استباحة الشاطئ التونسي…ممثلة شهيرة ولاعب دولي سابق في قائمة مخالفي “غار الملح”

بنزرت – الحسين بن عمر

يحاول الستيني التونسي علي الإمام، ابن منطقة غار الملح التابعة لمحافظة بنزرت التونسيّة (56 كيلومتراً شمال العاصمة)، و”الشّاغل وقتيّا” لمطعم على شواطئ المنطقة، شدّ أعواد القصب المحيطة بـ”القطعاية” (جزر صغيرة عائمة فوق سبخة سيدي علي المكّي المستنقعية غير الصالحة للزراعة)، كي يحدّ من قوّة الرّيح التي تذرو مزارع البطاطا في يوم شتوي من أيّام ديسمبر/ كانون الأول الباردة.

يعتريه التعب وتخرّ قواه فتنكسر بعض القصبات بين يديه، بينما يقول “فديت وأفكّر جدّيا في الرحيل مع زوجتي وابني عن هذا المكان الذي بات يضيق فيه العيش ويضيق بنا. فهذه (القطعاية) التي توفّر لنا احتياجات المطعم من الخضروات باتت مهدّدة بالغرق في كلّ لحظة جرّاء الموج الزاحف، وما حصل لجيراني من قبل لا يبرح ذاكرتي”.

جاثيا على ركبتيه المغروستين في الرّمل، يستجمع قواه ثانية ليعيد تثبيت الأعواد مستعينا ببعض الحجارة وهو يتمتم: “يهدّدوني بغلق مطعمي في حين يغضّون الطّرف عن المتنفّذين الذين يقومون بردم السبخة ليقيموا عليها البنايات. هذا ظلم كبير”.

العم علي واحد من فلاحي المنطقة من أبناء غار الملح الذين يفتخرون بمحافظتهم على موروث زراعي موريسكي أندلسي قائم على نظام بيئي فريد تختصّ به منطقة غار الملح، يتمثل في اعتماد القطعاية مرّتين في اليوم على حركة المد البحري التي تقوم بدفع المائدة المائيّة العذبة، المخزّنة على عمق لا يتجاوز المترين والتي يوفّرها سنويّا مناخ المنطقة الرّطب والأمطار، إلى أعلى فيغدو الرّمل نديّا يسقي مزارع البقول والخضروات، بينما عند حصول عمليّة الجزر تهوي المائدة المائية العذبة لمستقرّها في أسفل القطايع التي تبلغ مساحة أكبرها 1 هكتار، ما يجعلها تبدو لناظرها كأشرطة القصب المتراصّة على بساط رملي، وهو ما جعل علاقة العم علي بالقطعاية، “كعلاقة الجسد بالرّوح، ففيها عطر الأجداد ورزق الأحفاد والمد والجزر هما الشريان الذي يمدّ القطعاية بالحياة”، حسب وصفه.

يكشف التحقيق عن مدى تقصير وكالة حماية وتهيئة الشريط الساحلي التونسية وتقاعس وزارة البيئة والسّلطات المحليّة والجهويّة الممثّلة أساسا في الولاية والنيابة الخصوصيّة (هيئة تشرف على تسيير بلدية غار الملح) عن إنفاذ قانون حماية الملك العمومي البحري ضدّ 110 مخالفين، استغلّوا تداخل المسؤوليات على هذا المرفق الحسّاس، وأنشأوا بناءات صلبة بشط سيدي علي المكي وغار الملح منذ عام 2010، وهو ما تزايد بوتيرة متسارعة عقب ثورة 14 يناير 2011، مسرّعين بذلك عامل الانجراف البحري، وفق إحصائيات وكالة حماية الشريط الساحلي التي حصلت عليها “العرب الجديد”.

ويشمل الملك العمومي البحري، حسب الفصل 2 من قانون 73 لسنة 1995 المؤرخ في 24 يوليو/ تموز من عام 1995 المتعلق بالملك العمومي البحري، أساسا البحيرات والمستنقعات والسباخ المتّصلة طبيعيا وسطحيّا بالبحر والشّريط الساحلي المغطّى أو المكشوف بالتداول بمياه البحر عندما ترتفع هذه المياه إلى أعلى أو تنخفض إلى أدنى مستوى.

