خطوات متعثرة في أزقة مألوفة

رحمن خضير عباس

إنها خطواتك الأولى في أرض مسكونة بالحزن والترقب والمجازفة .

همست لنفسي ، بينما الطائرة القطرية تقترب من مطار البصرة . كانت الأرض التي نطير عليها قاسية الملامح ،فاقعة الألوان ، قاحلة ، ممتدة وكأنها بدون نهايات ، بينما تبدو النار الأزلية ، كمواقد بدائية . تؤنس هذه البيداء دون أنْ تعمرها . تبدو النيران متناثرة في أرض لاتعرف الشفقة .كل الصحارى المحيطة بأرض العراق إخضلت بالعشب والورد والبناء مستفيدة من واردات النفط ،الا هذه البقعة الجغرافية الممتدة من النهر الى النهر ، فقد إنهمكت في الحروب والخراب . فلاوقت لها للبناء !

الدوحة التي غادرتها هذا الصباح تنمو بسرعة هائلة ، البناء المزجج ذو الأشكال المعمارية الهائلة الإرتفاع والجميلة التناسق و التي تطفو على صفحة الخليج الهادئة . الأسواق الحافلة بالتخمة الإستهلاكية ، الشوارع الفارهة، والفنادق التي تضاهي الغرب . خدمات وتسهيلات وعمالة آسيوية . في سوق( واجف) تبهرك الأضواء والمقاهي الصيفية والتسكع . ثمة مسرح للغناء والرقص الفولكلوري ، بينما الشباب والشابات مستغرقين في لهوهم . وهذه البقعة من الرمل قد تحولت الى دولة يرصّع اسمُها اقمصة اقوى فرق العالم لكرة القدم . قد يضيع السؤال عن علة الدولة وماهيتها وفلسفة العلاقة ما بين الحاكم والمحكوم .

اسواق الطيور ، والحيوانات الأليفة وعرض البضائع واسواق الذهب وحركة التبضع ، والتسكع على الكورنيش الذي يتشبع برائحة القمر . عدت متعبا الى فندقي الفاره والذي كان على نفقة الخطوط القطرية وانا أتذكر ان قطر كانت نقطة باهتة بين الرمل .فأصبحت تنافس الكبار.

هاهي الطائرة تدب على ارض مطار شبه مهجور ، ربما لايستقبل الا رحلة أو رحلتين في اليوم . ونحن ننتظر الحقائب. كان الفراغ يحيط بنا ، والشرطة تغرز عيونا متطفلة في وجوهنا ، تتفرس في الحقائب والأمتعة .

هل يليق هذا المطار البائس بحجم مدينة كالبصرة وثرواتها المخزونة او التي استهلكتها المغامرات . هل كان عتبة بن غزوان يعلم ان بصرته التي بناها في غابر الأزمنة ، تتحول الى مستنقع آسن لبقايا إشعاعات الأسلحة التي أمطرتها الجيوش الغازية ،هل كان يعلم ان المدينة التي أتحفت العالم القديم علما وأدبا وشعرا ستصبح مدينة مهشمة الملامح . لقد كانت من أوائل المضحين في الحرب والسلم وآخر المستفيدين . حروب كانت البصرة ضحيتها ، ماإن تخمد حرب حتى تستيقظ حرب اكثر ضراوة .

في بيت صديق قديم، رايت حفيده الصغير ذا الربيعين بنصف ذراع . حينما طبعت قبلة على جبينه ، قالت جدته وهي تخفي اليد الناقصة عن الكاميرا التي هممت بإلتقاطها : كثير من الولادات تأتي ناقصة من الأعضاء في هذه الأيام . زوجها ( وهو صديق طفولتي وصباي وزميلي في الجامعة)تم أسره في الحرب العراقية الإيرانية . تلك التي بدأها طاغية عروبي متسربل بأبهته القومية ،وأدامها طاغية فارسي متسربل في سبحته الكهنوتية .

كان يتكلم بطريقة أقرب الى الهمس عن فترة أسره التي إستمرت ثلاثة عشر عاما ، او في الحقيقة 4446 ليلة جحيمية الملامح،كان يعدّها ليلة ليلة ، أفنت شبابه وإفترست إنسانيته ، شهد فيها أسوأ انواع التنكيل والإذلال والتجويع .

يحدثني بكلام يشبه الهمس :كنت مخضبا بالدم على طمى شط العرب قريبا من الفاو . حينما تمّ أسري من قبل الإيرانيين كان في جسدي عددّ كثير من الشظايا . لكن الأطلاقة الأكثر تأثيرا كانت في ركبتي .همس في أذني طبيب عراقي اسير معي في نفس المعتقل ، سوف استخرج الرصاصة من ركبتك بدون بنج ، وبعكسه فان الأطباء الإيرانيين سيقطعون كامل ساقك . استجبت مكرها مابين الألم والأمل . طلب من أربعة أشخاص ان يمسكوني بقوة كي لا أتحرك ، و بموس الحلاقة الذي احرقها من أجل تعقيمها جز الجرح المتقيح فصعدت روحي الى سماوات حمراء .فاخرج رصاصة كالجمرة كانت تأكل روحي . اوجعني صديقي الأسير ولكنه أنقذ ساقي وحياتي . سالت دمعتان من غضون عينيه كالبلورتين . اضاف وهو يداري عبرته . وابتسامة بلون القمح تلوح على شفتيه . لقد خسرت سمعي ، وقدرتي على التوازن .

