اعناب فرنسا تقدم لضيوفها الكرام، قدحا من عصيرها

د. رضا العطار

يذكر الذين قرأوا التوراة وعنوا بما فيها من القيم الادبية والاخلاقية، فضلا عن الدينية، ان يعقوب قبيل وفاته بارك اولاده ودعا الله ان يكثر لهم من ( دماء الأعناب ).
وهذا الوصف للخمر من نبي عظيم يدعو الى التأمل الكثير فإن الخمور لم تكن مكروهة في العصور القديمة عند المصريين والعبرانيين وان كان حكمائهم قد حضوا على الدوام على تجنب الانغماس.

يقول الكاتب الاجتماعي المعروف سلامه موسى في كتابه دماء الاعناب في فرنسا:
بعد ان لاحظت الشعب الفرنسي كله يشرب الخمور، وهي ليست من دماء الاعناب فقط بل من ارواحها. لأن الفراعنة كانوا يخمرون الاعناب فقط اما الفرنساويون فأنهم يستقطرون الأعناب، اي يستخرجون الكحول صافيا من العنب عن طريق النار والأمبيق. وكثيرا ما كنت اطلب القهوة فيتطوع النادل بتقديم زجاجة صغيرة من الروم كي امزجه بالقهوة. ونحن العرب نكتفي في تحية الضيف بالقهوة، لكنهم في فرنسا يؤثرون عليها كأسا من الشراب تفرج عن كظومهم بالحديث الحر.

فقد اصبحت للخمور في اوربا ثقافة لا تكاد تقدر آفاقها. فقد قرات هذا الاسبوع مقالا في كتاب عنوانه ( بلاد النبيذ ) لمؤلفه – هيلجارتين – يوضح قيمة الانبذة ومنافعها في اطالة عمرالأنسان، وبحسب رأيه أنها تمنع تخثر الدم داخل الأوعية الدموية في جهاز دوران الجسم. فالنبيذ هو الشراب الفرنسي المفضل. اما في المانيا وسائر الامم الشمالية في اوربا فإن البيرة تأخذ مكان النبيذ. وليس في اوربا كلها هذا الاستنكار التقليدي الذي نجده في بلاد الشرق، بل ان كثيرا من الانبذة الراقية يصنعه الرهبان المسيحيون في الديور.

ويضيف موسى قوله : نحن في مصر نأكل العنب وفي فرنسا يشربون عصيره. والفرنسي الذي يملك عشرين فدانا من الارض يزرع نصفها بالكروم، ولكنه لا يبيع اعنابها كما نفعل نحن انما يجد ربحه اكثر حين يحيل اعنابه الى انبذة يبيعها في براميل او زجاجات. وصناعة النبيذ في فرنسا مألوفة لا تجهلها امرأة فرنسية في الريف. ويبدو انها لا تحتاج الى مهارة كبيرة.

وحين لا يزرع الفلاح الكروم في ارضه فانه يخرج ايام الموسم ويشتري في حدود طن من الاعناب المختلفة ويعود بها الى منزله حيث تتولى زوجته او امه استخراج النبيذ منها بما يكفي الاستهلاك للعام كله. بل انهم يصنعون النبيذ من التفاح ايضا ويبيعونه باسم – السيدر – والاصناف الجيدة منه هي شئ بين الماء والهواء عطرا وطعما ونشوة.

وعندهم الكل يستعمل الكحول، الخادم والسيد والطفل والكهل والمراة والرجل ، وقد ضحكت كثيرا اثناء مناقشتي مواطن فرنسي حول انكباب الشعب على تناول الخمور مع الطعام وتجاهله للماء وكأنه لا يوجد في فرنسا. فأنطلق يسرد لي محسنات الخمرة منشدا بعض الابيات الشعرية التي قيلت في حقها، وكان آخر ما ذكر، ان الخمرة وسيلة ذكية لتصالح الزوجين المتشاجرين، ولولاها لزاد الطلاق في فرنسا. ثم ختم كلامه بأنني لا يجوز لي ان اعيب الخمرة وانا ادين بالدين المسيحي، طالما بارك عليها المسيح نفسه ودعا يعقوب الله بان يوفرها لأبنائه.