متنفّذون ينشؤون بناءات صلبة

لم يخف العم علي تحسّره على الحالة التي أمست عليها شواطئ غار الملح بسبب توسّع ظاهرة البنايات المقامة فوقها في مخالفة صريحة لمقتضيات قانون الملك العمومي البحري وخاصّة الفصل 18 منه “الذي يمنع إقامة بنايات أو منشآت جديدة حذو الملك العمومي البحري، سواء كان محدّدا أم لا، إلا بعد الحصول على قرار تصفيف من المصالح التابعة للوزارة المكلفة بالتجهيز، على اعتبار أنه يمنع البناء الصّلب على الأراضي المجاورة للملك العمومي البحري في جزئها الموظّف على حق ارتفاق التصفيف والمحاذي مباشرة لهذا الملك، والتي تخضع إلى حق ارتفاق مرور في عرض ثلاثة أمتار”.

ويؤكد المتحدث ما توصل إليه معدّ التحقيق، من أنّ عديد المتنفّذين استغلّوا أساسا فترة وهن الدولة وضعف آليات تطبيق القانون خلال الفترة اللاّحقة لثورة “14 يناير 2011″ ليقوموا بردم مساحات هامّة من السّبخة باستعمال رمال الشاطئ وتحويلها إلى”قطايع” جديدة، وهو ما دفع بجمعيّة “التطوير البيئي والتنمية الشاملة بغار الملح” (منظمة أهلية) إلى مراسلة رئيس النيابة الخصوصية بتاريخ 18 إبريل/ نيسان 2016 بشأن “حدوث عمليّات حوز للملك العمومي البحري”.

البنايات المستحدثة على شاطئ وسبخة سيدي علي المكّي، والتي وثق معدّ التحقيق تواجدها بعدد من الصّور بالاستناد إلى قاعدة معطيات القمر الصّناعي على “غوغل إيرث”، تبيّن تطور حجم الاستيلاء على الشاطئ خلال الفترة الممتدة بين سبتمبر/ أيلول من عام 2004 وحتى نوفمبر/ تشرين الثاني 2017.

وهذه التجاوزات مخالفة للفصل 25 من مجلّة التهيئة الترابيّة الصّادرة بمقتضى قانون عدد 122 لسنة 1994 المؤرخ في 28 نوفمبر 1994 والذي “يحجر البناء على مسافة تقل عن 100 متر ابتداء من حدود الملك العمومي البحري أو ما يعبّر عنه بمنطقة ارتفاق، إذ إنّ شط سيدي علي المكّي ليس إلّا شريطا ساحليّا ضيّقا، لا يزيد عرضه عن 80 متراً، يفصل بين مياه البحر والسّبخة، ما يجعله يخضع لمنطقة ارتفاق مضاعفة وبالتّالي عدم قانونيّة أي بناء صلب فوقه استنادا للمجلّة نفسها”.

كما مكّنت المعاينة الميدانية من الوقوف على تجاوزات بلغت حدّ تعمّد المخالفين، ومن بينهم وجوه سياسية وشخصيات رياضية وفنيّة معروفة وليسوا أصيلين من المنطقة، على غرار الممثلة نعيمة الجاني ولاعب المنتخب السابق رياض البوعزيزي، بناء شقق وطوابق داخل الملك العمومي البحري.

وتجاوز الاستهتار بالقانون حدّ تحويل البعض الآخر من المخالفين الشقق والإقامات إلى وحدات سياحيّة، وفق تأكيد الكاتب العام لولاية بنزرت حمّادي بن عمر، لـ”العربي الجديد”، وهو ما عاينه معدّ التحقيق من قبل حالة المخالفين حسن الوافي وسهيل السيّاري.

ولئن عبّر رياض البوعزيزي، عند مواجهته بهذا التجاوز، عن استعداده لإجراء تسوية قانونيّة رغبة في الحصول على رخصة إقامته السياحيّة المقامة على سبخة سيدي علي المكّي بعد الثّورة، فقد برّرت نعيمة الجاني في اتصال معدّ التحقيق بها، إقامتها لمنزلها المبنيّ على شاطئ الميناء بغار الملح بحيازتها لرخصة ملكيّة الأرض وكذلك حصولها على إذن قضائي للتزوّد بالماء الصّالح للشّرب دون أن تنكر عدم حيازتها لرخصة بناء.

