البطة السوداء !

ماذا يحدث لم توجد البطة السوداء ، فعلى من يعلق البط الأبيض أخطاءه ومشاكله ؟ أن الجواب على هذه المشكلة ،، التي تبدو وهمية ، لم تكن في الواقع سوى ، مدخل ، للبحث في مشكلة تخص سلوك الإنسان ، في تعليق مشاكل البعض ، على فئة صغيرة ، على فرد ، أو على دولة ما ، غالباً ما يدعو في كبش الفداء . أو ، حسب ، التعبير الحديث نسبياً ، الذي ، حل محل ، مصطلح كبش الفداء ،البطة السوداء . وبما أن الإنسان ، جزء الطبيعة ومن نتاجها ، مثل البطوط ، تقود غرائزه ، في كثير من المواقف ، بأن يبحث عن ضحية ، كبش فداء ، بطة سوداء ، عندما تأزم الأمور ، لكي يعلق عليها مشاكلة ، أو يجد فيها أداة ، لوحدة ، ولتكاتف ، أو على الأقل ، يعمل ، على تأجيل النظر فيها لوقت آخر . ولعل حين كتب ، القاص المشهور للأطفال ، هانز أندرسن ، حكاية البطة السودأء ، والتي لم تكتشف بعد البطة السوداء في أستراليا ، لأن كان يعتقد بوجود البطة البيضاء فقط . ولكنه ، هانز أندرسن ، كاتب الأطفال ، اخترع هذه البطة ، وراد أن يعبر فيها عن الضحية ، وكبش الفداء ، والشماعة ، الذين يعلق الآخرين عليها إخطاهم ، حينما لا يقدرون أن يحلوها بالطريقة الصحيحة والمرضية . فهو إراد ، أن يعبر بهذه الحكاية الرمزية ، عن مرض مزمن في الطبيعة البشرية ، بأن يعلقوا أخطائهم ومشاكلهم ، على فرد ، أو فئة ، أو دولة ، حين تكون الكثير من مشاكل البشر والمجتمعات ، لا يمكن حلها بطريقة الصحيحة والطبيعية ، لوجود مصالح متعارضة وتناقضات داخل المجتمع . وعليه ، يعمد ، لحلها بطريقة وهمية أو تأجيله ، ، فعنئذا ، يخترع المجتمع ، أو الجماعة ، أو العائلة ، ضحية ، وكبش فداء ، بطة سوداء ، يلقوا عليه اللوم والمسؤولية ، لكي يتخلصوا مؤقتاً على الأقل من التفكير بالمشكلة . فالسيكولوجية ، التي تقف خلف هذه الظاهر ، واضحت وبينة ، لكل من يمعن التفكير بها ، فهي ، تشير في الغالب ، بأن الحل ، في موقف معين ، ومكان محدد متعذر ، لكونه ، يصطدم مع قوة ، أكبر من أن تخضع للمسائلة واللوم ، فيعمد ، الجماعة ، أو العائلة ، أو المجتمع ، لختراع ضحية ، تؤدي هذا الغرض ، وتنقذ ماء وجه المجتمع ، وليظهر أن كل شيء على ما يرام . ولو رجعنا لتاريخ ، ليكون شاهد على هذا الحالة ، لوجدنا ، أن قائم أساساً على هذه السلوكية ، لأن أكثر المشاكل عبر التاريخ كانت عصية على الحل بالطريقة الصحية ، فالأقوياء هم من كانوا سادة الموقف ، والحل ، بالطريقة الصحيحة يتعارض مع مصالحهم ، وضعهم ، لذلك ، نجد دائماً هناك ضحية وكبش فداء ، ربطة سوداء تنسب لها المشاكل ، وتقوم مقام الحل الصحيح . ففي المجتمعات القديمة البدائية ، حينما تصادفهم مشكلة يصعب حلها ، كثيراًما كانوا يضحوا ، بشر ، طفل أو عذراء شابة في سبيل أرضاء الآلهة ، التي كان يعتقد أن سوف تحل المشكلة التي يعانون منها وتسكن غضب الآلهة ، التي قد تكون هي سبب المشكلة التي يعانون منها . فالضحية ، كبش الفداء ، غالباً ما تقوم بهذا الدور ، يحل المشكلة . ولذا ، تبدو ، وكأنها ، عادة ترسخت في عقلية البشر منذ فترات تاريخية موغلة بالقدم ، وأصبحت ، بتالي ملازم لتفكير البشر ، في البحث عن ضحية ، وفِي كل المستويات ، بدء من العائلة ، إلى المجتمع والعلاقات الدولية ، حين تأزم الأمور ، لكي تحل محل الحل الصحيح ، الذي يجب البحث عن في تركيبة المشكلة ، فنحن نجد ، غالباً ما يلقي اللوم بعائلة ما على فرد من أفرادها ، وفِي مجتمع ، على فئة من فئاته ، أو مذهب من مذاهبه ، وفِي العلاقة الدولية ، عادة ما تعلق دولة مشاكلها على دولة مجاورة لها . ولو اقتصرنا، على ما هو معرف وشائع من هذه الحالات ، لبات ، واضح ، بأن يجب أن تكون هناك ضحية وكبش فداء لكي يلقي علية اللوم ، وحتى يبقى الحل مؤجل ، مادام ، المجتمع أو الدولة ، أو العائلة ، غير راغبته أو قادر تشخيص المشكلة . وما دام ، كما قلنا ، أن التاريخ حافل بنماذج على تلك الحالات ، لنأخذ ، من التاريخ الأسلامي ، نموذج ، على تلك الطريقة في التفكير ، فَلَو سألنا من كان في تاريخ الإسلام كبش الفداء أو البطة السوداء ؟ لا شك أن أي لقاء نظرة على التاريخ القديم ، يظهر بما لا يدع مجال لشك والتردد ، بأن يجيب فوراً ، بأن الشيعة كانوا هم البطة السوداء ، لا لأن أفكارهم ومعتقدات ، هي كانت من الشذوذ والغرابة ، بحيث تعكر صفو المجتمع ، كما يعتقد الكثير ويبذل جهود كبيرة من غير طائلة في سبيل أثبات ذلك ، حتى لا يحمل المجتمع أي تحامل ، أو أن هذا المجتمع ، يعمل عن وعي أو لا وعي ، على جعل أحد فئاته كبش فداء ، فكل ما جرى للشيعة وما صابهم ، هو ليس بسبب أفكارهم أو معتقدهم وإنما لكون المجتمع ، يحتاج ، دائماً ، ضحية ، سوى كانت هذه الضحية فرد أو جماعة ، فالمهم أنها تؤدي دورها كضحية أو شماعة لتعليق المشاكل عليها . وشيء طبيعي أن يقوم الجهاز الأيدلوجي للدولة المسيطرة في تبليس وشيطنة تلك الضحية . وطبيعي أيضاً ، أن تكون لكل فترة ، ومرحلة ، ضحيتها وكبش فداءها ، ما دام المجتمعات تتغير أشكالها وتوجهاتها. وتحتاج لضحية تناسب تلك الفترة . فبعد أن تتغير الممجتمعات ، لا تعود الضحية القديمة ، تؤدي غرضها . فعندما ، خفت حدة ، النزعة الطائفية في المجتمع العراقي الحديث ، مثلاً ، ودخل في مرحلة ما يسمى النهضة ، اصبح من الواجب تغير هوية الضحية ، لذلك ، وجود في الشيوعية ، التي غزت المجتمعات العربية ، كبش فداء جديد . وهكذا ، يعيش المجتمع ، الغير مستقر ، والذي ، لم يحل نزعاته الداخلية ، على مثل تلك الضحايا . وحتى في النزاعات الدولية ، حينما لا تسود علاقات السلام بينهم يعمدون لفكرة الضحية ، أو العدو الوهمي . فبعد أختفاء شبح الشيوعية ، ونهاية الحرب الباردة ، تحتم ، على أمريكا ، والدول التي تسير في ركبها اختراع ، هذا الضحية ، وكبش الفداء ، أو العدو الوهمي ، لكي تغذي حركة مجتمعاتها ، وتشغله بهموم هذه الضحية . فعمدت أمريكا ، والدولة التي تسير خلفها