السيارات التي تقل المسافرين من المنطقة المحرمة في المطار الى خارجها ، سيارات خاصة ووجوه مكفهرة لاتعرف البسمة . وحالما وصلنا الى خارج المنطقة ، حتى تلاقفتنا أصوات سواق تاكسي آخرين . وبعد مساومات قصيرة وجدت نفسي محشورا في سيارة تاكسي صغيرة .علمت من خلال سائقها أن جميع اصحاب السيارات يشتغلون في هذا المجال . مدرسين وموظفين وحتى شرطة مرور .

هاهي البصرة تبدو من بعيد .وكأنها تغرق في الغبار. شوارع مهملة تضيق بالعربات .محاطة ببيوت عشوائية البناء . هل هي ذات المدينة التي غادرتها قبل اربعين عاما ؟

تذكرت محطة القطارعام 76 التي تضج بالعابرين والمودعين . القطار الصاعد الى بغداد . كانت رائحة القلق تفوح من حقيبتي وتمتزج برائحة المساء البصري العابق بالرطوبة . كنت أتفرس بالوجوه لعلني أرى من يودعني من الأصدقاء الذين لم أخبر الا القليل منهم عن نيتي في ترك الوطن الى الأبد . لم أجد احدا سواي وانا احدق في حقيبة السفر لأصعب قرار إتخذته في حياتي .

كان القطار الطالع الى بغداد يمر على الأهوار وهي مستنقعات مائية تمتد الى العصر السومري ، الماء يتلألأ وهو يمتزج بالبردي ، حيث الأسماك والأوز والأمواج الصغيرة تحيط بالقصب الذي يرتعش لمرور القوارب الخشبية الصغيرة المحملة بالقصب والخضرة الطازجة . وكانت بيوت القرويين تطفو على الهور في تكوينات هندسية بدائية معتمدة على ماتجود به البيئة الرحيمة من القصب والبردي ليصنع البيوت العائمة على الماء والتي تتخذ من جذور القصب أساسا لثباتها .ويطلق عليها الجبايش ، جمع لجبيشة وهي البيت المكون من القصب والبواري ، ويتم الأنتقال من بيت الى آخر بواسطة البلم . وهو زورق صغير يقوم بعدة مهمات منها الصيد والتنقل وجلب الأمتعة .

غفوت على صوت ياس خضر والذي كان يغني قصيدة مظفر النواب ” مرينة بيكم حمد ، واحنة بقطار الليل ..ياليل صيح بقهر صيحة عشك ياليل ”

حينما اردت رؤية الهور ، بعد هذه الغربة الطويلة ، وجدته قد شاخ وتشققت أرضه . ونز الماء الى النصف وماتت أسماكه ، اما البيوت التي تستقر على الماء ، فقد وجدت من اليابسة ملاذا لامفر منه .توغلنا في قارب بخاري الى عمق الأهوار فلمسنا بقايا روح تتنفس من خلال الجاموس وبعض الطيور والطرق المائية مابين القصب .

وجدت شقة في البصرة القديمة عن طريق صديق قديم . كانت الحرارة تقارب الغليان ، قضيت ليلة استثناءً ترحمت فيها على صقيع أوتاوة . لم أنم كنت احلم بخريف ليلي . في الصباح كانت الشقة في وسط الشارع . يستيقظ السوق فجرا .حتى يصبح الشارع العام الرابط بين البصرة والعشار سوقا موقتا يطلق عليه البصريون ( سوق هرج) وقد تأسس في الثلاثينات من القرن الماضي ليكون مكانا لبيع الحصران والصناعات الشعبية وتحويل النقود وورش التصليح . ولكنه اصبح موضعا لبيع القديم ، أوكأنه يقوم بكتابة المدينة من خلال لوازمها القديمة . فقد اصبح ورشة فسيحة لكل شيء حتى الممنوعات والمسرقات ، الطيوروالحيوانات وانواع التوابل .

تسللت من الزحام منسحبا من هذا الضجيج ، ومتوجها الى منطقة نظران التي تقع على النهر الصغير المتفرع من شط العرب والذي كان ينساب عبر احياء البصرة .حيث تُستخدم الزوارق الصغيرة للمرور عبر البيوت المزخرفة بالشناشيل الجميلة . وهي بناء خشبي يتكون من الشبابيك المزججة والملونة والتي تطل على النهر الجميل المنساب بشكل يشبه مدينة فينيسيا ، حتى سميت البصرة آنذاك ببندقية العراق .وقد قال الشاعر السياب في الشناشيل .

“ثلاثون إنقضت وكبرت ، كم حب وكم وجد توهج في فؤادي

غير أني كلما صفقت يدا الرعد

مددت الطرف أرقب ، ربما إئتلق الشناشيل، فأبصرت ابنة الجلبي مقبلة الى وعدي

ولم أرها . هواء كل أشواقي أباطيل ، ونبت دونما ثمر ولاورد ”

لم يبق من الشناشيل سوى هياكل خشبية بائسة ،أمّا النهر الذي كان يحف بالبيوت فقد تحول الى ما يشبه حاوية للقمامة ،وماء آسن يلتصق بحوافي النهر ، بشكل يجعله أشبه بالمجاري . أما البيوت فقد آلت الى السقوط وتآكلت واصبحت مجرد خرائب . بإستثناء دارين تم إصلاحهما بجهود الفنانين والأدباء من أهالي المدينة وحولوهما الى قصر للثقافة والفنون فاصبح يحتضن الأنشطة الأدبية . أما البيت الثاني فقد تم ترميمه ليكون جمعية للفنانين التشكيليين .