ضعف الرقابة والتخاذل في تطبيق القانون

حيث ما وليت وجهك تجد أناسا يشيدون مبان، كما يقول العم علي، وتقف على حجم التجاوزات المتعلقة باستيلاء متنفذين على الملك العمومي، الأمر الذي أكدته، في حوار مع معدّ التحقيق، المديرة العامّة السّابقة لوكالة حماية الشريط الساحلي كوثر تليش، التي أفادت بأنها اطلعت خلال فترة إدارتها للوكالة (بين أغسطس/ آب 2015 وفبراير/ شباط 2017)، على تقرير داخلي للإدارة الجهوية ببنزرت التابعة للوكالة يوثّق بالصّور تشييد 60 منزلا أو طابقا علويّا بمنطقة ارتفاق الملك العمومي البحري بالسّبخة لوحدها إلى حدود تاريخ 15 يناير 2015.

وبحسب جدول تفصيلي للمخالفات الخاصّة بالبناءات الصّلبة من 2011 إلى 2017، أمدّ به ممثل الوكالة ببنزرت سمير العوجي، معدّ التحقيق، فإنّه تم رفع 110 مخالفات تخصّ كلّ أشكال البناءات الصّلبة.

كما اعترض العوجي على تمكين 5 مواطنين من رخص التزويد بالماء الصالح للشرب لوجود “مخالفات تتعلّق بالبناء والتحوّز على أجزاء من الملك العمومي البحري مسجّلة ضدّهم”، وطالب بمثال موقعي، وهو عبارة عن خريطة تسلم من خبير في قياس الأراضي بهدف تحديد مدى قرب موقع ما من الملك العمومي البحري للاعتماد عليها في تحديد المخالفين، وقرارات تصفيف للعقارات المراد تزويدها بالماء الصالح للشرب لـ10 مواطنين آخرين، بحسب مراسلات موجّهة لمعتمد غار الملح محمّد سفيان بن فضّة، بتاريخ مايو/ أيار ويونيو/ حزيران 2016، حصل معدّ التحقيق على نسخ منها.

وكان المدير العام الأسبق للوكالة محمود الشيحاوي (خلال الفترة بين 2012 و2015) لفت النّظر ضمن مراسلة لوالي بنزرت بتاريخ 5 فبراير 2014، إلى أنّ أعوان وكالة حماية الشريط الساحلي قاموا بتحرير 90 محضر مخالفة منذ سنة 2010، منها 31 مخالفة تتعلّق بمخالفات البناء بالصّلب والرّدم.

النفوذ يرتهن إنفاذ القانون

المدير العام الحالي للوكالة عبد المجيد بالطيب، والذي يشغل المنصب منذ مارس/ آذار 2017، لم ينف ما ورد على لسان سلفه تليش في ما يتعلّق بطبيعة المتنفّذين المستولين على الملك العمومي البحري بمنطقة غار الملح، فهم: “ذوو نفوذ مالي وجهوي وحتّى سياسي استطاعوا تعطيل تنفيذ قرارات الهدم الصادرة ضدّهم”، إلّا أنّه لم يشأ أن يفصح عن الهوية السياسيّة للمتنفّذين، مكتفيا بالقول إنّ “كلّ الأطراف الفاعلة تتدخّل لتعطيل تنفيذ قرارات الهدم، وهو ما جعل نسبة التنفيذ لا تتجاوز 20%”.

معلومات متطابقة من مصادر مطّلعة، ترفض الإفصاح عن هويّاتها لتخوفها من المضايقات من قبل المتنفذين، أكّدت لمعد التحقيق حصول تدخّل مباشر لبعض الوزراء لدى السّلط الجهويّة لمنع تنفيذ بعض قرارات الهدم ضد المعتدين على الشريط السّاحلي بغار الملح، وهو ما يفسّر عدم ارتداع المخالفين والتطاول على أعوان المراقبة “بلغ حد الاعتداء لفظيا عليهم وسب الجلالة، متوعدين إياهم بالانتقام في حضور رئيس منطقة الأمن ببنزرت”، كما يؤكّد سمير العوجي.

