العدالة في عالم الحيوان ح 8 التعاطف والقدرة على ادراك المشاعر !

(*)
د. رضا العطار

قد يكون هناك اناس كثيرون لا يدركون ان للحيوانات شريعة اخلاقية يعيشون بموجبها ويتقيدون بها، افضل من تقيد البشر بشريعتهم، وان لديها ضرب من الذكاء الاخلاقي.

خرج الباحثون في علم الحيوان عام 2006 في مجلة Science بأول دليل قاطع على التعاطف بين الثديات. فقد اثبتت العالمة Langford من جامعة ماكجيل :
(ان الفئران تعاني نفسيا عندما ترى زميلا لها يتألم).
لقد قامت الباحثة بحقن عدد من الفئران بحامض الخل، الذي يسبب احساسا حارقا مؤلما،
ثم لاحظت بعد ذلك ان الفئران التي شاهدت اقرانها تتعذب وتتلوى من شدة الالم ، قد غدوا فجأة اكثر حساسية وقد استخدموا مؤشرات بصرية لتوليد ردة فعل تعاطفية، وهو الامر المثير. حيث راحت الفئران تعتمد في اغلب الظن على التواصل بحاسة الشم.

وسرعان ما اعلن الباحثون ان المعلومات المستحصلة هي على جانب كبير من الاهمية.
فقد صرح احدهم : ان هذا الكشف يجب ان يفتح اعين الناس الذين يظنون ان التقمص الوجداني حكر على البشر. وقال آخر : اذن اتضح لنا ان الاثر (التعاطفي) لدى الفئران ينتقل بواسطة الآليات العقلية نفسها كما في التقمص الوجداني لدى البشر.
ان البحث الذي اجرته لنجفورد دليل دامغ حقا على التواصل التطوري بآلية اجتماعية بين العديد من اجناس الثديات المختلفة.

يؤمن عدد كبير منا بالطيبة المتأصلة في البشر. ويستدلون على ذلك بالافعال اليومية التي تبدو عشوائية والتي يقوم بها اصدقائنا وافراد عائلاتنا بل والغرباء ايضا.
ويطيب لنا ان نعتقد ان ميولنا الى التقمص الوجداني والطيبة اقوى من ميولنا الى القسوة والخسة والشر. قد يمكننا ايضا ان نقبل فكرة وجود هذه النزعة عينها لدى مجتمعات الحيوانات تجاه التعاطف و الطيبة ؟ هناك دليل قاطع على ان لدى العديد من الحيوانات القدرة على التعاطف. وان التعاطف منظم اساسي للحياة الاجتماعية لبعض انواع الحيوانات على الاقل، بالاضافة الى عدد لا حصر له من القصص. هناك ايضا بيانات تجريبية متعلقة بعلم الاخلاق وعلم الاعصاب تؤكد ما يعلمه عدد كبير منها بالفعل ومفاده
ـ ـ ان الحيوانات كائنات عاطفية لديها قدرة كبيرة على الشعور بمشاعر اقرانها وسلوك مسلك يدل على روابط اجتماعية قوية تصمد فترات طويلة من الوقت.

لقد تفاجأ كل من (دوفال) و ( بانكسيب) التلميذين المخضرمين في مدرسة السلوك الحيواني عندما نما الى علمهما تعاطف الفئران. وهل ما لم يصرح به كلاهما علنا، ضمنا، كان له وقع مفاجئ اكبر . . . إذا كانت الحيوانات تمتلك حجر زاوية ما نصفه في المجتمع البشري باسم (الاخلاق) فالقدرة على الادراك ومشاعر الاخرين بين البشر تسمح لنا بالتعاطف معهم وتجنب التسبب في الالم ومعاناة لها، ومن ثم التعرف بغية تحسين مصالح من هم حولنا.

التقمص الوجداني هو القدرة على ادراك مشاعر الاخر والاحساس بها، ومن هذا المنطلق فان مجموعة التعاطف تتضمن التقمص الوجداني والتلاطف والاهتمام والمشاعر والاسى والمؤاساة. وقد وضع مصطلح (التقمص الوجداني) في اوائل القرن العشرين لترجمة الكلمة الالمانية (Einfuhluung ) التي تعني حرفيا (الشعور بما في الداخل) وظهر اصطلاح القمص الوجداني اولا في سياق الفن. حيث كان يشير الى قدرة المرء على ان يضع نفسه محل موضوع متأمل، او ربما لوحة، او مقطوعة موسيقية، ومن ثم يفهمه تمام الفهم. ولكن سرعان ما انضم هذا المصطلح الى علم النفس حيث اصبح (وما زال) مفهوما من المناهج المثيرة للاهتمام والخلاف ايضا. وفي هذا السياق نجد ان المصطلح يساعدنا على ادراك مشاعر الاخرين والاستجابة لها بحساسية وطريقة نافعة.غيران ظهور هذا المصطلح في الادبيات التي تتناول الحيوانات قد ظهرت في السبعينات ولكن لم تصبح موضوعا للبحث المكثف الا في مرحلة متأخرة.

لقد اكد الفلاسفة على مصطلح التقمص الوجداني (مع ان داروين نفسه الذي استخدم مصطلح التعاطف) علما ان مفهوم التعاطف يختلف عن مفهوم التقمص الوجداني. فالاول معناه (الشعور لصالح الاخر) بينما الثاني يعني (الشعور مع الاخر) اي انك تشاطره في المشاعر.
الحلقة التالي في الاسبوع القادم

* مقتبس بتصرف من كتاب العدالة في عالم الحيوان لمؤلفيه مرك بيكوف وجيسيكا بيرس ترجمة فاطمة غانم ط 1 ، 2010 هيئة ابو ظبي للثقافة والتراث والكلمة

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close