تداعيات اجتماعية للاقتصاد السياسي النيوليبرالي في مصر

أ.د.محمد أشرف البيومي
أستاذ الكيمياء الفيزيائية بجامعة الإسكندرية وجامعة ولاية ميشجان سابقاً
نوفمبر 2017

دراسة مقدمة للمؤتمر الاقتصادي الأول:نحو رؤية اقتصادية وطنية لسوريا المستقبل

ملخص

تلازم مسار “الانفتاح الإقتصادي” في مصر مع اتفاقيات “كامب دافيد” مما جعلهما وجهان لنفس العملة. وبالتالي عندما نرصد التداعيات الاجتماعية والثقافية والسلوكية لهذا “الانفتاح” نجد أنه من الصعوبة الفصل بين النهج الاقتصادي والسياسي بل أنه من الضروري الالتزام بالمنهج الشامل في التحليل وتجنب المعالجات الجزئية التي تؤدي إلي استنتاجات قاصرة. إن تبني منهج “الانفتاح” أو “الانفراج” الاقتصادي هو دعوة للوقوع في هوة التبعية السياسية والإقتصادية والتي من الصعب الفكاك منها.
تسعي هذه الدراسة إلي رصد التداعيات المدمرة للنهج النيوليبرالي علي المجتمع المصري مما يستدعي ضرورة العمل علي تغيير المسار الاقتصادي في مصر. الدراسة تشكل أيضاً تحذيرأ للذين يراودهم تبني نهج الانفتاح النيوليبرالي الذي يؤدي دون شك إلي نتائج وخيمة اقتصاديا واجتماعيا وتفاقم المعاناة لغالبية الشعب. فالحالة المصرية تمثل نموذجاً عملياً استمر أربعة عقود وجب الاستفادة من دلالاته.

شكر واجب

اقدم شكري لدعوتي للمشاركة في المؤتمر الاقتصادي الأول الذي ينظمه “تجمع سوريا الأم” خصوصا وأنني لست متخصصا اكاديميا في مجال الدراسات الاقتصادية. إن اشراك متخصصين في مجالات أخري لهم اهتمامات بدور الاقتصاد المحوري في المجتمع قد يثري النقاش ويضيف أبعادا جديدة.
أعتمد في هذه الدراسة علي قرائتي العامة والإطلاع علي تقارير ودراسات اقتصادية عربية وامريكية وعلي مشاهداتي وملاحظاتي في الدول العربية وبالأخص في مصر وأيضاً في الولايات المتحدة الأمريكية.
أقدم الشكر للدكتورة سهير مرسي لتقديمها عدد من الدراسات الهامة ولمراجعة الدراسة.

أهمية الموضوع

يأخذ موضوع الانفتاح الاقتصادي واتباع نهج الاعتماد علي آليات السوق أهمية خاصة بالنسبة لسوريا التي هي الآن علي مشارف انتصار كبير علي الإرهاب والمعارضة المسلحة المدعومة من قوي الإمبريالية والكيان الصهيوني وأتباعها المحليين دام حوالي سبع سنوات. صمود سوريا العظيم يؤهلها لانطلاقة جديدة نحو نهضة مستقبلية. من الطبيعي إذاً أن يأخذ الحوار حول نوعية هذه النهضة وركائزها ومنهجها أهمية فائقة. من هذا المنطلق وجدت من الضروري نقل صورة حول تداعيات الانفتاح التي حلت بمصر في مجالات متعددة ولمدة تفوق أربعة عقود. إن الهدف من ذلك هو تجنب تلك التجربة المريرة والتي يصعب الفكاك منها رغم ضرورة ذلك. سوريا إذاً علي مشارف انتصار كبير ضد التآمر الغربي والصهيوني والعربي الرجعي وضد الإرهاب وهي الآن علي أهبة شق طريقها من أجل نهضة جديدة لابد وأن تكون مرتكزة علي الاستقلال والاعتماد علي الذات والاستفادة بشكل خاص من الابداع المحلي.

إن المعالجة الشاملة للموضوع تلزمنا بالتأكيد علي الارتباط الوثيق بين سياسة الانفتاح الاقتصادي ومسار “السلام” مع العدو الصهيوني وما تبع ذلك من وقوع في فلك التبعية للغرب. ورغم أن الانفتاح الاقتصادي في مصر لعب دورا اساسيا في الظواهر الاجتماعية والسلوكيات التي صاحبته فإنه من الضروري أن نؤكد تواجد عوامل أخري تضافرت مع الانفتاح الاقتصادي لتنتج هذه الظواهر وتلك الممارسات. من هذه العوامل ظاهرة هجرة العمالة إلي الدول الخليجية والهجرة من الريف إلي اطراف المدن مما أدي إلي التوسع في العشوائيات. هذا بالإضافة إلي دور القيادة السياسية في ضرب وحصار القوي التقدمية والوطنية واطلاق العنان للاخوان المسلمين وتيارات الاسلام السياسي. وبتراجع دور الدولة في مجال الخدمات الاجتماعية سارعت هذه التيارات بملء الفراغ الناجم من خلال تقديم العديد من الخدمات المفتقدة مما زاد من شعبيتها ورصيدها السياسي. (1) كما تزامن انحسار دور الدولة أيضا بتعاظم غزو المؤسسات الأجنية بما فيها مؤسسة فورد “الغير حكومية”! فكما كتب Delwin Roy الذي عمل مستشارا لهذه المؤسسة في مصر أنها عملت علي “إعادة بناء الإقتصاد السياسي في مصر” (2) فتح الباب علي مصراعيه اعلاميا بما يشبه غزو ثقافي عارم لقوي الاسلام السياسي والسماح بشركات توظيف الاموال بشعاراتها الدينية وكشوف بركتها. هناك تشابك وتلاقي بين نهج الانفتاح الاقتصادي ومسار “السلام” وتبعاته مع عوامل أخري لانتاج الأوضاع الحالية بمصر.

“الانفتاح” و”السلام” توأمان متلازمين

الرئيس أنور السادات في لقاء مع 500 من رجال الأعمال الامريكيين في الغرفة التجارية الامريكية
نص الخطاب منشور بالأهرام 29 مارس 1979

“انكم مسؤولون امامي وأمام الرئيس كارتر لنعمل معا من أجل تحقيق الرخاء لمصر. ان مصر بعد توقيع معاهدة السلام ستحول اقتصادها من اقتصاد حرب الي اقتصاد سلام. …وان مصر بدأت سياسة الانفتاح الاقتصادي في أعقاب حرب أكتوبر مباشرة جنبا الي جنب مع عملية إقرار السلام في المنطقة” (3)

مقارنة بين ثلاث حقبات مصرية

لقد عاصرت في مصر ثلاثة حقبات مورست فيها نماذج اقتصادية وسياسية مختلفة بل متناقضة في الأهداف والنتائج. هذه التوجهات المتباينة أدت إلي تغيرات اجتماعية هائلة وتبعتها سلوكيات وممارسات مختلفة. وبالتالي أمامنا تجربة عملية طبقت من خلالها مضامين نظرية. وبذلك يمكننا أن نقوم بدراسة مقارنة عملية فنحن نتعامل مع نفس البيئة ونفس المجتمع من حيث التاريخ والجغرافيا.