الإشغال الوقتي: قانون بلا أنياب

في الوقت الذي تؤكّد فيه وكالة حماية الشريط الساحلي عدم منحها أيّ رخصة إشغال وقتي خلال صيف 2017، فإنّ صور “غوغل إيرث” تثبت انتشار واقيات شمسيّة من نفس الصّنف والحجم على مساحات شاسعة بشط سيدي علي المكي وتقيم الحجة على وجود إشغال بالمكان الذي يعد تجاوزا لقانون الملك العمومي البحري، وخاصّة الفصلين 22 و23 منه، اللذين ينصان على أنّ “الترخيص باللّزمة (عقد استغلال) أو الإشغال الوقتي لا يكون إلّا من قبل الوزير المكلف بالبيئة وباقتراح من الوكالة طبقا لخصوصية هذا الملك وبصفة متماشية معها”.

وقد حصل معد التحقيق على نسخ من رخصة نشاط موسمي بشاطئ الميناء مقدّمة بتاريخ 11 أغسطس 2017 من قبل رئيس البلدية الحالي بغار الملح طارق الميلي، والذي يشغل كذلك منصب المعتمد منذ مارس 2017، وعقد لزمة استغلال مأوى السيارات بشاطئ الميناء لسنة 2015 مسلّم من قبل فؤاد بلانكو، رئيس النيابة الخصوصيّة، بين يونيو 2012 وإبريل 2017.

إسناد هذه الرخص لممارسة نشاط موسمي على شواطئ غار الملح من قبل البلديّة دون الرّجوع للوكالة باعتبارها المخوّلة لدراسة ملف الإشغال، دفع بالعم علي للجزم بأنّ “رخص النشاط الموسمي هي فرصة البلديّة في ممارسة النفوذ والتأثير، وهذا معلوم للجميع بغار الملح”، مبديا استغرابه من مواصلة مضايقته وتهديده بغلق مطعمه مقابل تسليم رخص نشاط موسمي غير قانونية.

السّلطات المحليّة والجهويّة تعرقل عمل الوكالة

لم يخف كل من رئيس النيابة الخصوصية المقالة بغار الملح منذ مارس 2017، فؤاد بلانكو، ورئيس البلدية الحالي طارق الميلي، إسناد رخص نشاط موسمي (في حدود 120 رخصة صيف 2017) على شواطئ غار الملح، مرجعين ذلك بالأساس إلى محدوديّة الموارد الماليّة للبلديّة، إذ عزا بلانكو التصرّف في لزمة مأوى السيارات القريب من شاطئ سيدي علي المكّي، والذي حصل معد التحقيق على نسخة منه، إلى الرّغبة في توفير اعتمادات للبلدية التي تقوم يوميّا برفع أطنان من فضلات المصطافين رغم كون الشاطئ المذكور لا يتبع ترابيّا للتقسيم البلدي، مدّعيا وجود اتفاقيّة في هذا الشأن مع الولاية تعود للثمانينيات.

أمّا الميلي فقد أرجع منح البلدية لهذا العدد من رخص النشاط الموسمي، رغم رفض الوكالة، إلى “توصّل البلدية بمكتوب من الولاية في حدود شهر مايو 2017 يفيد بتفويض الوكالة أمر الإشغال الوقتي لصالح البلديّة”.

بحسب مسؤولين من الوكالة، تحفظوا على ذكر أسمائهم، فإن السّلطة المحليّة تعتمد كلّ سنة التأخير في تقديم مطالب ملفات الإشغال الوقتي كي تفرض أمرا واقعا بحلول الصّيف وتقوم بمنح رخص النّشاط الموسمي غير القانونيّة.

وتجدر الإشارة إلى أن حالة عدم الاستقرار وتعاقب سبعة معتمدين على المنطقة خلال السنوات السبع الأخيرة جعل النيابة الخصوصيّة تستأثر بإدارة المرفق العمومي بغار الملح، وهو ما يحمّلها الجانب الأكبر من مسؤوليّة انتهاك الإشغال الوقتي.

ورغم أن الأمر عدد 1405 المؤرخ في 23 إبريل 2014 والذي جاء منقّحا للفصل 9 من الأمر عدد 457 لسنة 1989 والمتعلّق بتفويض بعض الصّلاحيّات للولاة، وتحديدا الفقرة 6 منه، قد حصر التفويض نهائيا في قرارات الهدم والتنفيذ والإزالة، فإن حمادي بن عمر لم ينف تفويض البلديّة التصرّف في الإشغال الوقتي الصيف المنصرم. وهو ما عدّه الخبير القانوني المتتبع لقضايا الفساد، قيصر الصيّاح، تجاوزا للسّلطة الممنوحة.