التحقت بمدرسة في منطقة البريهة التابعة للعشار . كان لقائي مع كادر المدرسة محفوفا بالتوجس والمخاوف وتطفل الأسئلة .كانت البداية لتلمس الإجراءات الإدارية في مديرية التربية لإكمال معاملة العودة الى التعليم وفق قانون الفصل السياسي . في طريقي الى المديرية التربية ، هالني مرأى مقرات القوى البحرية . كنت جنديا احتياط في السبعينات ،وكان قائد البحرية معارض سوري لنظام الأسد أسمه عبدو الديري . كان من الضباط المتشبعين بالتقدم الحضاري في الغرب . وقد نقل هذه العقلية الحضارية الى البحرية العراقية ، فتميزت القاعدة بالأناقة والإنضباط والتنظيم . كنا نسير في داخل المعسكر وكأننا في جنينة .يتصدر بوابة القاعدة نصب ضخم قاعدته من المرمر يرمز للقوة البحرية العراقية .

تبخرت تلك الصور وانا ارى هذا المكان الجميل الذي تحول الى بيوت القصدير ، فقد استولت ( الحواسم) على مقر القيادة وبنوا فيها بيوتهم العشوائية فأصبحت وكأنها أحياء مجذومة .ذهبت قاعدتنا البحرية بعد ان استولى عليها الناس من أحزمة الفقر المحيطة بالمدينة .

وصلت مديرية تربية البصرة .فوجدتها مجرد بنايات قديمة ومتآكلة ، تم إصلاح بعضها بشكل متخلف .الغرف مزدحمة بموظفين وموظفات لايعمل الا البعض القليل منهم ، اما الباقي فمشغول بالتدخين او الأحاديث الشخصية او الإنشغال بالموبايل الذي يستهلك اغلب أوقاتهم , ولأول مرة ارى في حياتي ان الدوائر تحتوي على أجهزة التلفزة وتقدم البرامج والمسلسلات التركية او المحاضرات الدينية او بكائيات عاشوراء .

وحالما تجد الموظف الذي يوجهك حتى تدور في دائرة مغلقة من الأوراق والتواقيع والتأشيرات والتسجيل ثم العودة الى استنساخ جديد ثم الواردة والصادرة والتذييل ورأي المدير والذهاب الى الدوائر القانونية لتتعهد وتعود الى الدوائر ذاتها، الموارد البشرية والملاك والحسابات والملفات والإستنساخ لعشرات المرات .إنها حلقة مفرغة يتقاذف بك موظفون لاهم لهم سوى تمضية الوقت وإزعاج المواطن بروتين لاينتمي الى عصرنا. سبحت في عرق الخجل وأدركت بأن ّ مجمل الإدارات العراقية متخلفة عن قصد ،انها توقفت عند روتين ماقبل قرن من الزمان . في احد أيام المراجعات كنا ننتظر توقيع المدير . كان في دائرته المكيفة يستقبل الزائرين الخاصين الذين يرتدون البدلات الأنيقة . كان انتظارنا غبيا ، لأنه يعتمد على توقيع مدير لايقرأ فحوى المعاملة !نحدق بعيون ملهوفة الى الموظفين من خلال الشباك الخارجي ، في درجة حرارة أقرب الى الخمسين مئوية. كنا نتلظى على جمر الإنتظار . وحينما دقت ساعة الملل صاح المدير بمعاونيه( خلي المراجعين يأتون غدا).

عندذاك أدركت بان بلدنا يسير الى الوراء فكل العالم تخلص من الأختام والتواقيع الا العراق ، وكل العالم اعتمد على الكومبيوتر في الإدارة الا العراق ، .وكل العالم وضع راحة المواطن قبل كل شيء الا العراق ..هل أنا محبط ؟ نعم .

لأنني كمواطن ارى الخطأ وغير قادر على تصويبه .

مضى أكثر من شهر وانا على هذا المنوال

واخيرا استلمت الورقة التي تؤهلني لأن أكون مدرسا . همس البعض لي . لو كنت قد رشيت احدا لأتاك بكتاب التعيين وانت في المقهى . ضحكت الى حد البكاء .

أنا الآن في رحم التجربة . مدرس جديد /قديم . لأول مرة اقف أمام الطلبة بعد هذه السنين . كانت الحيطان مشوهة الملامح ، اكثر الشبابيك مهشمة الزجاج وقد علاها الصدأ . طاولات الطلبة رثة ومتآكلة والغبار يعلو كل شيء . بقايا القناني البلاستيكية وعلب المشروبات الغازية تنتشر في القسم . حينما شكوت الى زملائي المدرسين بؤس الواقع . قالوا إنّ مدرستنا تعتبر جيدة قياسا الى مثيلاتها .وانا في هذه المدرسة تذكرت مشروع المدارس الحديدية السيء الصيت والذي عقده وزير التربية الأسبق خضير الخزاعي مع المقاولات الإيرانية ، بكلفة باهضة من الدولارات . وقامت هذه الشركة بنصب هياكل الحديد ثم توقفت عن المشروع . ومازال الحديد منتصبا مما جعل لجنة النزاهة توجه أصبع الإتهام الى هذا الرجل ذي الجنسية الكندية والذي كان يعيش على اتعاب دافعي الضرائب الكنديين .والآن هو متقاعد يتقاضى ليس أقل من مليون دولار أمريكي شهريا !.