عصر الملكية والاستعمار البريطاني

في الحقبة الأولي وهي عصر الملكية والاستعمار البريطاني التي َلمَست بعض سنواتها، خصوصا اثناء الحرب العالمية الثانية، كانت هيمنة الاستعمار المباشر تحدد الأولويات الاقتصادية من حيث المحاصيل الزراعية ودور رأس المال المحلي وتوجهاته. ورغم الشكل الديمقراطي الذي ميز تلك الفترة فإن حزب الأغلبية، الوفد، لم يحكم إلا فترات قصيرة وكانت الغلبة لأحزاب الأقلية التي كانت عموما موالية للقصر وللانجليز. كانت الأوضاع الاقتصادية لعموم الشعب متردية وشاع “الفقر والجهل والمرض”. كانت السيادة للانجليز أساسا ومحليا كان القصر وطبقة كبار الملاك هم الحاكمين تحت رداء الاستعمار وديمقراطية زائفة. لذلك فمن العبث التباكي علي هذه الديمقراطية أو الحديث عن النعيم الذي ساد في تلك الحقبة والذي كان محصورا في الاغنياء وبدرجة أقل في شرائح من الطبقة الوسطي. ليس غريبا إذا أن المعارضة تصاعدت واندلعت المظاهرات الطلابية وتشابكت مع الاضرابات العمالية مما أدي في النهاية لانقلاب الجيش عام 1952 وإزاحة فاروق والملكية ثم الاستعمار نفسه؛ وسرعان ما تحول الانقلاب لثورة اجتماعية لصالح غالبية الشعب.

نبذة عن تجربة طلعت حرب الخلاقة

ورغم مساويء فترة الملكية فقد برز نموذج اقتصادي فريد ممثلا في تجربة خلاقة قادها المبدع الوطني طلعت حرب تستدع ذكر بعض معالمها والظروف الصعبة التي صاحبتها. هناك من يظن أن البدائل الاقتصادية منعدمة ولا مناص من اتباع نموذج الخضوع لآلية السوق أو لبيروقراطية الدولة ولهذا أسوق نموذج ناجح انبثق من تجربة طلعت حرب في مصر أوائل القرن الماضي. هدفنا هنا هو التأكيد علي أن الابداع المحلي جدير بتقديم تجارب ناجحة خارج إطار العولمة الرأسمالية التي أثبتت ممارستها في مصر ليس الفشل فحسب بل العديد من التداعيات السلبية المستمرة وأحيانا الخطيرة علي المجتمع.
من اركان فكر حرب الأساسية الواضحة في مؤلفاته هي عداؤه لمقرضي الأموال من الأجانب لامتصاصهم دماء الفلاحين، والهجوم علي الاستعمار وضرورة إنشاء بنك وطني للمصريين. كان المناخ العام في ذلك الوقت هو إلقاء اللوم علي الأتراك والامبراطورية العثمانية…. لتخلف الشرق المسلم.” في ذلك الوقت كان الأتراك يتحكمون بدرجة كبيرة في السلطة والثروة و”كانوا ينظرون بدونية للعامة من المصريين” وتلقبهم ب”الفلاحين”. كما تأثرطلعت حرب بقوة بالثورة العرابية عام 1882 و بالرموز الوطنية المصرية مثل مصطفي كامل ومحمد فريد الذين نادوا بالاستقلال وانهاء الاحتلال البريطاني في مصر ورفض تمديد امتياز قناة السويس من 1968 حتي 2008. وفي نفس الوقت برز فئة أخري من البرجوازية المصرية التابعة للانجليز ممثلة في اسماعيل صدقي وأحمد عبود وحافظ عفيفي.
اتسم طلعت حرب بالذكاء والرؤي الواضحة بعيدة المدي والمرونة مما مكنه من تأسيس علاقات متينة مع بعض العائلات القوية. “كانت غالبية رأس بنك مصر الذي أسسه عام 1920 من كبار ملاك الأراضي كما ساهمت الأنشطة الطلابية في تعظيم حجم رأس مال بنك مصر” عن طريق بيع اسهم البنك….ومن خلال لجان مقاطعة البضائع الانجليزية وتشجيع المنتجات المصرية وسحب ودائع المصريين من البنوك البريطانية وايداعها ببنك مصر”(4) ، وذلك في أعقاب ثورة 1919 التي قدم فيها الطلاب 313 من أرواحهم في مارس1919 كان أولهم عمي محمد عزت البيومي (5)
توسعت مجموعة شركات بنك مصر فشملت علي سبيل المثال وليس الحصر شركة مصر للغزل بالمحلة وسط الدلتا وشركة صباغي البيضا بكفر الدوار بالقرب من الاسكندرية وستوديو مصر وشركة بيع المصنوعات المصرية وشركة مصر للملاحة البحرية وشركة مصر للطيران. والجدير بالذكر أنه”تولد حافز قوي لدي أعضاء البرجوازية المصرية من استثماراتهم من الزراعة ألي الصناعة”. كما اهتم طلعت حرب بتوسيع نشاطه في البلاد العربية مما يعكس قناعته بضرورة الوحدة العربية وأهمية دور الاقتصاد في دعم الوحدة، ومن الدول العربية التي كانت محط اهتمام طلعت حرب فلسطين وسوريا ولبنان وحسب المؤلف دافيز فقد”حقق بنك مصر-سوريا-لبنان نجاحا كبيرا”.(4)

تربص أعداء طلعت حرب وعلي رأسهم أحمد عبود وحافظ عفيفي الذي وصفه دافيز بأنه ” كان .معروفا بانه إنجليزي أكثر من الإنجليز أنفسهم” (والذي أصبح رئيس الديوان الملكي لفاروق بعد ذلك)، كما كان من ورائهم الاستعمار البريطاني ” فقد اصبحت المجموعة (شركات مصر) هدفا لعدد من المؤامرات”(4) “انتهي الأمر باستقالة طلعت حرب مضطرا في مقابل موافقة وزير المالية حسين سري (وهو أيضا انجليزي الهوي) للضغط علي البنك الأهلي المصري للموافقة علي قرض لانقاذ بنك مصر من الانهيار المالي. وانتهي الأمر بتولي أحمد عبود رئاسة بنك مصر خلفا لطلعت حرب.

حقبة المشروع الناصري والتخطيط الاقتصادي (18 عاما)

يمكن تسمية الحقبة الثانية بحقبة المشروع الناصري ومحورية تخطيط الدولة للاقتصاد والتي استمرت أقل من عقدين من عام 1952 حتي 1970. إن أهم انجاز هذه الفترة في تقديري هو تقديم مشروع نهضوي أثبتت نتائجه فعاليته وانعكاساته الإيجابية علي الملايين من الشعب المصري، وترسيخ قيم العمل والعدالة لجموع الشعب والاعتماد علي الذات. وصاحب ذلك تغيير مجتمعي هائل من توسع الطبقة المتوسطة وخروج مئات الألوف وربما الملايين من دائرة الفقر والمهانة والجهل. بدأ جمال عبد الناصر في اتجاه جديد للدولة نحو السيطرة على مصادر الإنتاج ووسائله من خلال التوسع و تأميم البنوك الخاصة والأجنبية ، والشركات والمصانع الكبرى. كان بنك باركليز الإنجليزي يسيطر وحده على 56 % من الودائع، وكان بنك مصر قد تمت السيطرة عليه من جانب رؤوس الأموال الإنجليزية والأمريكية ( كان هناك 960 شخصا فقط يسيطرون على كل الوظائف الأساسية في مجالس إدارات الشركات الصناعية. من بين هؤلاء نجد 265 مصري فقط، الأمر الذي دعا الاقتصادي المصري الدكتور عبد الجليل العمري أن يصف الاقتصاد المصري كبقرة ترعى في أرض مصر، ولكن ضروعها كانت كلها تحلب خارج مصر.