كما ساهم ضمّ مصلحة التراتيب البلدية للإدارة العامّة للأمن الوطني منذ سنة 2012، وجعلها تأتمر أوّلا وأساسا بأوامر وزارة الداخلية بدلا من وزارة الشؤون المحلية والبيئة، في تعطيّل تنفيذ قرارات الهدم، بحسب الكاتب العام للولاية حمادي بن عمر.

وكشفت ثلة من كوادر الوكالة ضمن مراسلة للوزير المكلّف بالبيئة بتاريخ أكتوبر/ تشرين الأول 2017، عن معاينتهم استغلال بعض المواقع بناءً على تراخيص جهويّة دون إذن وزير البيئة، وكذلك تجاوز جلّ الشاّغلين محتوى التراخيص الممنوحة لهم من قبل الوكالة والإدّعاء بأن ذلك يتمّ بموافقة السّلطة الجهويّة، فضلا عن مواصلة استغلال رخص نشاط موسمية منتهية الصلاحية، بما يثبت ضياع الملك العمومي البحري في ظل تداخل المهام بين مختلف هياكل الدولة المناط بعهدتها حماية وإدارة الشريط الساحلي.

تقصير في إنفاذ القانون

تقيم مختلف المؤشرات السابقة الدليل على تقصير وكالة حماية الشريط الساحلي وعجزها عن أخذ الإجراءات القانونية اللازمة التي تقف عند حدّ إحالة محاضر الخطايا (الغرامات) لوكالة الجمهورية والمكلف العام بنزاعات الدولة، وفق ما جاء في مراسلة الشيحاوي لوالي الجهة في 2014، التي أشار فيها إلى أنّ مصالح الوكالة قامت بإحالة جميع ملفات المخالفات المرتكبة منذ 2010 إلى وكالة الجمهورية والمكلف العام بنزاعات الدّولة للتتبّع القضائي، كما تمّ “إصدار قرارات هدم وإزالة بخصوص المخالفات المرتكبة ولم يقع تنفيذها إلى الآن”، أي بعد أربع سنوات، بل إن أغلبها لم ينفّذ إلى حين إجراء هذا التحقيق، أي بعد 8 سنوات كاملة.

وقد أكد ذلك المدير العام الحالي بالطيّب، الذي أرجع فيه المشكل المتفاقم إلى تداخل المسؤوليات، في حين برّرت كوثر تليش عدم إنفاذ إدارتها للفصل 30 بصعوبة تقدير حدود الأضرار اللاحقة.

وفي تعليق على ذلك، أكد الصيّاح ضرورة التجاء الوكالة للمكلّف العام بنزاعات الدولة (الجهة المكلفة بالدفاع عن مصالح الدولة) ليقوم في حقّها بقضايا استعجالية، وذلك في تناسق مع الفصل 201 من مجلّة المرافعات المدنية والتجارية والذي ينصّ على أنّه يمكن القيام استعجاليّا في حال ضرورة التدخل العاجل والتأكّد والجدّية دون الخوض في “التعويض”.

ولفت الصيّاح إلى أنّ القوانين المنظّمة لحماية الشريط الساحلي متفرّعة وأحيانا متداخلة لكنّها إيجابيّة وتضمن سلامة المرفق العام شريطة الالتزام بحذافيرها والتقيّد بحق الفرد والدّولة.

المدير العام الحالي للوكالة أكد قيام إدارته برفع قضايا استعجالية ضدّ المخالفين عبر المكلّف العام بنزاعات الدّولة دون تقديم دليل على ذلك، كما أنه لم يدحض المعطيات الميدانيّة التي كشفت عن رصد الوكالة فقط لأقل من 60% من جملة المخالفات المرتكبة على الملك العمومي البحري، كما لم يقدّم ما يفيد متابعة إدارته لسير ومآل القضايا المحالة إلى وكالة الجمهورية، رغم وعده بذلك، ولا حتّى مجرّد الكشف عن عدد المخالفات التي صدرت فيها قرارات هدم ولم تنفّذ بعد سوى التنصيص على كونها لم تتجاوز 20%.

تهديد تراث الأندلسيين الزراعي

يخشى فلّاحو “القطايع” من التقدّم السّريع لمياه البحر على حساب شط سيدي علي المكّي، الفاصل بين مياه المتوسّط والسّبخة، الذي يعدّ من الوجهات المحبّذة لدى المصطافين التونسيين. وتتضاعف هذه المخاوف نتيجة تفشّي ظاهرة الاستيلاء على مساحات من الملك العمومي البحري بكامل المنطقة وإقامة بنايات صلبة فوقها.

