العدالة في عالم الحيوان ح 9 المشاعر التعاطفية لدى بعض الكلاب والطيور

(*)
د. رضا العطار

قد يكون هناك اناس كثيرون لا يدركون ان للحيوانات شريعة اخلاقية يعيشون بموجبها ويتقيدون بها، افضل من تقيد البشر بشريعتهم، وان لديها ضرب من الذكاء الاخلاقي.
يقول تشالز داروين في كتابه اصل الانسان والانتخاب وعلاقته بالجنس :
( لا يوجد افضل من السعادة التي تتجلى في الحيوانات الصغيرة مثل الجراء والحملان والقطط الصغيرة عندما تمارس اللعب، بالضبط كما اطفالنا)
الحيوانات التي تمارس اللعب الا وهي مسترخية تماما وبعيدة كل البعد عن التوتر، ومتمتعة بوافر صحتها ولذا فان السعادة والصفاء الكامنين في اللعب عادة ما ينتشران الى كل من يشاهد هذا المشهد. يقول عالم السلوك (جوتاثان بالكومب) : ان المتعة هي احدى عطايا التطور، فهي واحدة من السبل التي يجازي بها الخالق الكائنات على سلوكها التكيفي، وقد يعتقد الانسان ان المتعة والاخلاق قوتان متعارضتان، فاي شيء ممتع فلا شك انه عبشي ايضا، بينما المتعة الحسية تحفز سلوكيات تعمل على الارتقاء بالاستقرار الداخلي.
ان النشاط الافيوني للمخ يزيد المتعة والمزايا المتعلقة باللعب. واننا على علم بانطباقه على البشر. فليس هناك ما يدعونا للظن بان الاساس العصبي الكيمياوي للمتعة المترتبة على اللعب لدى الكلاب والقطط والخيول والدببة سيختلف اختلافا كبيرا.

لكن من الممكن ايضا ان يخفف التقمص العاطفي الفرد للفعل، كأن يحاول التخفيف من مصدر الأسى او يواسي الطرف المتضرر. ومن الممكن ايضا ان يكون له دور في تطوير الثقة. حيث ان الثقة تنطوي على تقييم نوايا ومشاعر الاطراف المتفاعلة. ولا شك ان القدرة على فهم النوايا كالتحايل والخداع وكذلك القدرة على تخيل سلوك الاخرين.
يلفت بعض الباحثات الانتباه الى ان النفس التي ترتبط بالاخرى تشاطرهم تجاربهم العاطفية، وعندما ترى احدهم في ازمة فاننا نشعر بالضيق وربما بالقلق ايضا. وعندما نرى احدهم يعبر عن شعوره بالخوف فإن الخوف ينتابنا نتيجة ذلك.

ومن الممكن ايضا ان يدفع الخوف والذعر والضيق الدماغ الى افراز مادة الكورتيزون (هورمون التوتر). يطلق افراز هذه المادة في الجسم سلسلة من الاثار الفسيولوجية كإرتفاع ضغط الدم وتوقف الهضم وتسريع النبض، بالاضافة الى ان افراز مادة الكورتيزون في الجسم بمقدار اكبر من اللازم يمكن ان يؤدي الى خلل في الوظائف المعرفية واتخفاض مستوى المناعة وغير ذلك من التغيرات المكلفة. ولذلك فان التقمص الوجداني في غير موضعه او المغالى فيه قد يكون تكيفا اخرق، فكل ما زاد عن حده انقلب ضده.

لقد اجرت العالمة النفسانية Carulyn Zahn Waxler دراسة بصدد ردود افعال الاطفال الصغار تجاه الازمات التي تعصف باحد افراد الاسرة. لذا قامت بزيارة منازل عدد من الاسر وراقبت ردود فعل الاطفال تجاه الازمات التي تصيب الاباء، فأتضح لها سلوك الحيوان الاليف بالمنزل لا يقل عن سلو الطفل الصغير . . فعندما كان احد افراد الاسرة يصيبه الضيق او الحزن، كأن يدعي البكاء مثلا، كان الكلب الذي يعيش في المنزل يبدي اهتماما فائقا بالطفل المكروب. فيحوم حوله او يتحسسه او يسند راسه الى حجره.

يقول تشالز داروين في كتابه اصل الانواع : ان اي حيوان على الارض يتمتع بغرائز اجتماعية مميزة، وانها بالاضافة الى الحب والتقمص الوجداني، تبدي الحيوانات سمات اخرى، يمكن ان نصفها بالاخلاقية مثلما لدينا نحن البشر.
فالكلاب تمتلك شيئا اشبه ما يكون بالضمير. كما ان الحيوانات تمتلك (قوة ضبط النفس) من حيث قدرتها على الاختيار بين سبيلين للتصرف والفعل. ووصف داروين الضمير بانه (المراقب الداخلي) الذي يوجه الحيوانات بأفضلية اتباع غريزة ما عن اخرى. فعلى سبيل المثال نجد ان الكلاب تنأنى عن سرقة الطعام من على المائدة حتى لو لم يكن سيدها موجودا. (ينبغي اتباع مسار سلوكي بعينه ولا يعني اتباع السائد الاخر. فاحدهما صحيح والاخر خطأ)

لقد المح العالم البيولوجي الشهير تشارلز داروين، صاحب نظرية التطور، الى ان الاخلاق البشرية تعد امتدادا للغرائز الاجتماعية. وان الاخلاقيات البشرية متزامنة مع سلوك اجتماعي آخر في الحيوانات الاخرى. وقد ابدى داروين اهتماما خاصا بالقدرة على التقمص الوجداني لدى عدد هائل من الحيوانات.
ويقص داروين عددا من القصص التي تتعلق بالطيور (ففي احدى البحيرات المالحة في ولاية يوتاه عُثر على بجعة عمياء تماما، وكانت سمينة جدا، ولا بد انها قد حصلت على طعام وفير من خلال رفاقها. كما علم داروين ان بعض الغربان الهندية تطعم ثلاثة من رفاقها المكفوفين. ويصف داوين التقمص الوجداني بانه جزء حيوي من الغرائز الاجتماعية الاخرى بل هو اساسها. ويختم كلامه قائلا (ان اي حيوان قد وهبه الله غرائز اجتماعية واضحة المعالم بما في ذلك العواطف الابوية والبنيوية، ولا بد ان يكسبه حسا اخلاقيا اقرب ما يكون الى الضمير البشري يمجد نمو طاقاته الفكرية بقدر نموها نفسه، لدى الانسان، او ما يقرب من هذا القدر.
الحلقة التالية في الاسبوع القادم !

* مقتبس بتصرف من كتاب العدالة في عالم الحيوان لمؤلفيه مارك بيكوف وجيسيكا بيرس، ترجمة فاطمة غانم ط 1 ، 2010 هيئة ابو ظبي للثقافة والتراث والكلمة

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close