أغلب المدارس تعتمد على النظام المزدوج ، اي كل مدرستين في بناية واحدة ، مما يقلص من وقت الحصة الدراسية لأقل من أربعين دقيقة . أما المستويات العلمية للطلبة فهي دون المتوسط ،والمناهج غير ملائمة وتساهم في إرباك الطلبة ، اضافة الى عدم وجود التربية الرياضية والتربية الفنية .

كما ان نجاح الطالب لايتوقف على تفوقه وانما على ثراء أهله أو انحداره من عشائر قوية مما خلق حالة من الضعف وعدم السيطرة من قبل الكادر التعليمي على الطلبة .

أما الرواتب فأمرها مضحك فمدير المدرسة يذهب الى مديرية التربية لإستلام شيك برواتب الموظفين ، ثم يذهب الى المصرف لتحويل الشيك الى نقد ويجلب المبلغ في كيس كبير ، ثم يقوم كاتب المدرسة بتوزيع الرواتب على المدرسين . وقد تعرضت مثل هذه الى عمليات سلب للرواتب من قبل عصابات مسلحة .التي تترصد المدراء بعد خروجهم من البنوك

حينما اعترضت على الطريقة ، وبانها بدائية . ومن الأفضل ان تذهب الرواتب الى حساب كل شخص في البنك ، ضحك الجميع وقالوا في سخرية. نحن في العراق

بعد عدة اسابيع وجدت ان أعداد الطلبة تتقلص شيئا فشيئا ، وفجأة لم أجد اي طالب في القسم . قيل لي انها مناسبة (الزيارة). هذه المناسبة يسير فيها الناس مشيا على الأقدام من جميع المدن الجنوبية والوسطى الى مدينة كربلاء لزيارة المراقد المقدسة . يستغرق الموسم من اسبوعين الى ثلاثة أسابيع يتعطل الدوام في المدارس وفي دوائر الدولة وفي المحاكم ودور البلدية وحتى في المستشفيات يتقلص عدد الموظفين الى النصف . اغلب الموظفين يتركون أعمالهم وينخرطون في طقس المشي .

كانت طقوس المشي مقتصرة على المناطق المتاخمة الى مدينة كربلاء . ولكن بعد سقوط النظام ،اصبح المشي إنجازا يقتخر به الساسة الجدد . مسيرات مليونية تحتشد في الطرق العامة . يشارك فيا الشباب والشيوخ والنساءوالأطفال . وتبنى في الطرق الخيام والسرادق وتوزع أنواع المأكولات وتوفر أماكن النوم لكل الزوار العابرين . وقد ساهمت الحكومة والمؤسسة الدينية بإشاعة هذا الطقس وتشجيعه ، وذلك بترويج المعجزات ، وتحقيق الأمنيات الشخصية .لمن يكابد عناء السفر مشيا. ولكن المشي لايجترح المعجزات ، بل ان ممارسة هذا الطقس تؤثر على كل مرافق المجتمع التي تتوقف عن العمل ، كما انها تشغل القوى الأمنية وقوى الجيش للمحافظة على نجاح الزيارة بدلا من حفظ الإمن في أرض ساخنة يتربص بها الإرهاب من كل أصنافه .كما أنّ المصاريف السنوية التي تنفق على مثل هذه المظاهر قد تعبد الطرق البائسة والمليئة بالحفر ، وتبني او ترمم مستشفيات البلد ومدارسه .

أهرب أحيانا من ضجيج المدينة لائذا بالنهر . كان الصباح رصاصي الملامح ، متشحا بالغبار. مررت بساحة أسد بابل عابرا نحو الكورنيش. كانت بقايا القناني ، والأوراق واكياس البلاستك السوداء تغطي جرف النهر الآسن. ثمة صيادو أسماك تتدلى أقدامهم على حافة الصخور ويبحلقون في صناراتهم الخاوية . سرت قليلا أتبع خطى رجل مقوس الظهر ، ضايقه فضولي فإحتمى بأريكة اسفلتية معطيا ظهره للشارع المترب . رأيت السياب مازال مسمرا على قاعدته وكأنه يقرأ قصيدته ( الشمس أجمل في بلادي من سواها) طلبت من أحد المارة أن يلتقط لي صورة ، وكأني اقول لشاعرنا الكبير ان الشمس في بلادنا لم تعد جميلة كعهده بها.

عبرت الجسر متذكرا جامعة البصرة والطبكة القديمة التي كانت تمخر النهر نحو التنومة .كان هواء النهر يداعب خصلات الطالبات اللواتي يحملن كتبهن بحياء ،كما كانت الزوارق الصغيرة تستفز مويجات النهر . إختفت الطبكة واختفت ضحكات النسوة الحالمات .

