هل لدينا ما يستحق التسويق السياحي؟

سانطلق في مدخل هذه الوقفة من التساؤل أعلاه.. هل لدينا فعلا من تفاصيل الحياة اليومية البسيطة او المهمة ما يستحق التسويق.. ليقدم باعتباره تفصيلا يشكل بمعية أشياء أخرى مجمل الهوية السياحية العراقية؟

ومع ان اني شخصيا لا اميل الى النمط الديمغاوجي في التفكير، واثارة العواطف والاعتماد على المبالغات في الترويج للفكرة التي اطرحها… لكن الإجابة المتانية والواقعية هي اننا نمتلك الكثير من التفاصيل التي تستحق التسويق مقارنة مع غيرها من الأمور التي تسوق لنا في بلدان غربية وشرقية أخرى. من يمتلكون تجربة جيدة في التجوال والسفر ربما يتفهمون ما اعني.

بكل صراحة ووضوح لابد من القول بداية: اننا في العراق لا نمتلك بنية سياحية تليق بحجم البلاد. ولا نمتلك شريحة عريضة مؤهلة لادارة القطاع السياحي، الذي يحتاج لعدد غير قليل من الكوادر، منها من يمتلك خبرة في إدارة الفنادق، الشركات السياحية، مرشدين سياحيين والى ما هنالك من متطلبات السياحة، فضلا عن المرافق السياحية نفسها. لكن هنا اتحدث عن تسويق وتقديم تفاصيلنا اليومية بصورة تساهم بسهولة الترويج لها، بعض المنتجات الشعبية اللصيقة بموروثنا الشعبي، تقديم الفنون التشكيلية والرسم في اطار سياحي، بعض الماكولات والحلوى واشياء أخرى. حينما تتابع هذه الأمور تجد ان فيها ما يستحق الترويج له، لكن العقبة الأساسية هي غياب الاطار الفني والانيق الذي ينسجم مع رغبة السائح. ليس كل ما نعتز به يمكن ان يقدم بذات الطريقة القديمة، بل تحتاج الى قالب وطقس ما يساهم باضفاء لمسة سياحية عليه تساهم بتقديمه للاخرين في حلة اكثر جمالا واناقة.

كثيرون من العراقيي قاموا بزيارات لبلدان مختلفة من العالم، شاهدوا على سبيل المثال ان بعض الاكلات الشعبية يتم تقديمها في مختلف المطاعم بأسلوب اكثر شوقا، اكلات الفخار التي يرافقها طقس فتح انية الفخار المتوهجة بالنار امام الجميع، هناك اكلات شعبية يترافق تقديمها مع انية خاصة أصبحت لصيقة بهذا النوع من الطعام، في شمال افريقيا يكون الشاي المغربي الشعبي مقدما في كبريات الفنادق والمطاعم بابريق من الفضة، ويسكب بطريقة مميزة. في بلجيكا وسويسرا تقدم الحلوى باشكال وأساليب مثيرة. التفاصيل السياحية في أوروبا غنية جدا وقد يصعب مقارنتها في بلد مثل العراق لكن بلدان المنطقة ليست مختلفة كثيرا عنا ويمكن الاستعانة بتجربتها في هذا الاطار. ان بقينا هكذا سيتم سرقة الكثير مما نعتز به ليكون ماركة شعبية او ثقافية سياحية مسجلة باسم بلدان أخرى متقدمة اكثر منا على هذا الصعيد. وبسبب تراجع الأمور في العراق تم استغلال هذه النقطة وقامت العديد من البلدان بتسجيل بعض المأكولات، منتجات بسيطة، مظاهر خاصة في لائحة اليونسكو ضمن لائحة تراثها الشعبي مع اجراء تغييرات بسيطة عليها. اغفالنا المتواصل لهذه الأمور يفوت علينا فرصا كثيرة ويجعل موروثنا بالكامل مسجلا عالميا في لائحة موروث بلدان أخرى. ان جزءا من ما اتحدث عنه تتحمل مسؤوليته الجهات الرسمية وجزء آخر نسأل عنه نحن جميعا، بعض ما اشرت اليه مهمة منظمات المجتمع المدني، القطاع السياحي المتواضع، وكذلك المطاعم، الأسواق والمقاهي، هذه الأمور من الجوانب التي لازالت مهملة رغم ارتفاع ثقافة العراقيين سياحيا مقارنة بما سبق نتيجة لكثرة اسفارهم خلال السنوات الاخيرة. ختاما علينا البحث عن مظاهر عراقية جديدة وعدم الاستغراق بطقس الشيشة البابلية.
جمال الخرسان

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close