وتشير دراسة علميّة تحمل عنوان: “السّاحل الهش بسيدي علي المكّي” أنجزها مكتب الدّراسات الخاص: كريستال للهندسة “khrystal engineering” سنة 2003 إلى أنّ القطايع “تشكّل عنصراً مهمّاً من التراث التاريخي والثقافي والطبيعي في نفس الوقت، فهي تراث فريد من نوعه للنظام البيئي في تونس وربّما في العالم، تعتمد تقنية الرّي الطبيعي الخاصة بالقطايع، التي أدخلها الأندلسيون الموريسكيون، مؤسسو منطقة غار الملح، إثر طردهم من إسبانيا أوائل القرن 17 الميلادي”.

هذه الخصوصية في الرّي الطبيعي دفعت بمنظّمة الأغذية والزراعة (الفاو) التابعة للأمم المتحدة إلى إنشاء لجنة وطنيّة لنظم التراث الزراعي خاصّة بتونس، من أجل التحضير لإعلان “قطايع” غار الملح محميّة عالميّة، وفق ما أكد الخبير في البيئة سامي بالحاج. وبحسب منشور على موقع الفاو فإنّ: “الهدف من هذه اللجنة هو المساعدة على تطوير السياسات والأنشطة للمحافظة على النظم الزراعيّة الموروثة ذات الأهمية العالميّة”.

ويشير بلاغ صندوق الإنماء التابع للأمم المتحدة بتاريخ 17 مايو/ أيار 2016 إلى وجود تحدّ حقيقي يتمثّل في تقدّم سريع لمياه البحر على حساب اليابسة بشواطئ غار الملح في أفق سنوات 2020-2030-2050 و2100، تقدّم يلمسه بوضوح سكّان المنطقة. فالعم علي يجزم أنه يتذكّر جيّداً كيف كان، لبضع عقود خلت وانطلاقاً من مستوى الشاطئ الحالي، يسير مسافة تربو على 100 متر قبل إدراك مياه البحر.

نفس توقّعات المنظّمة الدولية، خلصت إليها من قبل دراسة “الساحل الهش لسيدي علي المكّي”، حيث تشير الصفحة 40 منها إلى أنّ “التغييرات المناخيّة المتعلّقة بتقدّم مياه البحر تؤثر بصفة تدريجيّة لكنّها بطيئة ومؤكّدة وتتعاظم بفعل الاستغلال غير المدروس”.

ويخضع موقع غار الملح لاتفاقية رامسار، وهي معاهدة دولية للحفاظ والاستخدام المستدام للمناطق الرطبة من أجل وقف الزيادة التدريجية لفقدان الأراضي الرطبة في الحاضر والمستقبل وتدارك المهام الإيكولوجية الأساسية للأراضي الرطبة وتنمية دورها الاقتصادي، والثقافي، والعلمي وقيمتها الترفيهية، وتحمل الاتفاقية اسم مدينة رامسار في إيران، ويتمتع حالياً أكثر من 1888 موقعاً بحماية اتفاقية رامسار بمساحة تقدر بـ 1.8 مليون كيلومتر مربع، وفقاً للمبادئ التوجيهية للاتفاقية، وهي موزّعة على 159 بلداً (أيار/ مايو 2010)، منها في ألمانيا منطقة حقول التقطر شمالي مدينة مونستر.

وبحسب الفاو فإن غار الملح منطقة مهمة جداً للطيور المهاجرة وتوجد فيها حياة برية كبيرة مستوطنة ومهددة بسبب عمليات البناء الصلب الجارية.

سلبية وزير البيئة

خبراء الوكالة يؤكّدون أنّ الاستنزاف الحاصل للشاطئ عبر الإشغال الوقتي غير المدروس فضلا عن التّزايد المطّرد للبناءات الصّلبة المقامة على الملك العمومي البحري وارتفاقاته، من شأنه أن يعطّل النظام الطبيعي لمياه البحر الذي يستوجب فضاء فسيحا بدون حواجز صلبة وإلّا تعاظم الانجراف.