وجدت نفسي وحيدا في منتصف الجسر . قلت لشاب تتلألأ سمرته وهو يمد صنارته .ماهذا ؟ وأنا أشير الى زورق مقلوب على ظهره وكانه حوت نافق .أجابني إنه يخت صدام الذي وصل الى هنا . فقام الناس بسرقة كل محتوياته . ثم أضاف : لو لم يسرقوه لاصبحت ملكيته لنا نحن الشعب . لكنه إستدرك حسنا فعلوا ، فلربما سيسيطر على اليخت حكامنا الجدد ، ويتركون هذه الجموع من الناس فريسة للمذلة . المثير للإستغراب أنّ جميع الناس ساخطون على الوضع القائم ، وكلهم يتكلمون عن الفساد والفشل الحكومي . وكلهم يتكلمون دون خشية أو خوف . قلت لنفسي : ربما هذا الشي الوحيد الذي ربحناه .

استشاط صاحب السيارة الفارهة غضبا . لأنني أمشي على الرصيف الذي يريد أنْ يركن سيارته عليه ،أدركت خطئي الذي لايغتفر ، لأن الأرصفة ليست لنا نحن المشاة ، بل أصبحت مكانا لوقوف السيارات ولعرض البضائع وللباعة المتجولين . وللمقاهي والمطاعم .اما نحن فيجب ان نسير في الشارع الصاخب بالسيارات المسرعة . اما إذا اصيب أحدنا بحادثة دهس فهذا قدره وهذا مصيره .!

وفي الحقيقة أنه أمر مفزع أن يتم الإستيلاء على الرصيف من قبل الناس وهذا يعني غياب تام للدولة وغياب لأخلاقية الطريق وأنظمته . إن هذا المجتمع يتناسى أنه حينما يستورد السيارة ، ينبغي أن يستورد منظومتها معها ومنها تنظيم السير، وتخطيط الشوارع وتكوين علامات المرور والتوقف ، وبناء الأرصفة للمشاة . اما لدينا فهناك حملة مسعورة لأستيراد كل أنواع السيارات بحيث غصت المدن بها . ولكن تنظيم شوارعنا لايتلائم مع هذا الزخم . كما أنّ عقلية السائقين تنطلق في انه حر في فعل ما يشاء من إنتهاكات . ليس هناك اجازة سوق او تأمين او تحديد للسرعة .في حي الجزائر بالبصرة وضع صاحب مطعم شواية الشاورمة على احد العلامات التي ترشد الى الإتجاهات ! ولم يتوقف الأمر عنذاك بل تجاوزه الى السيطرة على بعض أجزاء من الشوارع .

في مدينة البصرة ينزوي مثقفوها في مقهى الأدباء وهي بناية قديمة رفض صاحبها بيعها لتبقى سقفا للمثقفين . تقع في زقاق قديم . وحالما تدخل المقهى حتى تزكمك رائحة الدخان وبخار الشاي والناركيلة . الأرائك قديمة ومتآكلة وغير مريحة . يأتي اليها المنشغلون بالهموم الأدبية .فهي عشهم الوحيد ومكان همسهم . في كل صباح جمعة، تقام فيها فعاليات أدبية ومحاضرات في شتى المجالات . وهذا يقودنا الى الإطلالة على الحركة الثقافية والفنية في المدينة . فهناك زخم كبير للحراك الثقافي الذي يتجسد على هيئة منابر أدبية وفنية تقوم بها جمعيات شتى ومنها اتحاد الأدباء وجمعية جيكور التي تتخذ من هذه المقهى مكانا كما تتخذ من قاعة قصر الثقافة مكانا للمحاضرات أيضا .كما أن هناك رابطة مصطفى جمال الدين الأدبية . والتي تقام في بيت الشاعر الفقيد مصطفى جمال الدين وهو من شعراء العراق المعروفين .ولكن المؤلم ان الذين يرتادون مثل هذه الأمكنة ويمارسون هذه الفعالايات هم في أغلبهم جيل شباب السعينات . عدا القلة من الشباب ، وحالما تنتهي اصبوحة مقهى الأدباء حتى يتوجه الجميع الى شارع الفراهيدي وهو شارع يقع مابين البصرة والعشار . يزدحم بالناس والكتب والفعاليات الفنية . إنه مهرجان اسبوعي يسعى الى توعية الناس ومد الجسور بينهم وبين الكتاب . وقد اضطلع بهذه المهمة نخبة من أدباء المدينة وفنانيها وشبابها المتحمس لغرس الوعي بين الأطفال من خلال إقامة المعارض وفتح صفحات الكتب وفتح حلقات للحوار .وكان لي الشرف ان اساهم في رسم وجوه بعض الناس والتعرف على همومهم . ومازال الفراهيدي نافذة لبث الوعي ونشر المعرفة وكأن هذه البقعة واحة في صحراء التخلف والجهل .

لابد لي أن أرحل الى مدينتي والمسماة الشطرة والتي تبعد ثلاثة ساعات عن البصرة . ضمن نطاق محافظة ذي قار .وحينما تصعد سيارة الركاب فانت تحت رحمة السائق في سرعته التي تبلغ درجات الخطر ،كما انك تحت مزاجه وذوقه وليس عليك سوى الصمت . حالما تنطلق السيارة حتى يفتح جهاز التسجيل وبصوت عال والتسجيلات كلها تقريبا عن بكائات عاشوراء .طلبت منه أن يغلق التسجيل ولكنه إحتج بغضب قائلا : هذه التسجيلات الحسينية هي التي تقينا شر أخطار الطريق !

