمع فيه، وكيف لا يطمح شعبه في العلو والترقي. وهذا الطموح شرعي ويجب ان يكون مباحا للجميع في كل شبر من العراق وعلى جميع الاصعدة. وعندما يعانق وميض الامل شرارة الفكر يصبح الطموح جامحا جموح الخيل اذا صهل. ومن يعتقد ان الكرد خسروا حرب الاستقلال فقد اخطأ. خسارة معركة لا تعني خسران حرب. قد يتأجل الحلم ولكنه لن يموت. والزعماء الذين خلدت اسماءهم في قلوب اقوامهم اولا وفي سجلات التاريخ، هم الذين ادركوا هذه الحقيقة وعملوا من اجلها.

لم يمتهن مراجع الشيعة في العراق السياسة رغم قساوة الظروف وتضحياتهم الجليلة من اجل كلمة حق في حضرة سلطان جائر. ويكفينا شرفا ان نقول ان أئمتنا الابرار ابرز الامثلة على ذلك. وفي العراق، يثمن الكرد قيادة وشعبا الموقف التاريخي لاية الله العظمى السيد محسن الحكيم في ستينات القرن المنصرم في رفضه الافتاء بقتل الكرد رغم العمليات التي كانت تجري في كردستان آنذاك. وعندما اصبح العراق على كف داعش، افتى المرجع الاعلى السيد السيستاني بالجهاد الكفائي فهب العراقيون لانقاذ البلاد. ونعتقد انه اليوم امام الطرفين (حكومتي اربيل وبغداد) فرصة لرأب الصدع (الذي حدث يوم 16 اكتوبر باستعمال القوة) وبرعاية السيد السيستاني، وله الفضل في ان يقول كلمته الموقرة في تحقيق اماني شعب عانى قرنا كاملا من الظلم والاستضعاف اسوة برسول الله (ص) “اذهبوا فانتم الطلقاء”، واحلموا كما تشاؤون واعملوا على تحقيقه بالسلم والموعظة الحسنة.

نحن نعلم ان الامر ليس بالسهل، وانه لتغيير كبير، ليس في المواقف الانية فحسب، وانما فيما يحمل ذلك من امال والام للمستقبل العراقي بشكل عام والكردي بشكل خاص، وانه لاصلاح كبير، أصلاح شأن الكرد اصلاح لغبن تاريخي كبير، وكما اوضح ممثل المرجعية في كربلاء، السيد عبد المهدي الكربلائي، في خطبة الجمعة بكربلاء “وقد يتصادم مع مصالح آخرين يحاربون الإصلاح وهنا نريد الأمل والإرادة والعزيمة وقد يستغرق هذا التغيير مدة طويلة للوصول الى الهدف” وداعيا الى “عدم إنتظار الغير بان يأتي التغيير منه” (صوت العراق 23 شباط 2018). نعم صدقت ايها الكريم ممثل الكريم، قلتها في الوقت المناسب.

يا معشر قريش ما ترون أني فاعل فيكم؟ قالوا: خيرًا، أخ كريم، وابن أخ كريم، قال:
 اذهبوا فأنتم الطلقاء (1)”.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close