حرمة الموسيقى وأثرها في النفوس.

حرمة الموسيقى:

.. من لم يتأثر برقيق الأشعار تتلى بلسان الأوتار في ظلال الأشجار على شطوط الأنهار فهو جلف الطبع حمار..أنتهى.

( موسوعة مائدة القاريء ص 152 للكاتب محمد الصبيحي عن لسان شيخ الأزهر حسن العطار المتوفى 1835م).

وجاء بالمثل عن شيخ الأزهر حسن العطار في كتاب مسلمون ضد الإسلام ص72 للكاتب محمد الديوك، وأن الإمام الشوكاني المتوفي 1839 رد على حرمة المعازف والآلات في كتابه الشهير ( نيل الأوطار ) بأنه لم يعرف كتاب الله ولا في السنة النبوية حديثاً صحيحاً صريحاً في تحريم الآلاتْ إنما هي عموميات ولا أدلة قطعية. إنتهى.

الحقيقة إن موضوع شواهد حرمة الموسيقى تم حسمه بعدم صحتها لغياب الدلالة القطعية وصراحة حرمة الموسيقى في الأحاديث الصحيحة من مصادر هامة كالبخاري ومسند الإمام أحمد وإبن ماجة والترمذي وأبو داوود وهي مصادر كل المذاهب لتوافقها في المتن والسند.

النقطة الثانية هي:

هل الموسيقى تُقوّم السلام النفسي وترطب النفوس وتحصنها، أي لا تميل بها إلى الإكتآب والعنف النفسي؟

أ: لاأعتقد ذلك بشأن حالات الإكتآب مطلقاً، فلو كانت كذلك لنقذت بيتهوفن من تقلباته النفسية في تأليفاته ، وعن ميل النفس للعنف فمثل هذا القول عندي لايعتد بمنطقه عُقلائياً، بل يعد من المغالطات المنطقية، التي يدعيها البعض؛ من أن الموسيقى بشكل مطلق كفيلة بتقويم وترطيب كل النفوس الإنسانية وتضمن عدم ميلها للسلوك الإرهابي الداعشي.

ب:- نعم، الموسيقى اللطيفة، بشكل عام لها أثرها النفسي الإيجابي دون أدنى شك ، بل كل كلمة طيبة موسيقى لاتخلو من لحن وإيقاع روحي لها نغماتها وضرباتها النغمية، التي تروض النفس وتنقيها من شوائب التوتر النفسي. فالموسيقى لم تخلقها الآلات الوترية لأنها حنجرية طبيعية تمتعت بها النفس البشرية منذ بداية الخلق.

الموسيقى وإيقاع نغماتها في خلايانا ومدارات ألكتروناتها تتأثر بكل صوت ونغمة، ولذلك نتأثر بحسنها وخبيثها، نطرب ونغضب ونحزن ونجفل وتقتلنا، بل ونزداد بها إيماناً، فهناك من يزاول الموسيقى بحنجرته كالغناء والترتيل للأناشيد الدينية في الكنائس، والآيات القرآنية للمسلمين، بل وهناك فن الدوران رقصا يصاحب التغني، ويعد من طقوس العبادات والتأمل كما هو عند المولوية ( جلال الدين الرومي) المتصوفة وكل المتصوفون ومنهم كالحلاج كما هو معروف.

إذن لابد أن ندرك أن ليس كل فن وموسيقى وغناء ورقص لايتزامن مع العبادات كمسعى للتقرب لله، هو مسعى شر لدس النفوس في الرذائلْ لتتخير الشر على الخير وتمتهن في الختام الإرهاب والعنف سلوكاً لها.

لقد غرقت آذان الخلفاء العباسيين بحلاوة النغمات الوترية وعذوبة الكلمات الشعرية، ولم ترطب نفوسهم وتحصنهم من القتل والتعذيب والممارسات الداعشية بحق الإنسانية.

لايمكن فصل النغمات عن أذن السامع من كل ذبذبات موسيقى الموجودات الطبيعية، ولو كان ذلك ممكن فهل الطرش سبباً للعنف والإرهاب؟؟

إذ لم تثبت التجارب الإنسانية شواهد مشخصة على ذلك.

الموسيقى ليست آلة مزمار ووتر وإيقاع بل هي فن لغة المشاعر ينقلها الصوت ونقلها قبل ولادة الآلة، فالموسيقى اليوم التي يمارسها العازف الملحن تعبيراً عن تفاعلات النفس وتقلبات الحس في كل كلمة شعرية ملحنة أو ضربة وترية، وبالمثل في لغة الفنون الأخرى لها شكلها الحديث المتطور وليست من بدع النفوس الشريرة.

من المؤكد أن كل فن وفنان موسيقي أسير رغباته وأهواءه وقابل للإستغلال والتسييس والتوجيه، فالموسيقى ممكن أن تكون أداة محرضة على العنف وقاتلة وممرضة، وقد أستخدمت لقتل المساجين كما في مثال الدكتاتور أوغستو بينوشيه الذي إستخدم موسيقى رومانسية للمطرب الشهير خوليو إغلاسياسي بصوت صاخب طوال أيام لتعذيب سجنائه بتشيلي.

أعتقد أن لمن الضروري الفصل بين التربية والنشأة البيئية الأسرية والإجتماعية وهوى النفوس وتداعياتها على شخصية الفرد في سلوكه، فقد يكون موسيقياً أو مطرباً مولعاً شديد الحساسية، لكن تقتله غريزة الغيرة وتتعاظم للإنتقام من موسيقى آخر، كما شيع سابقاً من أن أم كلثوم هي من قتلت أسمهان بالسم غيرة من صوتها الأجمل، ولادليل على ذلك بالطبع.

كل حياة فيها ضغوط إجتماعية عرفية وسياسية ثقافية تقمع الحريات الفكرية وتتبع عقلية الإستعداء والعصبية، وكل آليات جفاف ودس النفوس، تؤدي الى مضار وتوترات نفسية سلبية تتمثل بالسلوك اللاسوي. إذن يجب الفصل بين مؤهلات ومواهب النفس الإنسانية ذاتها ومقومات الشخصية وغرائزها وأهواءها.

فالإستجابات النفسية للفنون والتمتع بها لاتعني بالضرورة تجسد الإنسانية بكامل معانيها التي بدورها تعمل على حصانة النفس من إرتكاب جرائم أو دعم إجرام داعشي، لأنّ هذا التوجه العنفي يتوقف على قناعات وتوجهات لاتخفيها هوائيات الأوتار النغمية والكلمات طربا.

وختاماً نُذكُر بالمطرب فضل شاكر المغني الذي لم تُرطّب نغمات الموسيقى نفسه ولاأحصنته من الإلتحاق بالعصابات الداعشية التي هدرت كرامة الإنسانية، بما عرف عنهم بجرائمهم في الذبح والسبي بأسم العقيدية الدينية.

علاء هاشم الحكيم

20180302

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close