وفي هذا السياق يستذكر كاتب السطور حضوره المؤتمر العالمي لطب العيون في فرنسا عام 1974، حين التقى بزملائه العراقيين وهم بصحبة زوجاتهم في مطعم فندق كونكورد، مقر المؤتمر، وسط باريس. فجلسنا جميعا حول مائدة مستديرة واحدة وكان الوقت ظهرا، فجاء النادل يحينا، وقبل ان يسألنا عن نوع الطعام الذي نشتهيه، ملأ اقداحنا بالشراب الأحمر القاني، فكان عمله هذا موضع قبول واستحسان من قبل الأزواج لكن موقف الزوجات وكان عددهن خمسة، اتسم بالتحفظ والتزمن جانب الصمت، إلا سيدة واحدة، وهي المحجبة بينهن، التي ابدت سخطها وغضبت بدرجة فقدت هدوئها وقالت لنا معاتبة (قحط مكان نتغده به) ونادت على النادل، وابدت له امتعاضها، وكأن الرجل ارتكب جرما. لكنه اعلمها و بادب جم، قائلا : ان النبيذ في فرنسا ياسيدتي هو ضمن مشروباتنا الوطنية، تقدم للضيوف مع مفردات الطعام وانها محسوبة ضمن الوجبة ومدفوعة الثمن سلفا. ومن رغب في غير ذلك كان عليه ان يعلمنا اولا وشكرا.

واسترسالا للحديث اروي للقارئ الكريم انطباعاتي عن حفلة طرب خاصة، اقامها زميل لي في داره ببغداد في السبعينيات، كان الضيوف جمع من الأهل و الاصدقاء يتوسطهم الفنان العراقي محمد القبانجي مع فرقته الموسيقية، كان جو الحضور بهيجا.
بدأ المطرب يترنم بصوته الرخيم بالغناء الجميل، منتقلا من لحن الى آخر حتى انطلق بالمقام الحكيمي منشدا، فأبدع في ادائه اي ابداع، لمًا بلغ ذروته في البيت التالي :

قالوا، شربتَ الأثمَ، قلتُ كلا، وانما * * شربتُ التي، في تركها، عندي الأثمُ

فضحك المنتشون كثيرا وصفقوا طويلا.

واستكمالا للمقال انشر ادناه القصيدة التالية، ناظمها مجهول، وقد جدتها في كتاب
(ادبنا وادباؤنا في المهاجر الامريكية)- لمؤلفه شاعر المهجر جورج صيدح.
ورغم اني لست من عشاق الخمرة، لكن هدفي من وراء ذلك تهيئة اجواء منفتحة لشبابنا العراقي المتطلع الى الانطلاق والحرية، لكي يستمتعون بها.

خطر الساقي فقلنا هاتها * * نحن نرضاها على علاتها
رب كأس زاد في لذاتها * * اثر الأفواه في حافاتها – هاتها

قف ولا تمسح عن الكأس الشراب * * طبعته شفة الخود الكعاب
ان مززناها سكرنا بالرضاب * * قبل ان نسكر من مزاتها – هاتها

هاتها ذوب لجين وذهب * * سلطوا الثلج عليه فالتهب
خضخضوه فتلوى وانسكب * * كسموط درّ درت حباتها – هاتها

جمعوا الاضداد من شتى الخمور * * واثاروا الحرب في طاس تدور
فإذا في النقع ارواح تفور * * فورة القهوة في مغلاتها – هاتها

هاتها تعكس اشباح الغروب * * في خليط من عصارات تروب
كلما غصّ بها حلق الطروب * * طلب التكرار من غصّتها – هاتها

ما لنا يحلوا لدينا مرّها * * تلك دنيانا وهذا سرها
خيرة اللذات طعم شرها * * ويل لمن ينفر من ويلاتها – هاتها

لا تقل ولىّ زمان الطيبات * * دونك البحر وهاك الغانيات
لم يزل في الرأس كوكتيل الحياة * * طافح الكأس بتذكاراتها – هاتها

هاتها وارفع بها عبء السنين * عن كهول مرحوا كاليافعين
انما الساعة عند العارفين * ساعة خلس عند العاشقين – هاتها

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close