علاوة على الإجراءات القضائية المتّبعة ضدّ المخالفين والمنصوص عليها بالفصل 4 من قانون عدد 72 لسنة 1995 المتعلق بإحداث الوكالة، والمتّصلة خاصّة بالبنايات، واعتبارا للخطر الذي يتهددّ شاطئ سيدي علي المكّي ومن ورائه المنظومة الزراعيّة النّادرة “للقطايع”، الذي جعل دراسة علمية تصفه بالخطر الداهم، فإنّه يتوجّب على وزير البيئة تطبيق الفصل 30 من قانون الملك العمومي البحري والذي يعطيه الصلاحيّة لـ”تنفيذ الأشغال الضرورية لدرء الأضرار اللاحقة بالملك العمومي البحري”، أي أعمال الهدم، يؤكّد المحامي والخبير القانوني قيصر الصيّاح.

وثبت لمعدّ التحقيق أن وزراء البيئة المتعاقبين منذ 2010 لم يطبّقوا الفصل 30، كما أن الوكالة لم تقم بالإجراءات الترتيبية اللازمة لإنفاذ ذلك طيلة 8 سنوات من الاعتداء المتواصل على الساحل الهش بغار الملح.

وبما أنّ الفصل 31 من القانون نفسه يدعم آليّة تنفيذ مقتضيات الفصل 30 منه بتأكيده على أنّ “أعوان الضابطة العدليّة المنصوص عليهم بالفصل 10 من مجلّة المرافعات الجزائيّة وأعوان التراتيب مؤهّلون لتنفيذ هذا القانون”، فإنّ التقصير غير مبرر، يضيف الصيّاح.

رياض المؤخّر، وزير الشؤون المحليّة والبيئة منذ أغسطس 2016، وخلال مواجهته مع معدّ التحقيق بجملة التجاوزات الحاصلة على الشريط السّاحلي، اعترف بتقصير الوزارة منذ 2010 في ما يتعلّق بوقف جملة الانتهاكات الحاصلة، مشدّدا على حق الوزير في تنفيذ منطوق الفصل 30، أي الإذن بالهدم الحيني لكل المخالفات المقامة على الملك العمومي البحري. وأكد في المقابل أنّ التنفيذ يرجع بالنظر لوالي الجهة بمقتضى الأمر الحكومي الخاص بتفويض بعض صلاحيات الوزراء للولاة.

وعلى ذلك لم يدل الوزير بما يفيد إذن وزارته أو سلفه بهدم الشقق والبنايات المخالفة، متعللا في ذلك بحساسية الفترة الانتقالية على جميع المستويات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، كما لم يستبعد تدخّل “بعض المحسوبين على الأحزاب الحاكمة” في تعطيل تنفيذ قرارات الهدم.

في المقابل، شدّد الوزير على عزم وزارته “وقف نزيف الاعتداء على الملك العام” وإذنه هذه السنة بتعميم الآليّة الخاصّة بالاستغلال المسبق والمحدّد للشواطئ بغار الملح.

أمام تواصل استباحة الشّريط السّاحلي بغار الملح والتهديد المحدق بمنظومة “القطايع” وأمل الأهالي في إجراءات عاجلة تضع حدّا للجريمة المتواصلة منذ 2010، فإنّ ما يقع حاليّا من مراجعة للملك العمومي البحري بالمنطقة وما توفّر لمعدّ التحقيق من معطيات تخصّ التحديد الوقتي المزمع تقنينه بأمر جديد، لا يخدم مصلحة السّاحل الهش والمهدّد بالتدمير، في مخالفة صريحة للمادّة الثامنة من بروتوكول مدريد بشأن الإدارة المتكاملة للمناطق الساحليّة في المتوسّط والتي تفرض إنشاء الأطراف المتعاقدة لمنطقة ممنوعة من البناء لا يقلّ عرضها عن 100 متر اعتبارا من خط الماء الشتوي، وهو ما جعل العم علي يجزم بأنّ التحديد الجديد:”لا يخدم المنطقة المهدّدة بالغرق” مقترحا إعادة النظر في التحديد الوقتي، بينما يصر خبراء البيئة الذين التقاهم معد التحقيق على تجميد الإشغال الوقتي بشاطئ سيدي علي المكّي لخمس سنوات كاملة وإعلانه منطقة ممنوعة من الاصطياف، مع الإسراع في إيجاد بدائل تنموية لشباب الجهة كخطوات أولية ضروريّة لحماية الشريط الساحلي الهش في المنطقة.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close