يمكن إعطاء لمحات من انجازات ناصر في النقاط التالية: الإستقلال الوطني بجلاء قوات الاستعمار البريطانية عن مصر في 19 أكتوبر1954- تأميم قناه السويس 1956 وجعلها مصدر هام للدخل القومى- إنشاء السد العالى الذي جنب مصر من الفيضانات والجفاف وحول ري الحياض إلي ري دائم والذي أوجد بحيرة ناصر الغنية بالأسماك، أكبر بحيرة صناعية في العالم. مكن السد من استصلاح حوالي 2 مليون فدان ووفر طاقة كهربائية ضخمة حققت هدف كهربة الريف. بناء قلعة صناعية شملت: مشروعات لصناعات الثقيلة كالحديد والصلب – مصانع الألومنيوم – شركة الأسمدة (كيما) مصانع إطارات السيارات الكاوتشوك – مصانع عربات السكك الحديدية سيماف – مصانع الكابلات الكهربائية- شركة النصر للسيارات. وبمشاركة يوغسلافيا والهند في الستينيات تأسس مشروع لتصنيع الطائرات والصواريخ والمحركات النفاثة والأسلحة.
صدر قانون الإصلاح الزراعي بعد أقل من شهرين من يوليو 52 و وزعت اراضي كبار الملاك علي الفلاحين الذي كان له بالغ الأثر في تحسين ظروف مئات الآلوف من فلاحي مصر كما أدخل المدارس والوحدات وإنشاء الجمعيات الزراعية فى كل قرى مصر.
أصدر عبد الناصر قوانين جديدة للعمل التي حددت ساعات العمل الحدّ الأدنى للرواتب، كما قام بتخفيض عدد ساعات العمل. أدت سياسات ناصر إلي التوسع الهائل في التعليم في جميع مراحله، واتااحة التعليم الجامعي للالاف من الفقراء وبناء الآلاف من المساكن الشعبية.
أمن عبد الناصر بضرورة الوحدة العربية وبالفعل تحققت الوحدة بين مصر وسوريا تحت اسم الجمهورية العربية المتحدة 58-61 ورفع لواء القومية العربية مما استعدي الرجعية العربية. ساهمت مصر في نصرة ثورة اليمن والجزائر وليبيا، كما كانت مصر أحد الدول المؤسسة لحركة عدم الانحياز 1964 ونصرة القضية الفلسطينية كقضية عربية محورية كما ساهم بشكل كبير في تأسيس منظمة الوحدة الإفريقية. كانت صلابة موقف عبد الناصر ضد العدوان الثلاثي عام 1956 عاملا هاما في صمود الشعب المصري في وجه العدوان.

يالطبع كانت هناك أخطاء هامة في هذه الحقبة، علي رأسها انفصال سوريا وهزيمة 1967 وبقاء قيادات غير مسئولة في قمة السلطة مما كان له آثار سلبية كبيرة وعلي رأسها دور عبد الحكيم عامر وأنور السادات المخرب. كذلك لم تكن هناك حرية كافية تسمح بالنقد والتحذير من المصائب. بالطبع كانت هناك سلبيات نذكر منها اتساع البيروقراطية واتساع دور الضباط غير المؤهلين مهنيا في المؤسسات الاقتصادية، وانحسار النقد والتقييم والمسائلة.

عصر “الانفتاح”! و”السلام”!

بدأ هذه الحقبة الرئيس انور السادات ولعل أكثر وسيلة موضوعية لتقدير “انجازاته” هوذكر ما أدلي به السادات بحماس كبير كموجز “لإنجازاته” وذلك في خطاب بمجلس الشعب عام 1981 قال فيه نصاً

“سبعين حراسات، واحد وسبعين مراكز القوي والدستور، اتنين وسبعين الخبراء السوفيت، تلاتة وسبعين معركة أكتوبر، اربعة وسبعين الانفتاح، خمسة وسبعين افتتاح قناة السويس، ستة وسبعين إلغاء المعاهدة السوفيتية المصرية ،سبعة وسبعين المبادرة، تمانية وسبعين كامب دافيد، تسعة وسبعين المعاهدة و 80 في المية من سيناء وعودة الحياة الطبيعية، اربعتاشر مايو تمانين إلغاء الأحكام العرفية” “تصفيق حاد” (6)

الجدير بالذكر أن السادات حصل مع مناحم بيجن علي جائزة نوبل للسلام 1978 تقديراً لبعض انجازاته التي ذكرها.

امتدت حقبة “الانفتاح” و”السلام” حوالي خمسة عقود وأحسب أنها ستستمر فترة أخري من الزمن. وتميزت هذه المرحلة بغياب اهداف مدروسة وواضحة من أجل التنمية الاقتصادية . فإذا تسائلنا ماهي الأهداف التي تجمع المصريين اليوم – عدا الانتصار في كرة القدم – تكون الإجابة في الغالب شخصية، محورها تحسين الأحوال المعيشية (انتشرت نكتة في بداية الانفتاح مؤداها أن مصري سؤل يوم الحساب ما إذا كان يفضل الجنة أو النار فقال أروح الكويت).أما إذاا طرحنا نفس التساؤل في حقبة الملك فاروق فيكون الرد سريعا ودون تردد: الجلاء وتحرير مصر من الاستعمار البريطاني- القضاء علي حكم الملك الفاسد – القضاء علي العصابات الصهيونية في فلسطين بالإضافة الي القضاء علي “الفقر والجهل والمرض”. أما في الحقبة الناصرية فكان بناء السد العالي و بناء الصرح الصناعي والتوسع وتحرير فلسطين والوحدة العربية وتحدي الاستعمار في الجزائر ودعم افريقيا من اجل الاستقلال. أما في الحقبة السادتية والمباركية فقد تقلصت الآمال المشتركة الي اهداف شخصية بحتة وضيقة و الآن أصبح الهدف المشترك هو محاربة الإرهاب دون مشاركة قوية شعبية وثقافية.