خرجنا من البصرة ونحن الآن على الطريق الدولي السريع الذي اسس في ثمانينات القرن الماضي والذي يربط الجنوب ويصل حتى الحدود الأردنية ..وقد بنته شركة يوغسلافية وفق أحدث مواصفات الطرق العالمية . دور استراحة ومظلات علامات الإرشاد الطرقي واتجاهات المدن وتخطيط الشارع . الآن لم يبق اي شيء فقد سُرقت كل علامات الطريق ولافتات الأتجاهات الى المدن والألمنيوم الذي يفصل الطريق والأسلاك ، ولو استطاعوا ان يقلعوا اسمنت الطريق لباعوه أيضا .

الطريق موحشة وصحراوية سوى بقايا الإطارات الممزقة وجثث الكلاب وبعض الحيوانت الأخرى التي دهستها عجلات السرعة .

تواجهنا في الطريق وفي مداخل المدن عدد من سيطرات التفتيش .وهذه السيطرات لم تنجح في القبض على اي هدف مشبوه ،بل اصبحت مصدر عرقلة وإستفزاز للمسافرين . نمر على الجندي العراقي وهو يمسك السونار بيده لكشف السيارات الملغومة او الاسلحة . والسونار هو جهاز وهمي لشركة بريطانية وقد أدين صاحبها من قبل القضاء البريطاني منذ عدة سنوات بتهمة الغش .لأنه باع أجهزة أشبه بالعاب الأطفال ، أما المسؤول العراقي والذي تسبب تورطه فيهذه الصفقة إلى إزهاق آلاف الأرواح فمازال حرا طليقا . والمضحك ان الجنود يمسكون السونار ليفتشوا السيارات وهو يعلمون أنّ أجهزتهم لاتعمل . وفي الحقيقة ان السيطرات في بوابات المدن تظل بدون قيمة من الناحية الأمنية لأن الأرهابيين يتفادون المرور من خلال السيطرة ويذهبون من خلال منافذ كثيرة .

شاعت ظاهرة( الكوامة) في المجتمع العراقي ولاسيما في جنوبه .وتعني إعلان نزاع بين طرفين من أجل حله . وتتكون من طرفين : الشاكي، والمشكو عليه .وكل طرف يطرح وجهة نظره أمام لجنة من شيوخ العشائر . الذين بدورهم يحكمون لأحد الطرفين ، وعلى الطرف الخاسر الإنصياع للحكم ، وبعكسه سيتحمل اسوأ النتائج ومنها القتل . والسبب في تفشي هذه الظاهرة هو غياب الدولة وضعف القضاء والفساد الإداري ، كما أنها اي الكوامة نتيجة طبيعية لزحف القرية باتجاه المدينة ، وسيطرة القيم الريفية في االمدينة لأن هجرة الريف أطاحت بخصائص المدن وأفرغتها من طابعها التحضري . وحينما سقطت الدولة العراقية على أثر الغزو الأمريكي أصبحت أعراف العشيرة وسطوتها بديلا عن الفراغ الذي نشأ في ظل حلّ الجيش والشرطة . فكانت الكوامة هي المسطرة التي لجأ اليها المجتمع لمعالجة مشاكله . ولكنها سرعان ما أصبحت عبئا على المجتمع ووسيلة إبتزاز وجسرا نحو الثراء السريع .

في محاظة ذي قار تقام الكثير من الأنشطة الثقافية والفنية . وهذه المحافظة من المناطق التي رفدت العراق بالكثير من الشعراء والأدباء والفنانين ، كما أنجبت الكثير من الفنانين والملحنين ، وفيها تاسس تنظيم الحزب الشيوعي وتنظيم حزب البعث وتنظيم حزب الدعوة .

لكن الناصرية تبقى مدينة منسية مهملة جف نصف فراتها . لم يبق من ذكراها الا البهو وهو بناية مقوسة اسست في عهد عبد الكريم قاسم .

كانت اصبوحة جميلة تلك التي دعاني اليها صديقي مدير معهد الفنون الجميلة في الناصرية . فالمعهد يستضيف بول زمنسكي من جامعة ستون بروك الأمريكية ، والباحث في الآثار بروك دومنيك من جامعة باريس . وكانت الندوة علمية بإمتياز ، تغلغلت في تأريخنا لإستنباط القيم المعرفية التي منحت البشرية بدايات التحضر . وقد قال المحاضر الفرنسي : غير بعيد من هذه القاعة اخترعت الكتابة . وأول عجلة وقد علمنا من خلال المحاضرة الشيقة الكثير من المعلومات .ومنها أنّ الملك السومري شولكي كان يجيد العزف على سبع آلات موسيقية وقد أسس دارا لتعليم الموسيقى عام 2011 قبل الميلاد .

و أن السومريين يرفضون السلاح ويعتبرونه امرا غير حضاري وقد ورد في ألواحهم هذا النص الذي يصف أعداءهم ( إنهم الهمج الذين لايسيرون الا واسلحتهم بأيديهم ) . وقد علمنا بمنع الزواج من إمرأة ثانية الا لسبب قاهر .كما كان للسومريين اتكيت في تناول الأكل والشرب وكانوا يتناولون المشروبات بواسطة القصبة . إنه عالم سومري جميل لم نستفد من معطياته .

