هل إن القرامطة كانو مسلمين حقا ؟ ح 2

(*) د. رضا العطار

وبعد ان صلب عود حمدان وانتشرت دعوته في سواد الكوفة اشتبك بجيش العباسيين, كنت النتيجة ان وقع قائده القرمطي – ابن ابي قوس – اسيرا, فاقتيد الى بغداد وصلب على جسرها.
ولا بأس ان نطلع على طبيعة الحوار الذي دار بين الخليفة العباسي المقتدر والقائد القرمطي الاسير الذي يلقي الضوء على حقيقة العقيدة القرمطية . فعندما وجهه الخليفة اليه السؤال التالي : ( هل تزعمون انتم القرامطة ان روح الله والانبياء قد حلت في اجسادكم وانها ستعصمكم من الزلل ؟ ) , اجاب القائد العسكري الاسير قائلا :
( يا هذا ان حلت روح الله فينا فما يضرك وان حلت روح ابليس فما ينفعك فلا تسال عما لا يعنيك ).

عند هذا التاريخ يختفي اسم حمدان ويظهر اسم يحيى بن زكروية الدنداني في الشام الذي كان له في الحركة القرمطية شان كبير, وقد صرح عند تسنمه السلطة ان سلفه من الحكام لم يكونوا من نسل الامام جعفر الصادق اصلا ولم يكن هدفهم المعلن نشر العقيدة الاسماعيلية كما زعموا انما اعلنوها خداعا وتمويها بغية جذب الطوائف والمذاهب المسلمة الى صفوفهم لكن من جانب اخر ادعى زكروية ان ناقته التي يركبها مامورة من الله وان الشعب اذا اتبعها في الحروب تنزل عليه الفتح المبين.

كانت سوريا يومذاك تحكم من قبل دولة طولون فهاجمها زكروية وتمكن من اسقاطها لكنه عندما حاصر العاصمة دمشق وقتل على ابوابها، بايع اتباعه الحسين من بعده ونادوا به خليفة، الذي اعلن من مسجد مدينة حمص انه امير المؤمنين كما انه هو المهدي المنتظر. كما اعلن للملا ان الشامة الموجودة في وجهه انما هي في الحقيقة اية قرانية لذلك لقبه الشعب بصاحب الشامة. وكان اسم احد اقربائه عيسى المدثر, كان يزعم انه هو المقصود في سورة المدثر التي وردت في القران الكريم.

وقد زحف الخليفة الجديد الحسين الى دمشق وحما وحمص والمعرة وبعلبك يقتل ويسلب ولم يكن له في دولته من الموظفين غير جلاده. ويحتفظ المؤرخ الطبري لهذا الطاغية برسالة يستهلها على هذا النمط :
( من المهدي المنتظرالمنصور بالله, الحاكم بامر الله, المختار من رسول الله …الخ )
والجدير بالذكر ان احد اتباعه المدعو عبيد الله المهدي قد فر منه الى شمال افريقيا الذي تمكن هناك من وضع الحجر الاساس لاقامة الدولة الفاطمية في القاهرة بعدئذ.

وعندما تكاثرت فضائع الحسين وعمت الفوضى البلاد التجا اهل الشام بالخليفة العباسي المكتفي في بغداد سرا, و كتبوا اليه يستغيثون به شاكين سوء احوالهم. فقام الخليفة بدوره بارسال جيش جرارالى مدينة حما في سوريا واستولى عليها و سحق حصن القرامطة فيها واسر الحسين القرمطي واقتيد ذليلا الى العراق حيث حمل على جمل وعرض في اسواق بغداد ثم صلب على جسرها. وبه انتهت الثورة القرمطية في الشام . واذا كانت هذه الثورة قد بائت في العراق والشام باخفاق ذريع الا انها نجحت الى حد بعيد في ارساء حكمهم الوطيد في البحرين.

اما بشأن ثورة القرامطة في اليمن فقد ظهروا هناك وانتشروا بعد ان برز بينهم حاكم قاسي القلب قاتل سفاك باقر البطون اسمه علي ابن الفضل الذي فرض زعامته على البلاد بقوة الحديد والنار مدعيا بالنبوة, فقد امر ان يذكر اسمه في اذان الصلاة و تحرك عسكريا واخضع المقاطعات كلها لسيطرته. لكنه بعد ان دخل مدينة صنعاء امر بذبح خمسة الاف بنت باكر مدعيا:
( ان معشر النساء فتنة خطيرة يقفن حجر عثرة في سبيل عملياته الجهادية )
وقد سميت هذه الجريمة الشنعاء بوقعة المشاحيط.
لكن بقى الامن مفقودا و الاوضاع مضطربة لاتستقر ولا تهدا الا في عام 905 م , حيث مات هذا السفاح مسموما على يد احد الأشراف الذي دعاه الى داره لعمل حجامة له, فوضع له السم في المبضع. هذا ما يقوله المؤرخ البريطاني نتنج.
الحلقة التالية في الاسبوع القادم !ّ

* مقتبس من كتاب ثلاثية الحلم القرمطي لمحي الدين اللاذقاني.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close