تداعيات “الانفتاح” و”السلام” في مصر

كما أكدت سابقا، أن سياسات “الانفتاح” و”السلام” توأمان غير منفصلان، وبالتالي يستحيل الفصل بينهما كما أن تداعياتهما متشابكة. ليس من المنطق أن نتوقع أن العدو الصهيموني سيوقع معاهدة مع مصر يسمح لها بمشروع نهضوي جاد بل علي العكس تماما كان من الضروري من وجهة نظر الأعداء ربط اقتصاد مصر بالعولمة الليبرالية واغراق مصر بالديون التي تعلمنا منذ الصغر أنها كانت الذريعة لاحتلال مصر عام 1882. كان لابد من خلق طبقة من عملاء الشركات العملاقة العالمية ونشر النمط الاستهلاكي.
إن الفصل بين ما هو اقتصادي وسياسي واجتماعي وسلوكي هو فصل تعسفي كما أن الجمع بين هذه العناصر دون الاهتمام بنتائج تفاعلها يفقدنا الخواص والظواهر الناجمة من هذا التناغم.

إن ظاهرة صعود النيوليبرالية في المرحلة الحالية في كافة المجالات سواء الاقتصادية والسياسية هي ظاهرة منطقية. الليبرالية الجديدة هي في الأساس منهجو اتباع قوي السوق والاعتماد علي قطرات الثروة حتي تنساب من الأغنياء للفقراء والتي يطول انتظارها دون جدوي.ويتلازم مع هذا تقليص أو إلغاء دور الدولة في التخطيط وتوزيع الثروة. أما في المجال السياسي فهذا المنهج يصاحبهي التراجع عن مفهوم السيادة الوطنية. إذا كان الأمر كذلك فلما الاندهاش من تبعات هذه السياسات: مزيد من التبعية لقوي الهيمنة والتراجع الوطني وشراهة استهلاك الطبقات القادرة واتساع الفجوة بين الاغنياء والفقراء مما يهدد السلم الاجتماعي.

غياب أهداف مشتركة يضعف الإنتماء القومي ويساهم في تفتيت المجتمع وإضعافه

إن غياب أهداف مشتركة دلالات هامة بل خطيرة. فأي مجتمع يفقد ذاته بتخليه عن أهدافه القومية سواء سياسية أو اقتصادية تنتفي أهدافه المشتركة وتصبح أهدافا شخصية محضة. نلاحظ كيف يستيقظ المجتمع عندما يواجه أزمة كبيرة مثل زلزال مدمر أو عدوان خارجي . لقد رأيت الزخم في المجتمع الأمريكي عندما شعر بتخلفه بعد إطلاق الاتحاد السوفيتي سبوتنك وانطلقت الرغبة في تحقيق قفزة علمية بأمريكا. رأينا أيضاً الشعب المصري يرفض هزيمة 67 بخروجه معلنا “حانحارب”. وقد برعت أمريكا في خلق عدو حتي وان كان عدواً وهميا لإبقاء حماس المجتمع وتخوفه مما يبقي علي تماسك المجتمع.
من الواضح أن قوي الهيمنة تسعي حثيثاً إلي تفتيت المجتمع وتراجع الانتماء القومي وليس فقط تقسيم الدول. هناك نموذجا علميا ربما يوضح ذلك. فقطرة الماء تحتوي علي عدد مهول من جزيئات الماء (حوالي عشرة آلاف بليون بليون أو 22صفر بجانب الواحد). ماذا يحدث إذا فصلنا مكونات قطرة الماء عن بعضها بحيث لا تكون هناك حصيلة قوي تجاذب بينها؟ تنتفي تماما صفات الماء كمادة لها سيولة ولزوجة وكثافة وتوتر سطحي وضغط بخاري ودرجة غليان وانصهار ..الخ رغم أن الجزيئات هي نفسها جزيئات الماء والتي تحتفظ بصفات محددة لا تتغير من حيث كتلتها وشكلها ..الخ. ورغم أن الانسان ليس جزيئا فهو فرد له صفاته التي تختلف وتتفق مع الآخرين ولكنه وحده يفتقد لصفات المجتمع. فعندما يحدث التفتيت تختفي صفات المجتمع ويصبح مجموعة هائلة من البشر تشغل نفس البقعة من الأرض.

يمكن القول أن من أهم نتائج “السلام” و”الانفتاح” هو تراجع الحس الوطني بل تراجعت القضايا الوطنية في أهميتها وأولويتها. لقد فقدت مصر الكثير من استقلالها وسيادتها رغم غياب جنود الاستعمار في مدنها مما يدعوني للقول “أن الكولونيل البريطاني قد رحل ولكن جاء كولونل ساندرز الأمريكي (صاحب كنتاكي لقلي الفراخ) . لقد أصبحت الوطنية وجهة نظر وأصبح التعليم والعناية الصحية والإعلام والرياضة سلع وحتي الوطن أصبح سلعة.

تداعيات إقتصادية/ سياسية :التركيز علي القطاعات غير الانتاجية- اتساع كبير في الفجوة بين الفقراء والأغنياء- زيادة كبيرة في النمط الاستهلاكي خصوصا السلع غير الأساسية المستوردة- انخفاض الادخار- اتساع البطالة- خصخصة شركات القطاع العام وارتباط ذلك بالفساد- تشجيع الاستثمارات الأجنبية بطبيعتها الانتهازية وقدراتها في نهب الثروة- عدم الاكتراث بالقضايا العامة والوطنية- تبرير السلام مع اسرائيل والارتماء في أحضان الغرب- تراجع الخدمات الصحية- إطلاق الفساد وتشجيع الجشع رسميا (مقولة السادات عربية عشرة متر بس يدفع الضرائب فجاب العربية ولم يدفع الضريبة).

تدهور التعليم في كافة المراحل بما في ذلك الجامعات. تفاعلت التطلعات الاقتصادية التي غذاها الانفتاح مع الفوضي السياسية وعدم الاكتراث بالنتائج فأطلقت الجامعات اعارات الأساتذة لجامعات دول الخليج فكان عاملا اساسيا في تدهور مستوي الاساتذة. فالاستاذ الذي لايقوم ببحث واحد لمدة ستة او سبعة سنوات تنتفي خبرته البحثية بحسب الدراسات كأنه لم يحصل علي الدكتوراة كما انه يعود من الاعارة وقد ادخر قدرا من المال يستخدمه في مشروع اقتصادي فاصبح تاجرا قد يمتلك بوتيك لملابس نسائية، أوسوبر ماركت وبالطبع شراء شقة تتناسب مع مركزه الاجتماعي الجديد. ماهو أخطر أنه يعود وهو محملا بدرجات متفاوتة من الفكر الوهابي.
تراجعت قيمة التعليم والثقافة ودور ذلك في الترقية الاجتماعية فأصبح الثراء القيمة السائدة بصرف النظر عن طرق الثراء بل أصبح الالتزام بالأخلاق والصدق والأمانة قيم خشبية وحلت محلها قيم الحداقة والفهلوة والنصب كقيم ترمز للشطارة.
مأساة البحث العلمي