حينما تعود الى بغداد ينبغي عليك أن تنسى بغداد التي غادرتها قبل أربعين عاما .أصبحت مدينة التناقضات المتوازية على امتداداتها ،الثراء والفقر ، التسول بكل انواعه . والعربات الفارهة ، زحام الطريق ومواكب المسؤولين ، وعربات الحمولة الخشبية ، الحاجة والأشباع ،مدينة مسكونة بهاجس القلق مدينة متربة هائلة المساحات ، تعيش حالة من الفوضى في كل شيء . وانت تسير في قلب المدينة تتوقع الموت في كل لحظة ، كما تتوقع الخطف والدهس وشتى الإحتمالات . لكن حركة الحياة وصخبها تنسيك هذه الهواجس . ويتقلص الخوف فانت مجرد رقم صغير في هذه الحياة الصاخبة . كان شارع الرشيد بائسا من الباب الشرقي حتى الباب المعظم . تحول الى خرائب ومحلات مهجورة وقد كنا نعتبره من أجمل الشوارع في العاصمة تبدو البنايات هزيلة تائهة وغير مسكونة ، مررت بمقهى البرازيلية ، فوجدتها قد تحولت الى متجر بائس ، اختفت دور السينما ، اختفت المحلات الأنيقة والمقاهي وباص المواصلات ذا الطابقين .والمطاعم . ذهبت الى ابي نؤاس كان خاويا من وسائل المتعة واللهو .وحتى تمثال شهريار بدا بائسا مستوحشا . اما نصب جواد سليم فقد تحول الى خيمة للتظاهرات التي ارادت أن تعدل المسار ومازال المتظاهرون باصواتهم المبحوحة يفضحون فشل الحكومة وفسادها . باب المعظم والميدان والوزيرية والأعظمية والكاظمية وباب الشيخ كلها تشوهت وتخربت .

لكن أهل بغداد يعرفون أسرارها ، فقد دعاني صديقي الى ملهى ليلي في قلب المدينة ، كنت خائفا ولكنه هوّ ن علي هامسا : أماكن اللهو محمية من قبل ميليشيات تستحرم من الملاهي ولكنها تكتفي بالعمولات الباهظة لقاء السماح بها!

بغداد ممزقة بخناجر كونكريتية تفصل بين الأحياء . يسميها العراقيون بالصبات ، التي تفصل بين المجتمع البغدادي ،وتوحي اليه بانه مختلف عن بعضه عقائديا أو مذهبيا . لذا فقد تمت نوع من الإزاحة المذهبية فهذا الحي اصبح سنيا صرفا بعد ان هاجر أو هُجر الشيعة من سكانه . وذلك الحي اصبح شيعيا صرفا وبنفس الآلية .أما المنطقة الخضراء فقد أصبحت محمية وقابعة خلف الصبات وجيش الحمايات . المنطقة الخضراء والتي تحتوي على مجلس النواب والوزراء وبيوت السياسيين الجدد الذين استولوا على أملاك السياسيين في عهد النظام الساقط . ولم يستفيدوا من القول المأثور ( لو دامت لغيرك ما وصلت إليك ) .

شعرت بالغثيان وانا داخل المرافق العامة في وزارة الإتصالات الواقعة على شارع ابي نؤاس . دعاني صديقي الى الوزارة التي يعمل كمهندس في احد أقسامها والتي كانت من الناحية المعمارية لاغبار على جمالها الظاهري ، حيث الواجهات الزجاجية الملونة .حينما طلبت ان أذهب الى التواليت ، وجدته مقرفا ومتسخا . في تلك الحظة قمت اربط مابين عفونة هذا المكان وعفونة مراكز القرار في بلدي ، ربما كنت تحت تأثير ماقرأته يوما عن الفرق بين أصلاح المرحاض الغربي لاتحتاج سوى فتح برغيين وترفع القديم لتستبدله بالجديد . وهذا مايحدث للقيادة السياسية . اما المرحاض الشرقي فتحتاج الى تفليش كل القاعدة الكونكريتية والجدران لكي تسبدله بالجديد . وهكذا الأنظمة في الشرق . وفي الحقيقة فقد وجدت ان جميع المرافق العامة في بلادي غيرصالحة للاستعمال في المدارس والجامعات وفي الأسواق والشوارع اوفي الوزارات ودوائر الدولة وفي أغلب البيوت . ومن المضحك ان من أسماء الدارجة للمرافق العامة عند العراقيين ( الطهارة) وطهارتنا لاتمت الى الطهارة بصلة اللهم الا إطلاق الإسم على نقيضه .إن أناقة مراحيض اي بلد مؤشر مهم على تحضره و رقيه .

كما ان الكثير من الأسئلة سقطت علي كالمطارق في تلك اللحظات ، فغالبية شعبنا جاهل وأمي وطائفي . وغالبيته يعتمد على مرجعية دينية او عشائرية . فكيف يمكن أن يكون حرا في خياراته الإنتخابية . فوصلت الى استنتاج مفاده إنّ الإنتخابات وصفة سابقة لأوانها ، وإنها بدلة لم تفصل على مقاساتنا ، في ظل جهل مطبق يسيطر على الغالبية . تلك الغالبة التي تحطم نوافذ القطار الجديد حينما يمر بالقرى والمدن .تلك الغالبية التي تطلق النار في مناسبات الأفراح والأتراح ليسقط الكثير من الضحايا الأبرياء . الغالبية التي لم تقرأ كتابا واحدا أو مجلة أو جريدة ، الغالبية التي تبيع صوتها بثمن بخس أو بطانية او قطعة نقدية تافهة أو حتى رصيد تلفون لايساوي العشرة دولارات .