لختراع روسيا ، والشيعة . فكبش الفداء في فترتنا هما روسيا ، والشيعة ، الذان ، هما العراق ، وأيران بشكل خاصة وتابعيهم . فأمريكا اخترع روسيا عدو وهمي لها ، لكي تستمر في شحذ حركة مجتمعها ، ولكي ، من ناحية ثانية ، تبعد الأنتباه عن مشاكلها الداخلية . وغالباً ، ما تكون الاوصاف ، التي تطلقها ، على هذا العدو الوهمي لا تمت بصلة ، لحقيقة هذا العدو ، ولا تنطبق عليه من بعيد أو من قريب ، فهي كلها ملفقة ، ومخترع القصد منها أثارة الخوف والرعب من هذا العدو الذي يتربص بها الفرصة لانقضاض عليها ، لذا على المواطنين أن يكونوا في حذّر ، ويتحدوا لمواجهته . فروسيا الآن هي ، كبش فداء الذي يتوحدون حوله ، رغم أنها اليوم ليس لديها عقيدة خاصة بها أو أيدلوجية تبشر بها وتدعو لها ، فهي ، تعتنق عقيدة الغرب في الديمقراطية ، والحريّة الفردية ، ولكن ، قدر روسيا هو أن تكون كبش الفداء ، تلك النزعة ، التي تسري في الدم البشري منذ القدم ، ما دام منطق العداء ، لم يحل في العلاقات البشرية . وما يطبق في الوقت المعاصر في الغرب على روسيا ، من قبل أمريكا وحلفاءها ، يعمل به هنا في منطقة الشرق . فالشيعة في العراق وأيران ومن يتبعهم ، في الوقت الحالي ، بعد أن طغت النزعة الدينية وأصبح لها الصدارة ، بعد أن خفت وتلاشت لعقود من الزمن . فالعدو المتمثل في الشيوعية ، قد اختفئ حالياً ، ولا يمكن للمجتمعات تعاني من صراع داخلي أن تواصل العيش بدون أن تجد لها ضحية وكبش فداء تحمله وزر مشاكلها، فهو ، حتى ، إذا لم .يكن موجد داخلياً فيجب اختراع ، سوى في الخارج أو الداخل . ومن هنا ، باتت روسيا في الغرب هي البطة السوداء الذي يعلق الغرب عليها مشاكله ، وينشد به ووحدته ، لأن هذه الوحدة سوف تتصدع بدون وجود هذا العدو الوهمي ، الذي يجب أن تتركز عليه كل الجهود . وكذلك أصبح الشيعة في العراق وأيران هما البطة والعدو ، وكبش الفداء اللذان يجب محاربتهما بلا هوادة . وعادة ما يتقبل الناس مثل هذه الطريقة برحابة صدر وكأنها أمر طبيعي ، وكأن ، هو الحل فعلاً ، لمشاكل تبدو بلا حل . لكونه أهون الشرين ، لأن الناس غالباً ما تقبل الحل السهل ، ما دام يبدو لا يكلف ما يكلفه الحل الجذري والحل الفعلي لمشكلة . فأمريكا مثلاً ، تُخلْق لها عدو وهمي لكي لا تستخدم الحل الجذري في مجتمعها ، القائم ، على أيجاد منافذ لتصدير فائض سلعلها في الخارج ، والتي تواجه بمنافسين آخرين . وفِي المنطقة العربية ، تعلق ، كل المشاكل بوجود الشيعة وأيران ، حتى لا تحل النزعة الطائفية والوهابية في المنطقة . فالبطة السوداء تبدو فكرة صاحبت البشرية منذ عهود طويلة ، وما زالت تؤدي نفس الهدف ، رغم اختلافها في الشكل والحجم ، ولكنها بقت تقوم بنفس الغرض ، وهو اللقاء اللوم وتبعية ما يحدث على فرد أو فئة أو دولة ، لغايات شتى . وحقيقة ، أن فكرة هذا المقالة أثارها ، وحفزنا عليها ، الأستفاء الذي نظم في الدول الأوربية ، بخصوص روسيا ، والسؤال المطروح فيه ، هو ، هل تعتبر روسيا جزء من أوربا ، ومن حضارتها ، أم لا ؟ ونحن ، نعرف من جغرافية ، ومن تقسيم العالم للقارات ، أن روسيا ، تقع في أوربا ، بغض النظر عن الدول التابع لها في آسيا . أما من الناحية الحضارية ، فهي كذلك جزء من الحضارة الأوربية ، فالديانة ، لروسيا هي المسيحية الأرثودكسية ، وكذلك الحضارة الأغريقية . وكانت علاقة القياصرة بحاكم أوربا معروفة ، وحروب نابليون ضد روسيا ، ولروسيا مساهما كبيرة في الحضارة الأوربية علمية وأدبية ، فهي لم تكن في يوم معزولة عن أوربا لا في حروبها ولا في مساهماتها . فقد كان أكثر ، رجال عصر النهضة وفلاسفتها ضيوف لدى الإمبراطورة كاترين . ومع هذا هذا كل نجد في الاستفاء الذي جرى في عموم أوربا أ لا يقرون في أنتساب روسيا إلى أوربا ، ليس جغرافياً ، بالطبع ، ولَكن حضارياً ! ولولا تسألنا لماذا هذا الأقصاء لروسيا ، ولماذا القفز على الحقائق ؟ ولقد قيل ، وعن حق، بأن أصلب الحقائق ، سوى كانت رياضية أو هندسية ، أو علمية ، اجتماعية ، لو وعارضة مع مصالح الناس لعمدو لتغيرها ، أو تكيفها بحيث تخدم مصالحهم . ويبدو الآن أن وأوربا التي تسير في ركب أمريكا ، بأن تكون روسيا لا من أوربا ولا من حضارتها ، جسم غريبة ، عنها ، لكي يجعل منها كبش فداء أو بطة سوداء . أنها أرادة القوة وليس منطق الحق والعدل والحقيقية . ففي عالم ، حافل بتناقضات ، يجب أن يكون هناك كبش فداء تعلق عليه كل المشاكل . ولو ، نحن ، من ناحية آخرى ، أجريناها هذا الأستفتاء الذي جرى عن روسيا بأوربا ، في المنطقة العربية ، وطرحنا السؤال هل الشيعة ( خصوصاً شيعة العراق ) جزء من المنطقة ، ومن حضارتها ؟ لا نحتاج هنا لقدرة خاصة لنتكهن بالجواب ، فهو معروف مسبقاً ، ويعد من سقط المتاع . فالشيعة ، عدو منذ فترة طويلة ، من قوميات آخرى ، غير عربية ، فارسية ، هندية ، أو خليط من شعوب مختلفة . فلا هم أصلاً عرب ، ولا حضارياً جزء من من الحضارة العربية ، الاسلامية . وما يقف خلف هذا لتزوير لهوية الشيعة ، هي نفس الدوافع ، التي تغرب بها شعوب وفئات عن اصلها وجذرها ، ومنشأها ، عنيانا به ، دافع ، البحث عن كبش فداء ، بطة سوداء . فالشيعة قلما اعترف بهم من قبل العرب السنة ، بأنهم عرب ، وينتمون لنفس الأصل ، الا من باب التواضع والتنازل . لهذا نرى ، وكما قلنا ، أن البحث عن كبش فداء يقف خلف الكثير من الصراعات في العالم ، في مجتمعات لم تبلغ وتصل إلى مرحلة حل الصراع بطريقة جذرية وعقلانية ، ما دام في هذه الحل ضرر كبير على الطبقات المسيطر والمتحكم في السلطة . فليس هذا الصراعات ، كما اعتدنا على تصويرها بأنها صراعات عقائدية وأيدولوجية مترسخت في تلك المجتمعات ، بقدر ما هي تخدام أرادة القوة ، وتبررها . ولذلك سيبقى البحث عن كبش الفداء واختراعه ، ما برحت هناك قوى مسيطرة ولا تقبل التنازل عن سلطتها .

هاني الحطاب

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close