انطلقت الدعوات لنقل التكنولوجيا الذي كان في الواقع استهلاك سلع تكنولوجية حديثة مثل التليفون المتنقل ثم المحمول ثم الأي باد وغيرها ورفع شعار “العلم والايمان” فكان شعارا زائفا لاعلاقة له لابالعلم أو بالايمان اللهم إلا شعارات دينية كثيفة لا تعكس مدي التدهور الأخلاقي في التعامل بين البشر والفساد وغياب الاهتمام بمكارم الأخلاق.
تكررت المؤتمرات الرافعة لشعارات علمية وتضاعفت شهادات الدكتوراة في العديد من المجالات العلمية ولكن الواقع يؤكد أنها حركة دون تقدم ( يمكن الرجوع للدراسة المستفيضة لأوضاع العلم في الأمة العربية للدكتور أنطوان زحلان)(7). في مقال نشر بالأهرام الاقتصادي في 15نوفمبر 1982 بعنوان “قضية البحوث العلمية المشتركة والمنهج العلمي في المعالجة”(8) للرد علي مقال لرئيس الأكاديمية العلمية المصرية نشره بالأهرام في واحد نوفمبر من نفس العام والذي حدد فيه الأسلوب الذي يتبناه والذي حسب اعتقاده “ينطبق علي الحالات التي لا يمكن للدولة أن توفر المناخ الملائم لنمو البحث العلمي خاصة التطبيقي” وهو “أسلوب البحوث المشتركة كعلاقة جديدة بين العالم المتقدم والعالم النامي” واستطرد قائلا ” لا بد و أن يفترض أن الدولة المعاونة علي المستوي السلوكي و الأخلاقي الذي تقتضيه العلاقات الدولية وتوصيات الأمم المتحدة…” كما اتهم المختلفين معه “اما بالأنانية أو بتشكيك في انانية القائمين علي البحث العلمي أو بتشكيك في قدرة أجهزة التنظيم والرقابة واما تكون هذه الحملة جزءا من حملة خارجية دفعت بخبث عن طريق مواطنين لحرمان مصر من الأسلوب المقبول عالميا” (وقتئذ كان رئيس تحرير المجلة وطني جليل هو د.لطفي عبد العظيم مما أتاح الفرصة لنشر مقالات معارضة).

تداعيات “الانفتاح” اجتماعياً

إن تداعيات “الانفتاح” الاجتماعية كثيرة وخطيرة منها :انتشار الفساد وتبريره – ازدياد العنف – صعود قيم مادية وتراجع قيمة الثقافة والمعرفة- الفهلوة والكسب السريع الغير ملتزم بقواعد أخلاقية-عدم إتقان العمل – تفكك الاسرة – سيادة الفردية والانانية والذاتية. ومما لاشك فيه أن هجرة العمال المصريين الكبيرة في السبعينات كان لها آثار عميقة فقد ساهمت في حراك اجتماعي هائل بسلبياته وايجابياته. كان من سلبيات هذه الهجرة تفكك الأسر نتيجة غياب الرجال عن أسرهم فترات طويلة.
أصبح النموذج الاجنبي في الممارسات والجمال ( شعر اصفر واحمر) والملبس (انتشار الباروكة و البوتس قبل موجة الحجاب والزبيبة) ثم بدأ خليط من النهجين في تحايل يلبي ولع التقليد بالغرب مع الحفاظ علي مظهر الاسلام الوهابي فتري فتيات يشترون البلوجينز الممزق وتحته بنطلون وعند الذكور تسريحات شعر تقليد امريكاني بدلا من صلعة تيلي سافالس السابقة. صاحب كل هذا ارتفاع سن الزواج بسبب الضغوط الاقتصادية ومع تقدم سن الزواج رأينا مشاهد الانحلال وظاهرة زواج فتيات شابات لرجال أكبر كثيرا منهم في العمر لكنهم يمتلكون القدرة علي الزواج مما سبب مشاكل لاحصر لها.
كما سادت حفلات أعياد الميلاد والبذخ الذي صاحبها عند الطبقات القادرة. والمناسبات الجديدة الهادفة لمزيد من الاستهلاك ورفع قيمة المادة. انتشرت الخرافة واختزال الدين في طقوس وشعارات والعلاج بالقرآن واكتشافات علمية وهمية تزعم علاج فيروس سي و السرطان والإيدز والعجز الجنسي والكآبة في أن واحد (مثل اختراع ما سمي بجهاز الكفتة)
ومن الملاحظ أن أثار الانفتاح في المجال الاجتماعي متناقضة وكأن المجتمع فقد عقله ففي المرحلة الاولي من الانفتاح وجدنا الانكباب الشديد والغيرمعهود علي تقليد اللباس الغربي من فساتين بالغة القصر وبلو جينزاته وبوتس وباروكة الرأس، خصوصا الصفراء والحمراء المستوردة….. الخ من الكماليات.كما انتشرت موجة تعبيرات انفتاحية مثل ماشي- ان شاء الله لحدث مضي – تقريبا في غير موضعها – جزاك الله خيرا – قدر الله ما شاء فعل – ولا يهمك، مايهمكش- الشكر لله – مش مشكلة ” ” نوبروبلم ” تنطق “no broblem” – شهيصني- سوري بدلا من آسف- والأدعية كرسائل تليفونية و في المصاعد وعند قلوع الطائرات- الأذان المتعدد بالميكرفونات العالية والمتداخلة – فوضي الألقاب فبدلا من سيد وسيدة أوأستاذ وأستاذة تستخدم العديد من الآلقاب من دكتور الي باشا الي حاج الي باشمهندس…الخ.

انعكست ثقافة “الانفتاح” علي الخطاب السياسي والديني والثقافي والمجال الفني مثل السينما والاغنية والكتب المعروضة في الشوارع. جاءت هذه التداعيات علي النقيض من حقبة البناء والتمسك بالسيادة الوطنية. تميزت الأفلام والأغاني السائدة في زمن “الإنفتاح” بالسطحية والابتذال والرسائل السلبية وقيم الأنانية وعدم الاكتراث والعنف.
كما انتشرت الاعلانات الضخمة والكثيرة لمنتجات غربية مثل الكنتاكي والماكدونالد وشويبس وصاحبها اعلانات دعائية تمجد “السلام” وتبشر المصريين بسنوات الرخاء المنتظرة. ومن الملاحظ استخدام اللغة الانجليزية في الكثير من الاعلانات وتغيرت يافطات المحلات من أسماء عربية ألي الأسماء الانجليزية بل حتي الأسماء العربية كتبت باللغة الانجليزية. ومن المثير للآسف انتشار الأعلام الأمريكية والبريطانية ودول حلف الناتو علي السيارات. كما انتشرت الفانلات المكتوب عليها عبارات سخيفة أو أسماء مدن أجنبية كلندن ونيويورك وباريس وأسماء نوادي رياضية أجنبية. امتد ابتذال الإعلانات وتضاعف حجمها وعددها حتي أصبحت ملوثا كبيراً للشوارع الرئيسية،كثير منها دعايات لإنتخابات نوادي وأخري للأطباء مثل إعلان علي كورنيش الاسكندرية عن علاج أمراض الشرج والبواسير وأخري تعلن أن الدعامة الحل الأكيد للعجز الجنسي . كذلك تزاوجت الاعلانات عن المنتجات بالشعارات الدينية مثل “الله أكبر” و”الحمد لله” .
كما انتشرت الإعلانات الدينية من قبل الشركات فعلي سبيل المثال نصب بدر صاحب شركة بدر لتوظيف الأموال إعلانا ضخما أعلي أحد العملرات بكورنيش الاسكندرية عبارة عن آية قرأنية متعلقة بغزوة بدر وهي وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ .

مقاومة سياسات الانفتاح والتنبيه من المخاطر

تمثل المعونات والديون الأجنبية أداة فعالة للهيمنة علي البلاد المستهدفة واحتواء التقدم الاجتماعي بها بما يخدم أولويات القوي المهيمنة. هذا ما أثبتته دراسات متعددة (9) عن دور المعونة الأمريكية لمصر والتي صاحبت اتفاقية “السلام. “فبعيداً عن الادعاء السخيف بما يسمي بنظرية المؤامرة فالتخطيط والممارسة والنتائج يستحيل انكارها”
من اهداف المعونة الأمريكية لمصر خلق شريحة من المستفيدين من برامجها بحيث يصبح أفراد منها وكلاء لشركات أمريكية وأخري دولية وترتبط مصالحهم بالمصالح الأمريكية ويتبنون أولوياتها. كتب الصحفي الامريكي جاك أندرسون عدة مقالات في صحيفة الواشنطن بوست في مايو 1981 حول المستفيدين الأساسيين من المعونة الأمريكية لمصر ووصفهم ب”القطط السمان” ومن الواضح أن هذا الهدف قد تحقق بدرجة كبيرة وأصبح ما يسمي برجال الأعمال، أحد مراكز القوي المهمة في مصر الآن.
“وبعكس تصريحات التوجهات الجديدة التي تعلن أن الفقراء لهم “الأولوية العليا” ، تقول وكالة التنمية الدولية AID بوضوح “أن مشروعات التسليف لم يكن يقصد بها ولم تنشأ لتلبي احتياجات المنشأت التجارية الصغيرة” ” كما صاحب نشاط الوكالة حملة مكثفة وواسعة منذ منتصف السبعينات لدراسة ومسح الأوضاع الاقتصادية والسياسية والديموجرافية والادارية في مصر بواسطة المعاهد ومراكز البحوث والجامعات الأمريكية” وبتمويل من الAID . كذلك استخدمت المعونة كممر للتطبيع مع العدو الصهيوني. “وقد كان اتفاق سيناء الذي تبع حرب اكتوبر 1973 حافزا لتدفق المعونات الاقتصادية للشرق الأوسط لمساندة السلام “(المكتب الأمريكي للمحاسبات) كما كانت المعونة حسب مصادر الAID نفسها وسيلة لتنشيط التجارة الأمريكية ،” لقد كان برنامج استيراد السلع بين الطرق الأساسية للتجارة الأمريكية الواردة علي السوق المصري”.
“ان برنامج المعونة الامريكية لمصر قد صمم فعلا علي ضوء مفاهيم حكومية امريكية محددة” للسلام” و”الاستقرار”.فهذه المفاهيم تضم “التطبيع” مع العدو الصهيوني و”العلاقة الخاصة مع الصديق المريكي” و”الانفتاح”، أي دمج مصر في الفلك السياسي الأمريكي والسوق العالمي الذي تتمتع اولايات المتحدة بالهيمنة عليه. وبالدرجة التي حققت المعونات الأمريكية الأهداف المتضمنة في هذه المفاهيم، يقاس نجاحهامن قبل مؤيدي هذه المعونة.
وتستمر ” أما بالنسبة للذين يرفضون التعريف الحكومي للسلام والاستقرار ويربطون إطارهما الكامب دافيدي بالتبعية فانهم يعتبرون المعونة الامريكية والتحولات المرتبطة به عقبة في طريق التنمية القومية المستقلة. فالمعونة الأمريكية، ضمن الاستراتيجية الاقتصادية والسياسية لحكومة الولايات المتحدة…..تعتبر أداة لتحييد مصر وحجبها عن دورها القيادي في حركة التحرر العربي، وعن التنمية المستقلة.” (9)
رافق الانفتاح ظاهرة خطيرة “Dumping” بمعني إلقاء بضائع فاسدة وضارة بالصحة وبالتالي غير مقبولة لدي الدول الصناعية وممنوع تداولها فتلقي كالقمامة لتستخدمها دول أخري. أسوق بعض الأمثلة علي رأسها مبيد الجالكرون Galecron المسبب للسرطان والذي تنتجه شركة سيبا – جايجي السويسرية للأدوية والتي اعترفت بأثاره السيئة علي أطفال مصريين نتيجة لرش المبيد عليهم. كذلك كتب توماس لبمان Thomas Lippman بصحيفة الواشنطن بوست عام 1976 حول مبيد اللبتوفوس Leptophos الذي تسبب في وفيات بمصر في نفس العام (10). وبالطبع تواطأ مصريون مع الشركات الأجنبية في هذه الجرائم من أجل الكسب المادي علي حساب أرواح مواطنيهم. وفي نفس الوقت تصدي بعض المصريين لهذه الجريمة (يطول الحديث في هذا الموضوع وتفاصيله المتناولة في كتابات أشرف البيومي((11 وكتابات سهير مرسي (12-14) كما ساهم بعض الشرفاء من الأجانب في فضح هذه الجرائم.
وفي عصر الانفتاح استخدم المصريوت كفئران تجارب حيث قامت النامرو Naval Medical Research Unit-3 m (NAMRU-3)بالقيام بتجريب مادة مسببة للسرطان علي مئات الفلاحين من زارعي الأرز في محافظتي الفيوم و البحيرة وذلك لاختبار كفائتها في قتل قواقع تعيش فيها البلهارسيا.
كما كانت هناك محاولات لدفن نفايات كيمائية سامة ودفن مواد مشعة خطيرة بمصر. وتعرض بعض نساء مصر في الثمانينات إلي تجريب مانع للحمل اسمه نوربلانتNorplant يزرع تحت الجلد وله تأثيرات صحية واجتماعية سلبية لا يعرف بها النساء بها (15). كما تم في ظل إضعاف الدولة أجهزة الرقابة استيراد مواد غذائية ملوثة اشعاعيا بعد حادث شيرنوبل. وقد تصدت لها كلية العلوم بجامعة الاسكندرية وكاتب هذه الدراسة الذي انتقد بشدة إهمال السلطة وتواطؤها كما جاء في مقال نشر بالأهالي عام 1986:” إن محاولة السلطة إخفاء الحقائق والتستر علي المشاركين في هذه الصفقات المشبوهة واصدارها للبيانات المتناقضة…تؤكد ان هناك خللا خطيرا في أجهزة الرقابة”(16)

