المدن المحرَّرة تصرُّ على المشاركة بالانتخابات ودعوات المقاطعة تنحصر في الوسط والجنوب

بغداد/ وائل نعمة

على خلاف المتوقّع، تتعالى دعوات مقاطعة الانتخابات التشريعية المقبلة خاصة في العاصمة بغداد والمحافظات الجنوبية، مقابل إصرار على المشاركة والتغيير في المدن المحررة.
انتخابات أيار المقبل، هي الاولى منذ 2005، التي ستجري في تلك المدن من دون تهديدات الجماعات المسلحة (القاعدة أو داعش)، وهو ما قد يدفع الى المزيد من المشاركة، على الرغم من وجود عقبات دفعت بعض الجهات الى طلب التأجيل.
وتتمثل أبرز تلك المعوقات، وجود نحو 3 ملايين نازح لم يعودوا الى مناطقهم الاصلية بعد، وهم منتشرون في المخيمات ومدن بعيدة، فضلا عن صعوبات تواجه السكان هناك بالحصول على بطاقات التصويت.
وتراجعت بشكل واضح نسب التصويت في الانتخابات الاخيرة (2014) مقارنة بالاستحقاق الذي سبقه في 2010، بنسبة 2% في عموم البلاد، لكنّ النسب المتراجعة كانت أكثر وضوحاً في المناطق الشمالية والغربية مقابل ارتفاع في الجنوب.
ويحق لـ 24 مليون عراقي التصويت بالانتخابات المقررعقدها في 12 أيار المقبل، بينهم أكثر من 11 مليوناً تم تحديث بياناتهم بايومترياً، على وفق ما أعلنته المفوضية المستقلة للانتخابات قبل 3 أشهر .
ويبلغ عدد سكان العراق نحو 37 مليون نسمة، بحسب آخر إحصائية أعلنتها وزارة التخطيط في البلاد، نهاية كانون الأول الماضي.

ناخبون بلا بطاقات
ولم يبق على يوم الاقتراع سوى 34 يوماً، فيما ما يزال هناك أكثر من مليون ناخب لم يتسلموا بطاقات التصويت في نينوى، بعدما ألغت المفوضية قبل أسبوعين عملية التسجيل البايومتري، بسبب صعوبة إجراء ذلك مع وجود أكثر من مليون نازح.
ولذلك تقول فرح السراج، النائبة عن نينوى إنها وزملاءها ممثلي المدن المحررة، طالبوا بتأجيل الانتخابات لحين عودة آخر نازح الى المحافظات التي كانت محتلة من تنظيم “داعش”.
وتربط السراج، التي تحدثت لـ(المدى) أمس، عودة النازحين بـ”عودة الخدمات الى الموصل وتحقيق الاستقرار”، وخاصة الجانب الايمن من المدينة الذي ما زال تتراكم فيه عشرات الآلاف من أطنان ركام المنازل المدمرة ومخلفات الحرب، ويشك بوجود 3 آلاف جثة ما زالت مدفونة تحت الانقاض.
ويبلغ تعداد الساحل الايمن 700 ألف نسمة، أغلبهم خارج المدينة الآن، وهو عدد مؤثر في الانتخابات المقبلة إذا تمت مقارنته ببعض المحافظات التي يبلغ جميع سكانها المليون شخص.
كذلك كشفت الامم المتحدة مؤخراً، عن موجات ارتداد جديدة للنازحين العائدين الى الموصل، وقالت المنظمة “خلال الفترة الممتدة من 12 كانون الثاني الى 24 آذار الماضيين، من هذا العام وصل ما يقارب 5.597 عائلة مهجّرة إلى معسكرات النازحين في الموصل”.
وكان البرلمان قد اشترط أثناء تصويته على قانون الانتخابات في شباط الماضي، على الحكومة تنفيذ ما تعهدت به من إعادة النازحين والاستقرار في المدن المحررة قبل إجراء الاقتراع.
وكان قبل ذلك قد حاول عدد من القوى السُنية، دفع موعد إجراء الانتخابات، لمدة 6 أشهر الى الأمام على أقل تقدير، لأسباب وجود النازحين ودمار عدد من المدن، إلا أن قراراً صدر عن المحكمة الاتحادية في كانون الثاني الماضي، سد الطريق أمام تأجيل الانتخابات.
ويتوزع نازحو نينوى بين محافظات الوسط وإقليم كردستان، فضلا عن وجود نزوج داخلي ضمن 9 أقضية، ونزوح داخل القضاء الواحد بين المدن، ما يجعل مهمة خوض عملية ترويج للانتخابات من القضايا الصعبة للغاية.
وتقول النائبة السراج، وهي مرشحة عن ائتلاف الوطنية الذي يتزعمه إياد علاوي، إن “مليوناً و900 ألف شخص في نينوى يحق لهم التصويت أغلبهم لا يمتلكون بطاقات جديدة أو قديمة”.
واضطر سكان نينوى أثناء فترة احتلال داعش للمحافظة الى إتلاف البطاقات الانتخابية السابقة، خوفاً من عقاب المسلحين الذين كانوا يسحبون كل الوثائق الرسمية من المدنيين، فيما أضاع آخرون بطاقاتهم أثناء رحلة النزوح الطويلة.مقابل ذلك قررت مفوضية الانتخابات بسبب ضيق الوقت استبدال الحصول على بطاقة الناخب البايومتري بإعطاء سكان نينوى بطاقات مؤقتة.
وتؤكد النائبة عن المحافظة أن “البطاقة المؤقتة من دون صورة، ويمكن لأب الاسرة لوحده أن يأخذ بطاقات جميع افراد العائلة”. وكان مسؤولون هناك حذروا من استغلال ضعف عناصر الحماية في البطاقة المؤقتة مما يسمح بالتزوير.
ويقف سكان نينوى ساعات طويلة تبدأ من الفجر الى حتى وقت الغروب للحصول على بطاقات الناخب المؤقتة، بسبب قلة مراكز الانتخابات، حيث تفجرت أغلبها ووضعت كل 4 مراكز في مبنى واحد.
علاوة على ذلك، وضع عدد من الناخبين الكرد والمسيحيين والإيزيديين في مراكز للتحديث داخل الموصل، وهم يخشون الوصول الى المدينة لأسباب أمنية.
كذلك تكشف فرح السراج، عن قرار غريب اتخذته مفوضية الانتخابات مؤخراً، في مخيمات النازحين بالإقليم يسمح لوزارة الهجرة بإدارة الانتخابات لمنع تدخل بعض المرشحين.
وأضافت: “لا نعرف ما علاقة الوزارة بالانتخابات، وهي مؤسسة تابعة للحكومة وليست مستقلة. كما ان المفوضية قررت توظيف سكان تلك المخيمات كموظفين في المفوضية لتنظيم الانتخابات”.
وتخشى النائبة من تحول عملية التصويت في اللحظات الاخيرة في نينوى الى “التصويت المشروط” الذي تقرر أن يجري في مخيمات النازحين حصراً. وتقول: “في قانون الانتخابات قررنا إلغاء مراكز العد والفرز، ولا نعرف في حالة التصويت المشروط هل ستحول أوراق التصويت مباشرة الى بغداد”.