ولكن بغداد الملتهبة والمتشظية والمثيرة للتوجس تتألق في صباح الجمعة من كل أسبوع في شارع المتنبي . ويقع هذا الشارع الصغير متعامدا مع شارع الرشيد ، مابين باب المعظم وبين شارع الأمين حيث تمثال الشاعر الرصافي . شارع المتنبي يعج بالكتب ويعتبر من أكبر معارض الكتب في العالم . تلك الكتب التي تفترش الشارع وتعانق المارة . يحج اليه البغداديون والعراقيون من مختلف أنحاء العراق. إنه مهرجان الفرح والمحبة والمعرفة والفن . إنه الشغف العراقي بالكتاب . ففي هذا الشارع مكتبات قديمة ذات تأريخ عريق .وفيه مؤسسات صحفية ومطابع ودور نشر . مقر المدى يقدم محاضرات اسبوعية عن الثقافة العراقية والعربية .ويحاول أن يعرف بالأدباء ونتاجاتهم من الموتى والأحياء .

فبعد ان تستريح لترتشف الشاي في مقهى الشابندر ( وهي المقهى التأريخية القديمة والتي تعرضت الى التفجير قبل عدة سنوات ، ولكنها تحدت الإرهاب لتعود الى ألقها ) في هذه المقهى تجد آلاف الصور الفوتغرافية معلقة على الجدران تحكي قصة العراق من خلال شخوصة التأريخيين وأعلامه وكبار أدبائه وسياسييه . وحالما تخرج من مقهى الشابندر المزدحمة بروادها من الأدباء والفنانين والمثقفين والمشغولين بالهم السياسي والإجتماعي . حتى تشق طريقك بين الزحام لتدخل الى حدائق القشلة التي تحولت الى ما يشبه ال هايد بارك .من حيث حلقات التعبير : فهناك حلقات للشعر الشعبي و حلقات للحوارالسياسي الذي يتناول أحداث الساعة وهناك من يروج لهذه الفكرة ومن يحتج او يجاهر برأيه . وهناك زاوية لمجموعة من الشباب المتبرجين الذين في أغلب الظن انهم من المثليين .وزاية لأخوتنا المسيحيين الذين يعلنون محبتهم للعراق ، وزاوية للكوميديين الذين يريدون زرع البسمة في الوجوه وهناك المرسم الحر الذي يعرض تقنيات الرسم وتشجيع الناس ولاسيما الأطفال على محبة الرسم ، وهنلك فنان فطري يقلد المنحوتات السومرية .إنه فضاء متخم بالحركة ومشحون بالحياة .

وحينما تخرج من باب القشلة . تدخل الى بهو مقابل يحتوي معارض للتصوير الفوتغرافي واللوحات الفنية ، وفي الطابق الثاني عدد لايحصى من قاعات المحاضرات التي تتناول مختلف الشؤون الأدبية والفنية ترافقها بعض العروض لأفلام قصيرة فائزة بالجوائز . تخرج من القاعة وانت في نشوة ، تتجه الى النهر ، حيث تمثال المتنبي الشامخ والذي يشير الى دجلة الخير بقوله

( أنا الذي نظر الأعمى الى أدبي وأسمعت كلماتي من به صمم)

كانت دجلة غير مبالية والماء يجري بلا إنقطاع . الجسر العتيق يبدو متعبا من المارة .. عدنا الى القيصرية حيث لقاء الأدباء والفنانين الذين يجدون في تلك المقهى فترة إستراحة . مررت بسوق السراي . كان علي المندلاوي يعرض كرمه وخدماته الفنية على مئات الفنانين الذين يؤمون محله الصغير وقلبه الكبير ..حالما رآني ..تذكرني ..إنتظرني وهو منهمك في تبيان الوسائل الكفيلة والتي تساعد الفنان لأن يستمر في استغراقه الفني .في مقدمة السوق مطعم صغير ، يبيع الكبة البغدادية . لايكاد يتسع لجلوس اربعة أشخاص . كان احمد القبانجي وهو مفكر اسلامي تقدمي يأكل في هذا المطعم وكثير من الشباب والشابات يتحلقون حوله لأخذ الصور التذكارية ، همس شخص بجانبي قائلا : ثروة هذا الرجل في زهده ومواقفه الجريئة في نقد الخرافات والبدع التي تعتري الدين .لذا اصبحت عمامته مبعثا للفخر

لقد اصبح شارع المتنبي في رقعته الجغرافية الضيقة وفي إتساعه وعمقه ومدى تأثيراته معلما حضاريا ، ومدرسة من الإلهام . انه روح بغداد ونبضها الذي يتدفق .

غادرت العراق بعد سفرة مارثونية اتسعت لستة أشهر ، بحثت في أزقته عن الأيام التي أضعتها ، بحثت عن العراق الذي أضعته ذات يوم ،ولكنني لم أجده .

تذكرت قول الفيلسوف الإغريقي هيراقليدس ” لاتستطيع أنْ تنزل في نفس النهر مرتين ، لأن مياها جديدة تتدفق دائما ”

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close