تداعيات الاعتماد علي آلية السوق في أمريكا

لا تقتصر مساويء تبني سياسة مستندة علي قوي السوق دون قيود علي بلادنا بل أن آثار هذه السياسات السلبية واضحة كل الوضوح في الولايات المتحدة الأمريكية التي تشهد معارضة لهذا المنهج الاستغلالي. يصبح من المفيد عرض موجز عن تداعيات هذه السياسات.
أثناء وفي اعقاب الحرب العالمية الثانية وفي ظل سياسات فرانكلن روزفيلت وتصاعد الانتاج الصناعي والاعمار و دور الحكومة الفدرالية القوي تحقق  نموا اقتصاديا كبيرا في أمريكا لدرجة تمكننا من القول أن “الحلم الأمريكي” امتد لقطاعات واسعة من المجتمع الأمريكي مع ملاحظة هامة أن أحوال المواطنين السود ظلت مزرية .
وفي عهد جونسون ومشروعه “المجتمع الكبير” الذي تمحورحول “حرب الفقر” كان تدخل الحكومة اقتصاديا كبيرا. كان المشروع بمثابة حرب علي “السوق الحرة”. تحقق الكثير في عهد جونسون بالنسبة للداخل المريكي (لا يمكننا أن ننسي أن عدوان 67 علي مصر وسوريا وفلسطين كان من “انجازاته” وبتشجيع من السعودية). ففي عهده تمت الموافقة علي قانون الحقوق المدنية التاريخي Civil Rights Act وقانون “الفرص الاقتصادية” Economic Opportunity وقانون التأمين الاجتماعي Social Security وقانون التعليم الابتدائي والثانوي Elementary and Secondary Education والقوانين الصحية Medicare and Medicaid و قانون حق التصويت، وغيرها من اجراءات تحسين صحة الفقراء والتدريب المهني علي الوظائف وكذلك القوانين المنظمة في مجالات الامان في المواصلات والعمل والمنتجات. يعزو البعض هذه التطورات إلي المفكر والاقتصادي جالبريثJohn Kenneth Galbraith.

في عهد نيكسون تفاقمت الحرب في فيتنام ولاوس وكمبوديا وازداد معدل التضخم الذي يصاحب الحروب وانسحبت أمريكا من اتفاقات بريتون وودز Bretton Woods وتخلت عن غطاء الذهب للدولار جعل قيمة الدولار تتراجع ثم ارتفعت أسعار البترول أربعة أضعاف بسبب حرب أكتوبر73 مما فاقم الأوضاع الاقتصادية في أمريكا وبريطانيا بعد ذلك.

اتبع ريجان ما يسمي بنظرية التقاطر trickle-down theory والاعتماد علي حرية السوق وآلياته دون قيود وكانت أهم اجراءات  ريجان هي تخفيض الضرائب عام 1981 وصاحب ذلك التحرر من قوانين الرقابة مما أدي إلي ارتفاع معدل النمو. اعتبر ريجان أن الحكومة هي المشكلة ومن ثم عمل علي تقليص دورها و تخلي عن أهداف الاستثمار في البحث العلمي والتنمية والحفاظ علي قوة عاملة متعلمة بدرجة عالية وبنية تحتية متميزة. تؤكد الحقائق أن تجربة الحزب الجمهوري الاقتصادية لمدة ثلاثين عاما أدت الي مزيد من تركيز الثروة للأغنياء وتراجعت أحوال الغالبية العظمي من الأمريكيين ومن ثم اتسعت الفجوة بين شريحة الاغنياء وما يسمي بالواحد في المائة وبين عموم الشعب. علي العكس من ذلك فالتاريخ يشير الي أن زيادة الضرائب علي الأغنياء أدت إلي نمو طبقة وسطي قوية وأن الفترة مابين حكم روزفيلت وريجان تميزت بأقل تفاوت اقتصادي.

يجدر بنا الاشارة الي ماذكره دكتور جودة عبد الخالق في محاضرته بمؤتمر الجمعية العربية الاقتصادية في نوفمبر الماضي بعنوان” المن والسلوي أم سقط المتاع” الذي ميز فيها بين معدل النمو ونمط النمو مما يشير الي مقاييس اقتصادية مخادعة. يحضرني في هذا المقام برنامج تلفزيوني أمريكي منذ فترة طويلة يعرض الاوضاع الاقتصادية بكوبا فيذكر تحسن الصحة العامة و العلاقات بين البيض من أصول أسبانية والسود من اصول أفريقية وتوزيع الثروة؛ لكن البرنامج انتهي باستنتاج مدهش عندما انتهي بالتأكيد أن الاقتصاد الكوبي بحالة مزرية !

قال جوزيف ستجليتز Stiglitz الاقتصادي المعروف ( الحائز علي جائزة نوبل عام 2001) في برنامج تليفزيوني”الديمقراطية الآن” Democracy Now”” في 30 نوفمبر 2017، أن خطة ترامب الضريبية ستغدق البلايين للأغنياء عن طريق تخفيض الضرائب بما فيهم عائلة ترامب نفسه. هذه الخطة ستلغي جزئيا برنامج أوباما الصحي للفقراء.وباما أاا لقد وافق مؤخراًمجلس الشيوخ الأمريكي علي المشروع، و بذلك تحولت الآولوية من محاربة الفقر في الستينات إلي محاربة الفقراء الآن.

كتب اقتصادي معروف آخر، هو بول كروجمان Krugman )الحاصل علي جاءزة نوبل عام 2008، تحت عنوان ” أكبر عملية احتيال ضريبي في التاريخ” “The Biggest Tax Scam in History” أن مشروع القانون لم يناقش ولم يخضع لتحليل تداعياته الاقتصادية المعتادة. “وأن المستفيد الكبير والوحيد هم الاغنياء الذين يجنون دخلهم من الأصول التي يمتلكونها وليس من خلال العمل… إن القانون يعيد توزيع الثروة ولكن من أصحاب الدخول الدنيا والمتوسطة إلي الشركات الكبري ورجال الأعمال”. (18)

يقول مثقفون يمينيون أمثال وليام بكليW.Buckley أن عدالة التوزيع يصاحبها تزايد التوقعات والمطالب من المجتمع مما يؤدي إلي عدم الاستقرار وهذا ما يكرهه المحافظون وهذا ما حدث في الستينات والسبعينات عندما كانت الضرائب علي الأغنياء في حدها الأقصي مما أدي الي حركة الحقوق المدنية والحركة المناهضة للحرب وحركة حماية البيئة وهكذا يعمل المحافظون منذ عصر ريجان في الثمانينات علي الحالة السلبية للذين يتكسبون من عملهم.

ومن المظاهر الفجة، بل اللامعقولة، فضيحة برني مادوف Bernie Madoff الكبري الذي نصب علي كبار القوم في أمريكا بمبالغ فاقت ال65 بليون دولار عن طريق ما بسمي بمخطط بونزي Ponzi Scheme . حكم علي ميدوف في يونيو 2009 بالسجن 150 عاما!
ما فعله ميدوف يشبه ما قامت به شركات توظيف الأموال مثل شركات بدر والريان وغيرها في مصر مع فارق استخدام الدين في النصب والاحتيال والفساد فكشوف الرشوة اطلق عليها كشوف البركة وصدق البعض أن بركة الله هي التي وراء الأرباح الكبيرة. كانت تجمع الأموال وتعطي أرباحا عالية للمودعين الجشعين دون ادراكهم أنها ليست أرباحا بل جزء من أموالهم المودعة.