الرغبة في المشاركة
ورغم ذلك تعتبر القوى السياسية في نينوى، إصرار السكان على الحصول على البطاقات مؤشراً على رغبة الجمهور في التغيير، خاصة أن النائبة السراج تقول إن الانتخابات في نينوى هي الاولى التي “ستجري من دون وجود تأثيرات من داعش أو القاعدة”.
ويتنافس في نينوى 907 مرشحين، لشغل 34 مقعداً، بينهم 3 “كوتا”، بمعدل 27 شخصاً على المقعد الواحد، وهو عدد يقارب نسبة التنافس في بغداد، التي يبلغ عدد مقاعدها ضعف مقاعد نينوى.
واظهرت نسبة مشاركة نينوى في انتخابات 2014، 55% مقابل 66% في انتخابات 2010. وكانت نسبة المشاركة في عموم العراق 62 % في 2010، فيما تراجعت الى 60% في الانتخابات الاخيرة.
وفي الانبار أيضاً، تراجعت نسبه المشاركة في الانتخابات الاخيرة الى أقل من 50%، مقابل 61 في اقتراع 2010. وكانت بعض القوى السياسية اعترضت في 2014 على النسبة التي ذكرتها مفوضية الانتخابات، وقالت ان نسبة المشاركة لم تتجاوز الـ20%.
وتعدّ مدن الانبار الغربية، آخر المواقع التي جرى تحريرها من تنظيم داعش، فيما يقول طه عبد الغني الهزيماوي، مرشح الانبار عن تحالف القرار الذي يتزعمه أسامة النجيفي ان “كل مدن المحافظة فيها نازحون، ويصعب علينا إقناع السكان الآن بالذهاب الى الانتخابات”.
وما زال نحو نصف مليون شخص في الانبار خارج مناطقهم الاصلية وفي مخيمات النازحين، ويؤكد الهزيماوي وهو عضو مجلس محافظة: “الناخب يسألنا كيف لم نستطع إعادته الى منطقته وإعادة منزله المدمر، بينما ندعوه الى الانتخابات!”.
وتخشى القوى السياسية في الانبار من ظاهرة المال السياسي، الذي بدأ بشراء بطاقات الانتخابات من بعض السكان مقابل مبالغ تصل الى 200 دولار.
وعلى الرغم من أنّ المسؤولين في الانبار يقولون إن نسبة التحديث لم تتجاوز الـ30%، إلا ان بعض الصفحات على “فيسبوك” التي تشجع على المشاركة بالانتخابات في الانبار تتحدث عن ارتفاع نسبة المحدثين إلى 70%، وهو رقم يتقارب مع نسبة التحديث في البصرة.

دعوات المقاطعة
وعلى خلاف المدن المحرَّرة، فقد بدأت مبكراً صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي، تدعو الى مقاطعة الانتخابات، أغلب المسؤولين عنها ومتابعيها من مناطق وسط وجنوب البلاد، حيث يشعرون بإحباط كبير خلال الـ4 سنوات التي مضت والتي شهدت ضعفاً في الخدمات وتراجعاً في الوضع الاقتصادي.
وكانت محافظات كربلاء والنجف وبابل قد ارتفعت فيها نسبة التصويت في 2014 بنسة 10 الى 20% عن انتخابات 2010. وفي البصرة ارتفعت نسبة المشاركة من 57% الى 77 % في 2014، ويعتقد النائب عامر الخزاعي، وهو المرشح الاول في البصرة عن ائتلاف رئيس الوزراء حيدر العبادي (النصر) أن “الجمهور في المحافظة كان يائساً في الاشهر الماضية، التي بدأ فيها الحديث عن الانتخابات، لكن رغبة المشاركة تصاعدت الآن”.
ويضيف الخزاعي لـ(المدى) أن “سكان البصرة بدأوا يفكرون في بدلائل المقاطعة، ومن سيأخذ أصواتهم في حال قرروا عدم المشاركة في الانتخابات”، متوقعاً أن تصل نسبة المشاركة في الاستحقاق المقبل بنحو 70% اعتماداً على نسبة التحديث البايومتري التي كانت مرتفعة في المحافظة.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close