ذكر جوزيف ستيجليتز في كتابه ” ثمن عدم المساواة ..كيف يهدد المجتمع المنقسم اليوم مستقبلنا” (17) “إن هناك لحظات في التاريخ عندما ينهض الناس ليقولوا شيء ما خطأ ويطالبون بالتغيير.هذا هو ما حدث في السنو ات المضطربة 1848 و 1968…. ”
تحدث أيضاً عن فشل الحكومات حول العالم في التعامل مع المشاكل الاقتصادية بما في ذلك البطالة والشعور بغياب العدل لمصلحة القلة الجشعة بما يغذي “شعور بالخيانة”وأشار الي ظهور حركة “los indignados””الغاضبون” بسبب معدلات بطالة أكثر من 40 في المائة في أسبانيا وحركة “Occupy Wall Street”التي رفعت شعار “ال 99في المائة” وكذلك “الواحد في المائة من أجل الواحد في المائة وبالواحد في المائة” في تهكم علي مقولة لينكولن الشهيرة ” حكومة الشعب وبالشعب وللشعب” وعكست هذه الشعارات نفس الشكاوي. يركز الكتاب علي عدم المساواة المتزايدة في أمريكا وبعض البلاد المتقدمة ويشرح كيف أن عدم المساواة وفشل النظام السياسي وعدم استقرار النظام الاقتصادي مرتبطة بشكل كبير وتساهم في تفاقم عدم المساواة في حلقة متدهورة.
يشير ستيجليتز إلي فشل البنوك نتيجة الي مغامرات غير مسئولة ولولا مساعدة الحكومة لكانت انهارت وانهار معها الاقتصاد كله كما أن السوق أثبت عدم كفاءته وفشل في توفير وظائف للعديد من المواطنين ومن الواضح أن النظام الاقتصادي في أمريكا نجح في خدمة هؤلاء في القمة.
ظاهرة ازدياد العنف والفساد ومن الشخصيات التي تستدعي ذكرها هي
وفي مقال كتبه روجر كوهن Roger Cohen بعنوان “عام 2017الممزق” “”Fractured 2017 “الان هي المحطة الأخيرة للرجل الأبيض” و” أن المركزية الآوربية انتهت” “لقد شرعت إدارة ترامب هجوم عام علي الفقراء الذين يستفيدون من الشبكة الاجتماعيىةمظاهر سائدة ك عدم الكفاءة ،طمس الحقيقة مع الباطل ، صعود الغباء والابتذال والفردية تتحول الي النرجسية. (19)

من مقالة ميشيل جولدبرج Michelle Goldberg
وفي استطلاع حديث عن شباب العصر الالفي تذكر “أن 44 في المائة يفضلون الحياة في بلد اشتراكي بالمقارنة ل42 في المائة الذين يريدون العيش في ظل الرأسمالية” ( 20)

أشير إلي أن مشروع الضرائب الذي وافق عليه مجلس الشيوخ في 2 ديسمبر الحالي سيؤدي الي زيادة العجز التجاري بأكثر من تريليون الذي يزعم المحافظون بتخفيضه بضرورة تخفيضه كما يصعد الدين القومي بأكثر من تريليون.
لقد أصبح الجشع هو القوة الدافعة بحجة أن الاغنياء مفيدون اكثر من الفقراء الغير مسئولين والذين لايريدون مساعدة أنفسهم يقول أحد أعضاء مجلس الشيوخ ” هؤلاء لا يرفعون صباع (لمساعدة أنفسهم) فهل يقصد التسعة مليون طفل الذي يغطيهم برنامح التأمين الصحي للأطفالCHIP أم آباءهم .
تختتم الدراسة ” إنها الممارسة الفجة للسلطة من قبل أقلية صغيرة غير خاضعة للمساءلة التي تصدق أنها متفوقة علي الآخرين ”

ليس من قبل الخيال أن أمريكا علي مشارف اضطرابات يدفعها ويؤججها الظلم الاقتصادي الاجتماعي الواقع علي الملايين وعلينا أن نتذكر اضطرابات كبيرة في أوروبا وأمريكا.

في الختام أصبح من الجلي أن سياسات “الإنفتاح” و”السلام” لم تؤدي لا إلي الرخاء ولا إلي السلام فضحايا الظلم والفساد تفوق ضحايا المقاومة. ولهذا فإن سوريا المنتصرة تستطيع أن تقدم نموذجا خلاقا لنهضة عربية مستقلة معتمدة علي الذات. وعندئذ نطمئن بأن دماء الشهداء لم تذهب سدي.

المراجع

1- Morsy,Soheir A,1988 “Islamic Clinics in Egypt,The Cultural Elaborationof Biomedical
-Hegemony”.Medical Anthropology Quarterly,2(4) ,355-369>

Delwin Roy,1985 “Restructuring the Political Economy of Egypt: Ford Foundation 2-Economic Policy in the 1970’s journal of South Asiaand Middle Eastern Studies 9(2):20

3- الانفتاح الاقتصادي…حصاد مر…لسياسة غير وطنية طاهر عبد الحكيم 1979 ؛
الرئيس أنور السادات نص الخطاب منشور بالأهرام 29 مارس 1979

4- إيريك دافيز،Eric Davis ترجمة هشام سليمان عبد الغفار: طلعت حرب وتحدي الاستعمار دور بنك مصر في التصنيع 1920-1941 مكتبة الشروق الدولية 2009

5- شهداء ثورة 1919 ،مركز وثائق وتاريخ مصر المعاصر)

6- من خطاب السادات أمام مجلس الشعب عام 1981

7- أنطوان زحلان : العرب وتحديات العلم والتقانة : تقدم دون تغيير مركز دراسات الوحدة 1999

8- أشرف البيومي : قضية البحوث العلمية المشتركة والمنهج العلمي في المعالجة، الأهرام الاقتصادي
15 نوفمبر 1982 ”

9- د.سهير مرسي المعونة الأمريكية :حالة خاصة لسياسة عامة المواجهة الكتاب الخامس والسادس 1986المواجهة القاهرة: لجنة الدفاع عن الثقافة القومية (التي ترأسها المناضلة د.لطيفة الزيات)
Soheir Morsy, U.S. Aid to Egypt :An Illustration and Account of U. S.
Foreign Assistance Policy, Arab Quarterly, v8)4(:358-389،1986ol8 no4p358 1986 .
10- توماس لبمان Thomas Lippmanواشنطون بوست 12 -9-1976

11- أشرف البيومي “قضية رش المصريين بالمبيدات الأهرام الاقتصادي 27 ديسمبر 1982 وعودة ألي مأساة المبيدات السرطانية الاهرام الاقتصادي 24 يناير 1983

12- سهير مرسي “الدول الاستعمارية تتاجرفي أمراضالشعوب الفقيرة الأهالي 16 مايو 1984

– 13أ.د.سهير مرسي الامبريالية الثقافية في مجالات الطب والصحة العالمية الأهالي 13 فبراير 1985

14-Not Only Women: Science as Resistence in Open Door Egypt. Iin Pragmatic Women and Body Politics, Cambridge1998

15-S.Morsy”Bodies of choice:Norplant experimental trials on Egyptian women ,”in Norplant:under her skin AmsterdamZ;Eburon 1993
16 أشرف البيومي “الالبان المشعة ومسئولية السلطة” صحيفة الأهالي 1986

17- How Today’s Divided Society Endangers Our Society, Norton, 2012

18- بول كروجمان P.KRUGMAN في صحيفة النيويورك تايمز الأمريكية في 27 نوفمبر 2017

19- روجر كوهن Roger Cohen,: “النيويورك تايمز” 3 ديسمبر2017

20- -ميشيل جولدبرج Michelle Goldberg : “النيويورك تايمز”4 ديسمبر 2017

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close